العنوان تقديم لرواية "حديث الشيخ"
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-1972
مشاهدات 98
نشر في العدد 96
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 18-أبريل-1972
الرواية لون من ألوان الأدب محبب إلى قلوب الكثيرين، أثير عند الشباب بشكل خاص، ومن عجب أن هذا اللون من الغذاء الأدبي لم ينل حظًا من العناية ممن يكتبون الأدب مبتغين وجه الله ونفع الناس، مع إقراري بقلةِ، بل ندرةِ هذا النوع من الكُتَّاب للأسف.
بينما زَخَرَت جوانب المكتبات وغطت واجهاتها بألوان من الروايات الرخيصة لا تقدم في الغالب الأعم إلا نفايات من الأفكار مغلفةً بورق برَّاق من نداءات الجنس، فلا هي تشبع عند القراء ذوقًا أدبيًّا ولا هي تقدم لهم هدفًا كريمًا، في غالبها.
الرواية:
وجدت أنه لا بد لي من هذا التمهيد بين يدي تقديمي لرواية هادفة هي: حديث الشيخ
للأستاذ: داود سليمان العبيدي
وهي قصة شاب عابد، ملأت العبادة أقطار حياته حتى قال عنه الشيخ الموصلي: كنت والله أغبِط هذا الفتى على ما أوتي من ورع وتُقًى وتوفيق إلى الخير وهو في رَيعان الصبا.
وكان الشيخ أبو الحسن الوراق يرى فيه واحدًا ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
غير أن نفرًا من شياطين الإنس أغروا به فاتنةً لعوبًا، سحرت به وسحرته، وشُغِفت به وجعلته يَشغَفُ بها ولم تعد تصبر على فراقه يومًا أو بعض يوم، ولكن المعدن الطيب الخالص يظهر نقاؤه عندما يوضع في بوتقة الاختبار، تقع القصة في مائة وخمسين صفحة من القطع المتوسط، يرويها كاتبها على لسان محمد بن إسحق الموصلي -إثباتًا لأصلها التاريخي- تاركًا أشخاص الرواية يتحاورون ويتحركون متملكين زمام عواطف القارئ، وقد وُفِّق الكاتب توفيقًا طيبًا في التركيب الفني للرواية؛ فجاءت فصولها حلقات متسقة في عقدها المترابط، وفي عبارة متألقة منتقاة وتصوير جذاب بحيث يحس القارئ أنه يشارك شخوص الرواية حركاتهم وخلجات نفوسهم، ليستشف القارئ فيما يستشف أن الأشرار المنحرفين لا يرضون عن البررة المتقين، فهم يتربصون بهم ويشككون فيهم، ويحاولون بشتى الطرق الإيقاع بهم إلى دروب الشر، وأنهم كشياطين الجن تمامًا يُسَرُّون ويفرحون بإغواء الناس، وليتبين بالتحليل -البعد عن الوعظ- أن الإيمان عند الفرد المسلم يضعف ويقوى، يقوى متى أحيط بأسباب القوة من ذكر لله وعبادة، والتصاق بالمتقين، ويضعف بضعف الطاعات ومجاملة الأشرار، و لنقدم الآن مشهدًا من مشاهد القصة عندما أعد الأشرار العدة لإيقاع يسار الطيب في شِراك مخططهم:
«تأخر يسار ذلك المساء في بيت القاضي، فلما خرج كانت السماء قد ادلَهَمَّت بالغيوم، وأخذت ترسل رذاذًا، فأسرع يسار إلى منزله، خشية أن يدركه المطر، وقبل أن يصل البيت بخطوات برز من زاوية مظلمة رجل متوسط القامة أسود، وقال بصوت هادئ:
- هل تسمح يا سيدي؟
ونظر إليه يسار وتبين ملامحه أنه خادم الجارية، وعاد هذا يقول مرة أخرى:
- إن سيدتي مريضة وهي تود أن تراك.
لقد ظن أنه تخلص من ملاحقتها له نهائيًّا، وظن أنها لن تعترض سبيله، قال يسار في غضب:
- اغرب عن وجهي.
ولكن الخادم بقي في مكانه وقال بصوت خفيض:
- إنها مريضة يا سيدي.
وهتف يسار قائلًا:
- ويكَ يا رجل! وما شأني بمرضها؟
وسكت قليلًا ثم أضاف:
- ادع لها طبيبًا.
فأجاب الخادم بلهجة صادقة:
- لم أجد الطبيب في بيته يا سيدي، فأرسلتني أدعوك.
ولما نظر إليه يسار متعجبًا ومستغربًا، أضاف الخادم يقول:
- ربما تريد أن تُسِرَّ لك بأمر يا سيدي.
قال يسار، وقد رفع يده يهم بطرق باب داره:
- لِتُسِرَّ واحدًا من معارفها.
- وتأخر الخادم خطوة وقال:
- ولكنها لا تثق إلا بك.
وهتف يسار وهو يريد أن يتخلص:
- من أین تعرفني یا رجل؟
فأجاب الخادم بكل جدية:
- مَن من الناس لا يعرفك يا سيدي؟ مَن من الناس في بغداد لا يعرف يسارًا...؟!»
ونترك القارئ مع شوقه لهذه القصة لنقدم قصة الكاتب الثانية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل