العنوان تعلمت من هؤلاء (8) الحاج عباس السيسي
الكاتب د. محمود عزت
تاريخ النشر السبت 05-فبراير-2011
مشاهدات 67
نشر في العدد 1938
نشر في الصفحة 47
السبت 05-فبراير-2011
تعلمت من الحاج عباس السيسي يرحمه الله كيف تكون الكلمة وسيلة للدعوة، وكيف تكون الخدمة وسيلة للدعوة، وأيضاً كيف تكون النكتة وسيلة للدعوة.
فقد كان الحاج عباس يرحمه الله يحسن التعبير عما في نفسه.
وأول ما التقيت به كان ذلك في السجن الحربي، وكان إما أن يحدثني أو أن يكتب إلى بدون أقلام ولا ورق، ولكن بعد أن انتقلنا إلى السجون الأخرى كان يشعرنا بأنه معجب بنا ويحبنا ويعبر عن هذا الحب والإعجاب بكلمات رقيقة لها أعظم الأثر في النفس وكان هذا الأمر يخفف عنا كثيرا مما نعانيه في السجن الحربي، سواء من الإيذاء أو التعذيب، ويعيننا على أن نصبر على ما نواجهه من حرمان من حقوقنا الأساسية في بقية الوقت.
كان يخفف عنا في السجن بـ«النكتة»، وكنت أسكن معه أنا والشيخ نصر عبدالفتاح وهو من علمائنا الأفاضل، وكان زاهدًا عابدًا حريصًا جدًا على وقته، فإذا دخلنا الزنزانة قسم وقته ما بين ورد التلاوة إلى التسبيح إلى القيام.. فقد كان يقضي أغلب وقته في العبادة، وكان الحاج عباس يرحمه الله يخفف عنا بالنكت.. جلسنا مرة واتفقنا على أن يلقي علينا الحاج عباس خمس «نكات» في اليوم، فدخلنا الحجرة بعد أن أغلق علينا وبدأ الحاج عباس في قول النكتة الأولى ثم الثانية والثالثة والرابعة وبعد صلاة العشاء عقب الأكل بدأ الشيخ نصر ينصرف إلى العبادة.. فقال له الحاج عباس: «يا شيخ نصر، ممكن أستلف «نكتة» إلي الغد».. وقد كانت النكتة تخفف عنا كثيرًا وتهون علينا ضيق السجن وآلام تقييد الحرية والبعد عن الأهل والأحباب، ولا يستشعر ذلك إلا من ذاق مرارة السجن.
وبعد خروجنا من السجن كان الحاج عباس قد عمل مصيفًا في رشيد، وكان رجلًا عمليًا يجمع الشباب من حوله، وكان الأستاذ عمر التلمساني والأستاذ مصطفى مشهور يرحمهما الله يذهبان إلى الشباب في الجامعات والمؤتمرات، لكن الحاج عباس كان له طريقته الخاصة في التعامل مع الشباب؛ فقام بعمل هذا المعسكر، «معسكر رشيد لشباب الجامعات»، وقد تعرف عن طريقه على الشباب وأثر فيهم تأثيرًا عظيمًا من خلال الخدمة والمسارعة إلى الترحيب وتقديم العون والهدية البسيطة، وكذلك عن طريق النكتة التي كانت لها أعظم الأثر.. حتى أنه ذات مرة كان يركب الترام ودهس رجل أحد من الركاب فقال له: «أنت حمار»، فقال له بابتسامته: «لا.. سيسي»، فتعرف عليه ومن ذلك الموقف بدأت دعوته.
وهذا المعسكر كان يحضره أيضًا عدد من شباب الإخوان.
وقد كان لطريقة الحاج عباس يرحمه الله في الدعوة أعظم الأثر في استيعاب الصحوة الإسلامية ليس على مستوى مصر وحدها، ولكن على مستوى العالم الإسلامي كله.
فبعد أحداث ۱۹۸۱م، وخروجه من مصر كان له أثر في كل الأقطار التي زارها وكل من تعامل معهم من الأفراد.
وقد كان له وللأستاذ عمر التلمساني والأستاذ مصطفى مشهور والأستاذ كمال السنانيري ود. أحمد الملط أثر بارز في بناء الجماعة على المستوى العالمي، ولا شك أن الحاج عباس كان له دور عظيم وبنفس أسلوبه وبساطته.. وأذكر أنه في إحدى جولاته الخارجية، أراد أحد الإخوان أن يداعبه، فقال له: «يا حاج عباس»، إيش السيسي هذا؟»، قال: «هو بين الحمار وبين الحصان».
وكان رجلًا منظمًا عمليًا يستطيع أن يستفيد من كل الإمكانات ومن كل الطاقات مهما كانت قلة هذه الإمكانات سواء كانت مادية أو بشرية.. ومثال ذلك: كان عندما يريد الكتابة في السجن، كان يعمل لوحة وبها حروف ويضع عليها الورقة ويضع فوقها «أستك» ويكتب ثم ينقل «الأستك» إلى أسفل وهكذا..
وبهذه البساطة وبالنكتة وبالحب شارك الحاج عباس يرحمه الله في تربية هذا الجيل الذي يحمل هذه الدعوة الآن، نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل كل ذلك في ميزان حسناته.