العنوان تعليقات على أحداث
الكاتب محمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 27-أغسطس-1996
مشاهدات 80
نشر في العدد 1214
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 27-أغسطس-1996
الأدب مع الرسول ﷺ
في العدد رَقَم (٢٥) الذي صدر في يوليو الماضي من نشرة الشعلة والتي تصدرها اللجنة الإعلامية لرابطة كلية العلوم الإدارية، اعتبر الدكتور أحمد البغدادي –أستاذ العلوم السياسية– ما قام به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من جهاد ودعوة في مكة المكرمة إنما هو فشل، حيث قال: (لقد فشل النبي ﷺ في فرض الإسلام على المجتمع المكي مدة ثلاثة عشر عامًا إلى حين دخل الإسلام قلوب الأنصار).
ومع أن العبارة التي استخدمها الدكتور البغدادي تتعارض مع روح الإسلام في أنه «لا يفرض على الناس فرضًا» وليس على الرسول -صلى الله عليه وسلم- هداية الناس وإنما عليه البلاغ، إلا أن هذا الأسلوب في الكتابة، أقل ما يقال عنه إنه «سوء أدب مع الرسول -صلى الله عليه وسلم-» حيث أمرنا الله -عز وجل- بالتأدب مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيًا وميتًا، حيث قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (سورة الحجرات: ۲).
والدكتور البغدادي يحق له أن يخالف من يشاء في رأيه، خصوصًا وأن الدكتور البغدادي جند قلمه ضد التيارات الإسلامية، ولكن يبدو أن الدكتور البغدادي في تطرفه وكتاباته لم يقيد نفسه بضوابط محددة، بحيث بدأ التهجم على الإسلام نفسه وصلاحيته في كل زمان ومكان في مقالات سابقة له، والآن بدأ يمس ذات الرسول -صلى الله عليه وسلم- جاهلًا أو متعمدًا.
فالدكتور البغدادي لا يختلف عن أقرانه العلمانيين من معارضي التيارات الإسلامية في منهجية العداء المطلق والنقد اللا موضوعي لحركة الدين في الماضي والحاضر، حتى وإن مس هذا النقد ثوابت في الدين ومبادئ في الشرع ارتضاها المسلمون، حيث تتميز كتابات عموم هؤلاء الكتاب بأنها تلتقي على التالي:
- البعد عن الحيدة العلمية في النقد والعرض؛ إذ إنه يتوجب على الكاتب الموضوعي أن يقوم بتحليل الواقع تحليلًا علميًا محكمًا مع النَّظْرَة إلى الدين الإسلامي بشكل إيجابي.
٢- الأحكام المسبقة على حركة الدين في الماضي والحاضر، وإعمال التفسير الاستشراقي والمادي على هذه الحركة.
٣- نقد الدين الإسلامي وصلاحيته للتطبيق عن طريق نقد المؤسسات والعمل وحركة التاريخ الإسلامي دونمَا فرز للمدخلات الموضوعية في كل عصر وموقف.
٤- التعامل مع النتائج المقررة مسبقًا بالانبطاح التام للنظرة الغربية في الحياة، ومحاولة إسقاط النتائج الإيجابية عليها.
عمومًا هذه المنهجية في نقد الدين تكرر نفسها في كل زمان بصور وأشكال مختلفة، ولكن من الخطورة بمكان أن لا يدرك الدكتور البغدادي وزملاؤه أهمية الانتباه من الوقوع في محاذير شرعية خطرة على دين الإنسان وعقيدته، وذلك بحجة نقد المشروع الإسلامي، فنسأل الله لنا ولهم الهداية للحق.
عرفات والأسطوانة العربية الثورية:
لا يختلف نظام عرفات -رئيس السلطة الذاتية الفلسطينية- عن أي نظام عربي ثوري في حالة فشله وسقوط نظامه السياسي؛ حيث إن صحيفة الاتهامات جاهزة بعد فشل النظام السياسي كالعادة، إذ تبدأ مسرحية الانقلاب، ثم الانقلاب المضاد والبيان الذي يتهم أعداء الثورة والنظام، ثم ربط هذا الانقلاب بالمعارضة، وكل ما يمت لها بصلة، وتزداد الأمور تعقيدًا وذلك باكتشاف أن المتآمرين لهم علاقات بأطراف خارجية، ويجب أن يتحد الشعب ضد الخونة، ولا بأس بأن تنسب كل أخطاء النظام بجميع خصومه في الداخل والخارج.
