; رأي المجتمع: تفجيرات إفريقيا بين الرعب من الإسلام.. وكراهية الأمريكان | مجلة المجتمع

العنوان رأي المجتمع: تفجيرات إفريقيا بين الرعب من الإسلام.. وكراهية الأمريكان

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1998

مشاهدات 65

نشر في العدد 1313

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 18-أغسطس-1998

انشغل العالم بأسره، خلال الأسبوعين الماضيين، بحادثي تفجير السفارتين الأمريكيتين، في كينيا وتنزانيا، واللذين أوديا بحياة أكثر من مائتي شخص، وجرح عدة آلاف آخرين. 

ولم يكن مرد الاهتمام الرسمي والإعلامي العالمي، العدد الكبير من القتلى والجرحى، الذين سقطوا في الحادث، ففي إفريقيا -على وجه الخصوص- يموت أضعاف هذا العدد في حوادث متكررة، دون أن يدري بهم أحد، وفي جنوب السودان يواجه مئات الآلاف خطر الموت جوعًا، بسبب الحرب التي يشنها الانفصاليون هناك، وبسبب الحصار الجائر الذي تواجهه حكومة الخرطوم، ومع ذلك، فلم تواجه هذه الكوارث إلا القدر القليل من الاهتمام العالمي، وقبل ذلك، قتل في رواندا وبورندي مئات الألوف في صراع كانت تغذيه وتموله قوى غربيًة متآمرًة.

أما سبب الاهتمام الرسمي والإعلامي العالمي بحادثي كينيا وتنزانيا، فهو أن الانفجارين يصنفان ضمن حوادث الإرهاب الدولي، وأنهما موجهان ضد مصالح أمريكية، وأن أصابع الاتهام قد وجهت منذ البداية ضد ما أطلق عليه الإعلام الغربي المتحيز «الإرهاب الإسلامي الدولي». 

لقد عاش العالم، منذ حادثي نيروبي ودار السلام، موجة جديدة من حالة «الإسلاموفوبيا» أو «الرعب من الإسلام» التي يروج لها الإعلام الغربي، لبث روح الكراهية والحقد ضد كل ما يمت للإسلام بصلة، وإثارة الرعب والفزع من كل ما هو إسلامي، وسارعت وسائل الإعلام وأجهزة المخابرات والتحقيقات، بتجميع أشتات صور متفرقة، وربط أطراف خيوط ممزقة من هنا وهناك، عسى أن تكتمل لديها صورة لبعض المنتسبين إلى الإسلام، ممن يمكن أن تكون لهم يد في الحادث.

وبداية نقول إننا لا نقر مثل هذه التفجيرات، ولا نقبل بأي عمل يستهدف أناسًا أبريًاء، كما أننا لا نعترض على نتيجة أي تحقيق منصف عادل، في مثل هذه الحوادث. 

ولكن.. لماذا التسرع في إلقاء التهم جزافًا؟، ولماذا اتهام الإسلاميين وحدهم دون سائر البشر؟ 

ربما يقول البعض: إن هناك تهديدات صدرت من بعض الجهات، بضرب مصالح أمريكية.. ونقول: إن مجرد التهديد لا يصلح دليلًا للإدانة، فكثير ممن يعتزمون الفعل، لا يلجؤون إلى التهديد، وكثير ممن يهددون، لا تتعدى التهديدات حناجرهم، ولا تصل إلى أيديهم. 

لقد رأينا في حوادث سابقة، وعلى وجه الخصوص حادث التفجير في أوكلاهوما بالولايات المتحدة، كيف ألقى البعض بالمسؤولية على الإسلاميين، بل ألقي القبض على أحد المسافرين عبر الأطلنطي، بحجة الاشتباه في صلته بالحادث، ثم اتضح أن وراء الحادث أمريكيين من البيض وليسوا مسلمين! 

وهناك حادث سقوط طائرة فور إقلاعها من نيويورك عام ١٩٩٥م، والذي جرى تفسيره على أنه حادث إرهابي، ثم اتضح أنه نتيجة خلل ميكانيكي، وحتى حادث سقوط طائرة بان أمريكان، والذي اتخذ ذريعة لتهديد إيران لفترة، ثم لفرض العقوبات على ليبيا، لم تتحدد المسؤولية عن تدبيره حتى اليوم. 

