العنوان تفاصيل مجزرة حي «الشيخ رضوان» في غزة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1995
مشاهدات 64
نشر في العدد 1145
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 11-أبريل-1995
قطاع غزة المحتل: خاص لـ«المجتمع»
· السيناريو الكامل لضلوع عرفات مع الصهاينة في تنفيذ المجزرة
· شرطة عرفات تختطف شاهد الإثبات الوحيد ضدها من داخل المستشفى
استشهد أربعة أشخاص، وأصيب أكثر من 30 آخرين بجروح في الانفجار الهائل الذي وقع ظهر يوم الأحد الماضي 2 إبريل 1995 في منزل مكون من ثلاثة طوابق في حي الشيخ رضوان في مدينة غزة، وحسب مصادر مختلفة فإنه في الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر سُمع صوت انفجار هائل عُثر على أثره على أشلاء أربع جثث، بينهم جثة الشهيد كمال كحيل أحد أبرز القادة في كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس، والذي تطارده سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ أربعة أعوام.
وعلى إثر هذا الحادث أعلن قائد الشرطة الفلسطينية في غزة أن مجموعة من كتائب عز الدين القسام كانت في المبنى تعد المتفجرات، إلا أن الدكتور محمود الزهار أحد رموز حركة حماس في قطاع غزة قال إن حماس لا تصنع قنابل في حي سكني، وقال إن الرجال قُتلوا غيلة في مؤامرة نفذها خبير مفرقعات، واتهمت حركة حماس في بيان وزع في مدينة غزة مساء الأحد السلطة الفلسطينية وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بتدبير الانفجار، وقالت إن المجزرة استهدفت عددًا من قيادات ومطاردي كتائب القسام الذين كانت سلطات الاحتلال الصهيوني ووحداتها الخاصة تتعقبهم وتطاردهم منذ بضع سنوات، وأكد بيان لكتائب القسام أنه ليس من أسلوب الكتائب إعداد عبوات ناسفة في مبان آهلة بالسكان.
وفي ضوء هذا الحادث تشير إرهاصات عديدة قبل وقوعه إلى تورط السلطة الفلسطينية فيه، وأهمها تهديدات السلطة لحركة حماس حيث قال ياسر عرفات رئيس السلطة في مقابلة مع صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية نشرت يوم الثلاثاء الماضي 28 مارس 1995م: «إذا لم يتصرف «المتطرفون» كما يجب فسأسلط عليهم رجالي الذين سيسحقونهم»، مشيرًا إلى أنه قرر اتخاذ إجراءات بشن حملات لاعتقال معارضيه والتلويح بنزع أسلحتهم.
وقد تبع هذه التصريحات إجراءات اتخذتها السلطة لتحجيم حركة حماس وجهازها العسكري، أهمها الإعلان عن تشكيل لجنة أمنية مشتركة مع جهاز المخابرات الإسرائيلية «الشين بيت» قبل بضعة أيام من حادث «الشيخ رضوان»، وإصدار عرفات قرارًا بتشكيل «محكمة أمن دولة عليا»، حيث فسر ذلك بأنه يهدف إلى تقويض ومعاقبة كل من يعارض السلطة واتفاقيات السلام مع «إسرائيل»، وقد حولت السلطة بالفعل اثنين من مطاردي حركة حماس إلى هذه المحكمة.
وهناك دلائل أخرى تشير إلى تورط إسرائيل والسلطة الفلسطينية في هذه المجزرة، ومنها قيام الأجهزة الأمنية الإسرائيلية قبل أيام من الحادث بتوزيع تقرير عن الشهيد كمال كحيل الذي راح ضحية الانفجار، ووصفته بأنه من أخطر المطلوبين لقوات الأمن الإسرائيلية، وأنه أحد تلامذة المطارد يحيى عياش الملقب بالمهندس، كما جاء في صحيفة «يديعوت أحرونوت» في يوم 3 إبريل 1995 أن «إسرائيل» صفت المطلوب رقم في قطاع غزة، وذكرت صحيفة دافار الصهيونية في نفس اليوم أن مقتل المطلوب كمال كحيل يعد أول نصر لرئيس الشاباك الجديد، كما صرح العميد نصر يوسف قائد الشرطة الفلسطينية في قطاع غزة قبل أيام من الحادث حسب جريدة الرأي الأردنية في تقرير المراسل لها من قطاع غزة يوم 4 إبريل 1995م أنه على استعداد للتضحية بمئة جندي مقابل الإمساك بكمال كحيل.