هذه الأسطوانة المتكررة لا زال رئيس السلطة الفلسطينية يستخدمها ضد معارضيه، فقد أكد في الأسبوع الماضي أن المتطرفين الإسلاميين يدبرون في الخارج محاولات انقلاب ضده، وهو يؤكد بأن مجموعات أصولية إسلامية ليس في فلسطين، بل في خارجها تحاول تدميره، والعجيب كيف سيكون ذلك وهو يحيط نفسه بخمسة أجهزة أمن، وتحيط به إسرائيل بأمنها ورجالها من حوله، لا ندري كيف؟
من جانب آخر يدافع محمود عباس أبو مازن الأمين العام للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عن رئيسه مصرحًا لصحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية بأن عرفات تعرض لمحاولات اعتداء على حياته عدة مرات من قبل أفراد، ومن قبل منظمات معادية للسلام، خلال الأسابيع الأخيرة، مع أن قادة الانقلاب وفق ما ذكرته أجهزة الإعلام العالمية بأنهم ينتمون لأجهزة أمنه التي أيدته وسارت في ركابه.
إذًا أليس عرفات نسيج طبيعي للأنظمة العربية الثورية التي ساد لهجتها الخوف من المتآمرين في كل مسارها السياسي؟ وبالرغم من تغير الظروف السياسية والمناخ الإقليمي إلا أن السلطة الفلسطينية برئاسة عرفات تريد أن تقوم بنفس الأداء الثوري للسلطة، وإلا كيف ستكون سلطة عربية ثورية.
الإدارة الأمريكية ولاعب السيرك:
أقل ما يوصف عن تصرفات وسلوك الإدارة الأمريكية هذه الأيام بسلوك لاعب السيرك، والذي يمشي على حبل مشدود بين ناطحتي سحاب، فلاعب السيرك هذا جل تركيزه على اتزانه الذي يعتمد على ما يحمله من عصا طويلة أو سلك حديد، كما أن أعصابه تكون دائمًا متوترة، وأن تركيزه يكون على مساره، في حين أنه لا يعير أي اهتمام لحركة الناس من تحته، ولهذا فإن الإدارة الأمريكية هذه الأيام ينتابها الغضب والعصبية في تعاملها مع الأحداث حرصًا شديدًا منها على كسب أصوات وأموال اللوبي اليهودي الصهيوني في الولايات المتحدة والناخبين عمومًا، ولهذا فإن التوتر غير المبرر في التصريحات والسلوك السياسي للبيت الأبيض يجب تفهمه في أنه تضبيط انتخابي (وفق نظرية لاعب السيرك).
ومن جانب آخر فإنه يسود في هذه الأيام التفلت السياسي من الانضباط بسياسة الولايات المتحدة في أكثر من إقليم؛ حيث إن الإدارة الأمريكية مشغولة بالمحافظة على المعادلات الداخلية والخارجية قدر الإمكان، حتى لا يعكر مسارها الانتخابي أي حدث، وذلك لضمان نجاح الرئيس كلينتون، ولهذا فإن المسارعة والمبادرة من قبل بعض الدول لإجراء تعديلات في مواقفها، أو لاقتناص فرص مصلحية سائحة، أو لتثوير مناطق لحسابها الخاص يبدو واضحًا، لأنه أصبح فرصة متاحة، فلاعب السيرك «الإدارة الأمريكية»، مشغول بالسير على الحبال، مع حرصه على الاتزان وعدم السقوط.
فعلى سبيل المثال صعدت حكومة الليكود الإسرائيلية من لهجتها ومواقفها ضد لبنان، وبدأت بالإعداد والتجهيز لشن حرب جديدة قد لا تبدأها الآن، وإنما بعد انتخابات الرئيس كلينتون، أو أنها بالفعل تستخدمها كمناورة سياسية مع الإدارة الأمريكية لابتزازها سياسيًا وماليًا قدر الإمكان، مما يستدعي الإدارة الأمريكية أن ترضخ لإسرائيل حتى لا تحدث أي تغيير على المعادلة الحالية في المنطقة فتغير أوراق الإدارة الأمريكية وتربكها.
الرئيس أربكان أيضًا من جهته استغل فرصة حاجة الإدارة الأمريكية لخمسة أشهر قادمة للتجديد لـ: «قوة المطرقة» هي الفترة المتبقية لرئاسة كلينتون حتى تحافظ الولايات المتحدة على سياساتها تجاه العراق، وبدأ باحتلاب أكبر قدر من المصالح لتركيا لتنفيذ هذا التمديد، بالإضافة إلى اختراق قانون «داماتو» وتوقيع اتفاق الغاز مع إيران، فالإدارة الأمريكية لا تريد فرض عقوبات على تركيا الآن، وهي في هذا الوضع الانتخابي عدا رغبة الرئيس أربكان إلى وضع أساس جديد من العلاقات الاقتصادية مع الدول الإسلامية.
اليونانيون أيضًا قاموا بتصعيد الصراع مع تركيا على أرض قبرص للضغط على أمريكا لتعديل سياستها تجاه القبارصة اليونانيين.