وقد تستغرق التحقيقات في حادثي نيروبي ودار السلام شهورًا أو سنوات، وقد تصل التحقيقات إلى نتيجة، وقد لا تصل.. فهل يعقل أن يظل الإسلاميون طوال الوقت في قفص الاتهام، تحوط بهم دوائر الشك والريبة؟

*       *       *

الملاحظة الثانية التي يثيرها حادث التفجير، والتي ينبغي على الإدارة الأمريكية، وصانعي القرار فيها، وعلى مراكز التفكير والتوجيه الأمريكية، أن تضعها في دائرة البحث والاهتمام، فهي: لماذا استقطبت الولايات المتحدة كراهية شعوب العالم وغضبها؟، ولماذا تتركز معظم أعمال العنف الدولية ضد المصالح الأمريكية؟ لا يكفي أن يقال إن الولايات المتحدة، هي زعيمة العالم اليوم، وإنها تدفع ثمن تمسكها بالديمقراطية والليبرالية، وحقوق الإنسان. 

فعلى مدار عقود من الزمان، حفرت السياسات الأمريكية المنحازة، ضد مصالح الشعوب والمتحيزة للحكام المتسلطين والطغاة، وللتكتلات الدولية المستغلة، والمرتمية في أحضان الصهيونية العالمية، حتى أصبح اليهود يسيطرون على البيت الأبيض وعلى مراكز صناع القرار الأمريكي، حفرت هذه السياسات، أخاديد في ذاكرة الشعوب، لا يمكن أن تنسى ورسمت صورًة بغيضًة للإدارات الأمريكية المتعاقبة، وما حوادث العنف التي تتفجر هنا وهناك، ضد المصالح والرموز الأمريكية، إلا امتداد لهذه الصورة المرسومة عند الشعوب. 

إذا كانت الولايات المتحدة زعيمة العالم اليوم، كما يقال، فإن هذه الزعامة تلقي عليها مسؤوليات وتبعات، مثلما تعطيها من امتيازات، ولا يصح أن تتمتع الولايات المتحدة بالامتيازات وحدها، وتسرف فيها لدرجة الاستغلال، دون أن تتحمل تبعات مسؤوليتها. 

إن الشعوب المستضعفة ترى أن حقوقها مهضومة وأن الولايات المتحدة تعين الباغي، وتدعم الظالم، ولننظر إلى الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية.. إن الإدارة الأمريكية منحازة للصهاينة على طول الخط، وهي لا تكف عن تقديم الدعم والعون لهم، ولا تصيخ سمعًا لاستغاثات المظلومين في فلسطين، وهي الحليف الاستراتيجي لإسرائيل. 

وفي البوسنة، تآمرت الولايات المتحدة، حتى أفرغت القضية من محتواها، وجردت المسلمين هناك من كل مقومات قوتهم، وحرمتهم من قيام كيانهم المستقل، ووقفت سنوات تتفرج على مأساتهم البشعة.

وفي كوسوفا تتكرر المأساة.. بل في رواندا، وبورندي، وزائير، وهي بلاد ليست بعيدة عن موقعي الانفجارين الأخيرين، لعبت الولايات المتحدة دورًا رئيسًا في تأجيج الصراعات هناك، لتحقيق مصالحها الاستراتيجية السياسية والاقتصادية. 

إن أحد دروس حادثي التفجيرين الأخيرين، أنه لا يكفي أن تعلن الولايات المتحدة، أنها ستتخذ الإجراءات الاحترازية التي تمنع تكرار مثل هذه الحوادث، لقد أنفقت الإدارة الأمريكية المليارات من الدولارات، دون أن تحقق الأمن وسيظل الأمن مفتقدًا، ما لم تلجأ الولايات المتحدة إلى معالجة أسباب العنف من جذورها، بتبني سياسات عادلة منصفة غير منحازة، ولا متحيزة، ووقتها لن يلجأ البعض إلى التفجيرات، ليوصل رسالة يريد أن تسمعها الأذن الأمريكية الصماء.

الرابط المختصر :