ويستنتج في ضوء هذه التصريحات أن الاستخبارات الإسرائيلية وأجهزة السلطة الفلسطينية قد كثفت في الفترة الأخيرة من عمليات البحث عن كمال كحيل وأعضاء خليته، وأنهما ربما حصلتا على معلومات عن أماكن وجوده من خلال الاعتقالات الأخيرة والتحقيقات مع أعضاء حماس، وخاصة التحقيق مع المعتقل وسام فرحات الذي اعتقل بعد اتهامه بمحاولة تفجير شاحنة مفخخة قبل أسبوعين في مدينة بئر السبع؛ حيث قال محاميه صالح محاميد: إن وسام قال في محضر التحقيق الذي أجري معه أنه التقى كمال كحيل في منزل في حي "الشيخ رضوان"، وتلقى على يديه تدريبات على استخدام السلاح في بساتين حول مدينة غزة، كما طاردت الشرطة الفلسطينية يوم الخميس الماضي 30 مارس 1995 الشهيد كمال كحيل في منطقة حي الشيخ رضوان بقطاع غزة لكنه نجح في الإفلات منهم.
ومن الدلائل التي تشير إلى تورط إسرائيل والسلطة الفلسطينية أيضًا بالمجزرة قيام الأجهزة الأمنية الفلسطينية بخطف أحد جرحى المجزرة وهو نضال دبابيش من المستشفى، وذلك أثناء قيام أهله بزيارته، وقالت مصادر الأمن الوقائي الفلسطيني أنها قامت باعتقاله، فيما ادعى العميد غازي الجبالي قائد شرطة مدينة غزة، أن نضال قد قتل في الانفجار على الرغم من تأكيدات ضباط آخرين بأنه موجود، ثم اعترف الجبالي في وقت لاحق بأنه محتجز لدى السلطة، الأمر الذي يعكس سعي السلطة لحجب الحقيقة؛ حيث يعد نضال دبابيش شاهد العيان الرئيس على كيفية حدوث المجزرة، وهو الساعد الأيمن للشهيد كمال كحيل حسب تقارير المخابرات الإسرائيلية.
تحليل المجزرة ومسؤوليتها ومترتباتها
لابد في معرض تحليل حادث حي الشيخ رضوان بغزة من تحديد الطرف أو الأطراف المسؤولة عنه، وخلفيات وقوعه، وموقع هذا الحدث في سياق الصراع الدائر حول مشروع الحكم الذاتي، وآثاره المحتملة على هذا الصراع من مختلف الجوانب، ففي مجال تحديد الجهات المسؤولة عن الحادث، ينبغي الإشارة إلى أن أجهزة الأمن الإسرائيلية «الشين بيت والشاباك وغيرها» قد قامت في السنوات السابقة بعمليات تصفية عديدة لأفراد كتائب القسام والجهاد الإسلامي، كان آخرها اغتيال الشهيد هاني عابد من زعماء حركة الجهاد الإسلامي عبر تفجير عبوة مفخخة فيه، ويلعب العملاء المزروعون في صفوف الشعب وقوات الشرطة الفلسطينية ووحدات المستعربين ووحدات الأمن الصهيوني المختارة دورًا أساسيًا في توفير المعلومات، وتنفيذ مهمات الاغتيال بحق الأبطال المجاهدين وتتركز هذه العمليات على اغتيال المطاردين والمطلوبين والقادة العسكريين للمقاومة؛ ولذا لا تختلف عملية حي "الشيخ رضوان" عن سابقاتها، خاصة أنها موجهة ضد البطل كمال كحيل أحد قادة كتائب القسام في غزة وهو المطلوب منذ مدة طويلة لأجهزة الأمن الصهيوني لمسؤوليته عن عدد من العمليات البطولية ضد أفرادها، ويؤيد ذلك ما ورد في بعض الصحف الإسرائيلية من أن أجهزة الأمن الإسرائيلية قد صفت كحيل المطلوب رقم 1 في غزة.
على أنه يجب إدراك حقيقة أن هذه الأجهزة لا تستطيع وحدها تنفيذ العملية نظرًا لمحدودية حركتها في منطقة الحكم الذاتي وصعوبة ملاحقة تحركات رجل خبير ومدرب مثل الشهيد كحيل، والسؤال المطروح هنا: هل حدث تعاون بين أجهزة الأمن الإسرائيلي وبين أجهزة سلطة الحكم الذاتي في تنفيذ عملية الاغتيال هذه؟
إن جملة معلومات وشواهد تدل على قيام مثل هذا التعاون، وعلم السلطة المسبق بهذا العمل الإجرامي، نورد أهمها فيما يلي:
1- لقد كان الشهيد كمال كحيل مطلوبًا أيضًا لأجهزة الحكم الذاتي الأمنية بتكليف من أجهزة العدو، وبدعوى مشاركته في الدفاع عن جماهير المصلين في الأحداث التي أعقبت مذبحة مسجد فلسطين التي ارتكبتها هذه الأجهزة بحق أبناء الشعب العام الماضي، بل إن اسم الشهيد قد ورد على لسان العميد يوسف نصر في معرض التهديد والوعيد، وقد تم الإغارة على مخبأ الشهيد أكثر من مرة من قبل أجهزة عرفات الأمنية.
2- رغم الغموض الذي يكتنف الحدث فقد كان السيناريو الذي قدمته الشرطة الفلسطينية للأحداث معدًّا، فالشرطة أعلنت بعد أقل من نصف ساعة من وقوع الحادث أن المكان مصنع للمتفجرات تديره عناصر القسام، وهي على يقين من أن الشهيد كحيل كان موجودًا في المكان، وهي للمرة الأولى لم توجه من قريب أو بعيد أصبع الاتهام للكيان الصهيوني ولا لعملائه كما هي عادتها، وإن حماس هي المسؤولة بشكل كامل عن الحادث وتعريض حياة المدنيين للخطر!
3- يأتي هذا الحادث بعد أيام قلائل من تعهد عرفات في لقاء صحفي بسحق المتطرفين المعارضين لعملية السلام في غزة.
4- رفض مسؤولو الدفاع المدني في غزة ادعاءات العميد غازي الجبالي بوجود مصنع للأسلحة وصواريخ من صنع إسرائيلي وحقائب ملغومة ومواد كيماوية خطيرة، الأمر الذي حدا به لمنع مديرية الدفاع المدني من توزيع بيان صادر عنها يتضمن شهادتها حول حقيقة ما حدث، وإصدار بيان مزور باسم مديرية الدفاع المدني.
5- بات من المؤكد أن أجهزة الاستخبارات الصهيونية وأجهزة الأمن في سلطة الحكم الذاتي الهزيل على علم مسبق بالمكان الذي كان يختبئ فيه الشهيد كمال كحيل في حي «الشيخ رضوان»، وأنها استطاعت الوصول إلى طرف خيط يقود إلى معرفة المكان؛ حيث أكد المحامي صالح محاميد -من سكان الأراضي المحتلة عام 1948- محامي المعتقل وسام فرحات الذي تم اعتقاله على خلفية حافلة بئر السبع-- أن فرحات اعترف خلال تحقيقات العدو معه قبل حوالي أسبوعين بأنه التقى مع الشهيد كمال كحيل في المنزل الذي يختبئ فيه في حي الشيخ رضوان ومن ثم تم إبلاغ الأجهزة الأمنية في سلطة عرفات بهذه المعلومات والشروع في تنفيذ مخطط الاغتيال عبر اللجنة الأمنية الصهيونية، العرفاتية المشتركة.
6- إن هذا التعاون الأمني يأتي متسقًا مع روح ونصوص اتفاق غزة- أريحا وملحقاته والرسائل المتبادلة بشأنه والاتفاقات الأمنية التي نتجت عنه، والتي تتعهد السلطة الفلسطينية بموجبها بالتعاون مع أجهزة العدو الصهيوني في مجال ملاحقة رجال المقاومة المخالفين للاتفاق، وتأديبهم وتسمح لهذه الأجهزة بتعقب هؤلاء في مناطق الحكم الذاتي وتسليم المطلوبين منهم لها، وتلزم هذه الاتفاقات سلطة عرفات بالتعاون مع العدو في مجال جمع وتبادل المعلومات عن القوى الإسلامية المناهضة للاتفاق، والامتناع عن ملاحقة العملاء، واستيعاب هؤلاء في أجهزة السلطة الرسمية، ولقد قادت المعلومات التي قدمتها أجهزة عرفات في العام الماضي العدو للاستدلال على مكان الجندي المخطوف نخشون فاكسمان في بيت في قرية بير نبالا مما أدى إلى استشهاد واعتقال أفراد خلية القسام المنفذة للعملية.
ولا شك أن أهالي القطاع الصامد قد استعادوا يوم الاثنين الماضي 3 إبريل 1995م ذكريات الممارسات الصهيونية الهمجية، وهم يرون مرتزقة عرفات يختطفون جثث الشهداء ويدفنونها في ظلمة الليل بعيدًا عن أهاليهم. ويحظرون الجنازات والمسيرات تمامًا كما كان يفعل الاحتلال الصهيوني من قبل، لقد كان الدرس واضحًا أمام أعينهم، فالاحتلال لم ينته، وكل ما في الأمر أنه أوكل مهمته القذرة في ملاحقة المجاهدين والاعتداء على حرمات دم الشعب وملاحقة أبطاله إلى عرفات وزمره المسماة بالأجهزة الأمنية!
إن ما حدث في غزة في الأسبوع الماضي يعد مؤشرًا على بداية معركة قادمة ليس من السهل إيقافها بعد أن أعطى عرفات الإذن بشنها ضد الجهاد الفلسطيني، ولا يتوقع أن تنتهي هذه المعركة إلا بتدمير قوى الطرفين وخروج العدو منتصرًا ومستمرًا في احتلال الأرض والمقدسات، فيما يلعق شعب فلسطين جراحه وآلامه، إن المراقبين يؤكدون أن عرفات يرتكب خطأ كبيرًا في لحظات حاسمة من تاريخ الشعب الفلسطيني إذا أعتقد أنه يستطيع أن يلعب بنيران الفتنة دون أن يحترق بها وتحترق معه بقايا ماضيه كقائد للثورة.