أما الأوروبيون فمنهمكون في وضع إستراتيجية للرد على قانون «داماتو» الذي يحارب شركاتهم التي تستثمر في قطاعي النفط والغاز في إيران وليبيا.
عمومًا ستواجه الإدارة الأمريكية صعوبات تضبيط سياستها في إدارة النظام العالمي الجديد خلال الأشهر القادمة، فهل ينجح لاعب السيرك في اجتياز المسافة المتبقية له؟
المؤتلف والمختلف بين أربكان وتشيللر:
بدا الخلاف واضحًا بين حزب الرفاه وحزب الطريق القويم في بعض السياسات الخارجية، وهذا طبيعي -كما ذكرنا في حلقات سابقة- لطبيعة منهجية وتفكير الحزبين المختلفين، لكن في الوقت نفسه اتفق أربكان وتشيللر على قضايا، واختلفا على أخرى، فقد اتفقا على سياسة واحدة تجاه الأحداث التي دارت في منتصف الشهر الجاري في قبرص بين مثيري الاضطرابات من القبارصة اليونانيين الذين حاولوا اختراق المنطقة العازلة فيما بينهم وبين القبارصة الأتراك، حيث هاجمت تشيللر موقف اليونان من الأحداث، ودعت الحكومة اليونانية إلى تحمل مسؤولياتها واحترام العلم التركي، كما هاجمت تشيللر بشدة تصريحات المتحدث باسم الخارجية الأمريكية نيكولاس بيرنز حول أعمال العنف بين الأتراك واليونانيين في قبرص، حيث اعتبر فيها العلم التركي مجرد قطعة قماش، ولكن تشيللر اعتبرت العلم التركي يجسد الشرف الوطني للأتراك، واحتجت على تجاوزات التعليمات الخاصة بوظيفته كمتحدث باسم الوزارة.
أما أربكان فقد انتقد التصعيد الذي أثارته اليونان ضد تركيا في قبرص وأثينا؛ حيث هوجمت السِّفَارة التركية وأحياء المسلمين في أثينا، واستنفر اليونانيون جيشهم، وزار رئيس قبرص اليونانية اليونان لتدعيم الاتفاق الأمني مع اليونان الذي أبرم عام ١٩٩٣م.
مما حدا بأربكان أن يصرح في زيارته لماليزيا يوم ١٧ أغسطس أن القوات التركية أقوى من القوات اليونانية عدة مرات، وأن اليونان هي التي ستتضرر لو اشتعلت الحرب، وعلى اليونان أن تعرف حجمها الذي لا يزيد على طلبة مدارس تركيا.
كما أيدت تانسو تشيللر -وزيرة الخارجية التركية- سياسة الرئيس أربكان لتعزيز العلاقات مع الدول الإسلامية، وأشارت في مؤتمر صحفي أن تركيا أطلقت سياسة ذات وجوه عدة بحكم موقعها كجسر بين الشرق والغرب، وفي الوقت نفسه لن تتخلى عن علاقاتها مع الغرب.
أما المختلف فإن تشيللر قد عارضت اقتراحًا من أربكان عرضه على الرئيس الإيراني أثناء زيارته لطهران لعقد مؤتمر رباعي يضم تركيا، وسورية، وإيران والعراق لحل مسالة شمال العراق، حيث اعتبرت أن هذه القمة ليست في برنامَج تركيا، ومن ثم فإن الرئيس أربكان سيجد صعوبة لإقناع وزيرة خارجيته بفرض هذه القمة، فقد خفف من تصريحاته بهذا الشأن، وأكد بأن هذا الموضوع لا زال اقتراحًا.
ومن جانب آخر يختلف أربكان وتشيللر حول أسلوب وسياسة العلاقة مع إسرائيل، فبالرغم من عدم اعتراض الرئيس أربكان على الاتفاق الإسرائيلي التركي الذي أبرمه الرئيس سليمان دميريل إلا أن الرئيس أربكان ألغى زيارة نائب وزير الدفاع الإسرائيلي لتركيا بعد أن كان يستعد للتوقيع على اتفاقية جديدة للتعاون العسكري في مجال الصناعات الحربية وتجهيز طائرات (إف -١٦) التي تصنعها تركيا بمعدات إلكترونية حساسة.
في حين أن تانسو تشيللر أكدت أن اتفاق التعاون التركي - الإسرائيلي سيستمر، وهو تعهد من الدولة التركية، وأعلنت بعد ذلك عقد اتفاقية جديدة للتعاون العسكري الإسرائيلي، هل هذا المؤتلف والمختلف هو طبيعي في حكومة ائتلافية، أم أن جدار هذا الائتلاف بدأ يتشقق والوقت كفيل بكشف الحقائق؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل