العنوان تفاصيل جديدة من «بيت الأسرار» عن عملية «نورث وودس
الكاتب محمد دلبح
تاريخ النشر السبت 20-يوليو-2002
مشاهدات 62
نشر في العدد 1510
نشر في الصفحة 42
السبت 20-يوليو-2002
مغامرات مجنونة وأعمال إرهابية في مدن أمريكية.. خطف طائرات ونسف سفن لخداع الشعب الأمريكي والأسرة الدولية لتأييد الحرب ضد كوبا.
هناك الكثير من التحليلات والتكهنات التي يعج بها عديد من مواقع الإنترنت والمقالات, وحتى الكتب يعتقد أصحابها أن هجمات 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن كانت بفعل قوى من داخل السلطة في الولايات المتحدة أصحاب هذه التكهنات يعتقدون أن قوى اليمين المتطرف داخل السلطة الأمريكية وخارجها وخاصة ذوي الصبغة الأيديولوجية, ومخلفات عهد الرئيس الأسبق رونالد ريجان سعوا إلى خلق مبرر لفرض الهيمنة الأمريكية بالقوة المسلحة, والتمدد العسكري والأمني في العالم لدعم السيطرة الاقتصادية, وخاصة فيما يتعلق بالنفط, وأن يكون غزو أفغانستان والحرب على الإرهاب هو مدخلهم لذلك.
الكتاب الذي تتناوله هنا (سبق أن أشارت إليه المجتمع بإيجاز في عدد ١٤٧٥ بتاريخ ١٨ شعبان ١٤٢٢هـ / ٣ نوفمبر ۲۰۰1) يشرح بالتفصيل كيف أنه في أوائل الستينيات من القرن الماضي وضع القادة العسكريون الأمريكيون مسودة خطط لقتل أناس أبرياء واقتراف أعمال إرهاب في مدن أمريكية، لإيجاد دعم شعبي لشن حرب ضد كوبا، وأطلق على تلك الخطط اسم سري هو عملية «نورث وودس». ويذكر أن الخطط اشتملت على إمكان اغتيال مهاجرين كوبيين وإغراق زوارق لاجئين كوبيين في عرض البحار، واختطاف طائرات ونسف سفينة أمريكية، وحتى تدبير أعمال إرهاب عنيفة في مدن أمريكية.
وقد وضعت هذه الخطط كسبيل لخداع الرأي العام الأمريكي والأسرة الدولية من أجل تأييد حرب ضد زعيم كوبا- الجديد آنذاك- فيدل كاسترو.
كما أن كبار القادة العسكريين الأمريكيين فكروا حتى في إحداث إصابات في صفوف العسكريين الأمريكيين وكتبوا «إن باستطاعتنا نسف سفينة أمريكية في خليج جوانتانامو وإلقاء اللوم في ذلك على كوبا. وإن قوائم بالإصابات الأمريكية تنشر في الصحف الأمريكية ستؤدي إلى إثارة موجة مساعدة من السخط القومي».
تفاصيل هذه الخطط ذكرها كتاب «بيت الأسرار»، الذي ألفه الصحفي المحقق جيس بامفورد عن تاريخ «وكالة الأمن القومي»، وهي أكبر وكالة تجسس أمريكية. وعلى أي حال فإن الخطط- كما أشار الكتاب- لم تكن مرتبطة بوكالة الأمن القومي.
وحظيت الخطط بموافقة خطية لكل رؤساء هيئة أركان القوات الأمريكية المشتركة وقدمت إلى روبرت ماكنمارا، وزير الدفاع في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق جون كنيدي في شهر مارس ١٩٦٢م, ولكن يبدو أن القيادة المدنية رفضتها وظلت دون أن يكشف النقاب عنها طيلة نحو ٤٠ عامًا.
وقال المؤلف في مقابلة معه نشرتها شبكة التلفزيون الأمريكية «إي بي سي» مؤخرًا إن «هذه وثائق لرؤساء هيئة الأركان المشتركة, وأن سبب إبقائها سرية طيلة هذه الفترة الطويلة هو أن رؤساء هيئة الأركان المشتركة لم يريدوا إظهارها لأنهم كانوا محرجين جدًا. وأن جوهر الديمقراطية كلها هو أن يستجيب القادة إلى الإرادة العامة «الشعب». وهنا يكمن العكس تمامًا، فإن الجيش يحاول خداع الشعب الأمريكي والدخول في حرب يريدها العسكريون ولا يريدها أحد غيرهم». وكتب بامفورد أن الوثائق تظهر أن «رؤساء هيئة الأركان المشتركة وضعوا وأقروا الخطط لما يمكن أن يكون أكثر الخطط فسادًا أوجدتها الحكومة الأمريكية». وتظهر الوثائق أن رؤساء هيئة الأركان المشتركة اقترحوا حتى استخدام الموت المحتمل لرائد الفضاء جون جلين خلال المحاولة الأولى لوضع أمريكي في المدار حول الأرض كمسوغ كاذب للحرب مع كوبا، وكتبوا أنه «إذا ما انفجر الصاروخ «الذي تطلق به سفينة الفضاء» وقتل جلين، فإن الهدف هو تقديم دليل لا يمكن دحضه «قاطع» أن الخطأ يكمن لدى الشيوعيين في كوبا». وكان الحافز لهذه الخطط الرغبة الشديدة لدى كبار القادة العسكريين للتخلص من كاسترو, الذي استولى على السلطة في عام ١٩٥٩م بعد نجاح الثورة التي قادها ضد دكتاتورية باتيستا ليصبح أول زعيم شيوعي في نصف الكرة الغربي وعلى بُعد ۹۰ ميلًا فقط من السواحل الأمريكية.
وإن الغزو السابق لكوبا الذي رعته ودعمته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية «سي أي إيه» لخليج الخنازير الذي قام به منفيون كوبيون كان فشلًا كارثيًّا، لم يسمح فيه للجيش الأمريكي تقديم دعم بقوة النيران. ويريد قادة الجيش الآن «في هذه الخطط» في محاولة للثأر أن يردوا على ذلك.
ويقول بامفورد: «إن الأمر كله كان غريبًا جدًا» مشيرًا إلى الحاجة لتأييد شعبي ودولي من أجل القيام بغزو, ولكن الرأي العام الأمريكي والرأي العام الكوبي لم يريدا- على ما يبدو- قوات أمريكية تنتشر للإطاحة بكاسترو.
وانعكاسًا لذلك، فإن الخطة الأمريكية دعت إلى فرض سيطرة عسكرية طويلة المدى- وليس سيطرة ديمقراطية- على شعب الجزيرة بعد الغزو.
ويقول بامفورد «إن هذا ما كان يفترض أننا سنحررهم منه، وأن السبيل الوحيد لنجاحنا هو أن نعمل ما عمله الروس في كل أنحاء العالم بفرض حكومة من الطغاة، وهو أساسًا ما كنا نتهم به کاسترو نفسه بعمله».
وكانت هيئة الأركان المشتركة للقوات الأمريكية آنذاك برئاسة جنرال الجيش المعين من الرئيس الأسبق داویت أیزنهاور، ليمان ليمنتزر الذي أخذ الخطط بيده واجتمع مع ماكنمارا في ١٣ مارس ١٩٦٢م للتوصية بعملية «نورث وودس»، ليقوم بها الجيش. ولم ينضح إن كانت تلك الخطط قد رفضها ماكنمارا في ذلك الاجتماع، ولكن بعد ثلاثة أيام أبلغ كنيدي ليمنتزر مباشرة أنه لا يوجد بالفعل أي إمكان باستخدام قوة مكشوفة للاستيلاء على كوبا. وقال بامفورد إنه خلال أشهر فإنه تم رفض تجديد فترة جديدة للجنرال ليمنترز كرئيس لهيئة الأركان المشتركة ونقل إلى وظيفة أخرى.
وجاءت تلك الخطط السرية في وقت كانت هناك حالة من عدم الثقة في قيادة الجيش بشأن قيادتهم المدنية ووجود زعماء ينظر إليهم على أنهم ليبراليون, ويتخذون مواقف لينة تجاه الشيوعية.
وفي الوقت نفسه كانت هناك مخاوف في المجتمع الأمريكي بشأن الجيش وتجاوزه حدوده.
وكانت هناك تقارير أن قادة الجيش شجعوا مرؤسيهم للتصويت لصالح المحافظين خلال الانتخابات.
وقد صدر كتابان- على الأقل- حظيا بقبول شعبي يركزان على القيادة العسكرية اليمينية وتخطيها الحدود ضد سياسة الحكومة الأمريكية في ذلك الوقت، فقد نشرت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي تقريرها الخاص بالتطرف اليميني في الجيش وحذرت من «مخاطر كبيرة» في «النشاطات التثقيفية والدعائية» للعسكريين, ودعت اللجنة إلى التحقيق في أي روابط بين ليمنتزر والمجموعات اليمينية.
ويكشف بامفورد أن الكونجرس لم يعلم بعملية «نورث وودس», وعلى الرغم من أن أحدًا في الكونجرس لم يعلم في حينه فإن ليمنتزر ورؤساء هيئة الأركان المشتركة تجاوزا بهدوء كل الحدود.
ويضيف بامفورد أنه «حتى بعد ذهاب ليمنتزر فإن رؤساء هيئة الأركان المشتركة واصلوا التخطيط لعمليات تحت ذرائع ومسوغات معينة حتى نهاية عام ١٩٦٣م على الأقل، وكانت إحدى الأفكار تقوم على اختلاق حرب بين كوبا ودولة أمريكية لاتينية أخرى حتى يكون باستطاعة الولايات المتحدة التدخل. وكانت هناك فكرة أخرى تقوم على أساس رشوة شخص ما في الحكومة الكوبية لمهاجمة القوات الأمريكية في قاعدة جوانتانامو البحرية، وهذا عمل يصفه بامفورد أنه يرقى إلى منزلة الخيانة العظمى. كما كانت هناك فكرة تحليق طائرة تجسس أمريكية من طراز يو٢ على مستوى منخفض فوق كوبا بهدف حمل أحدهم على إسقاطها واتخاذ ذلك ذريعة لشَن حرب ضد كوبا.
ويؤكد بامفورد «لقد كان هناك قلق حقًا في ذلك الوقت من جنون العسكريين وقد كانوا كذلك, ولكنهم لم ينجحوا ولا يعود ذلك لقلة محاولاتهم», ويضيف «إنه لأمر يدعو إلى السخرية أن الوثائق خرجت إلى النور، ويعود السبب في ذلك إلى فيلم أوليفر ستون «جي إف كي» لعام ١٩٩٢م, الذي تناول احتمال وجود مؤامرة وراء اغتيال كنيدي.
ويسبب الاهتمام العام بعملية اغتيال كيندي بعد نشر الفيلم أقر الكونجرس قانونًا يهدف إلى زيادة وصول الجمهور إلى السجلات الحكومية المتعلقة بعملية الاغتيال.
ويقول بامفورد إن أحد الأصدقاء أبلغه بالوثائق، وأن ليمنتزر الذي كان خائفًا من تحقيقات يجريها الكونجرس أمر بتدمير كل وثائق رؤساء هيئة الأركان المشتركة المتعلقة بخليج الخنازير، ولكن هذه الوثائق بقيت بطريقة أو بأخرى.
الأمر المرعب أنه ما من شيء من هذه الوثائق ظهر إلى النور إلا بعد مرور ٤٠ عامًا.
فهل ننتظر أربعين عامًا حتى تتسرب حقيقة ما حدث في 11 سبتمبر؟.