العنوان تعلمت من هؤلاء 12: الشيخ أحمد شريت
الكاتب د. محمود عزت
تاريخ النشر السبت 26-مارس-2011
مشاهدات 62
نشر في العدد 1945
نشر في الصفحة 55
السبت 26-مارس-2011
كانت فترة تعاملي مع فضيلة الشيخ أحمد شريت عضو مكتب الإرشاد الأسبق-يرحمه الله-فترةً نسبيةً أكبر من عشرتي وتعاملي مع بقية من تعلمت منهم.
بين عامي(١٩٦٨ - ١٩٦٩م) تم ترحيلي إلى سجن قنا، وقد كان إخواننا يقضون أحكامًا بالسجن 15 عامًا هناك، فالتقيت بذلك العالم السمح التقي الفطن الشيخ أحمد شريت، وكنا نلتف حول سريره في مستشفى سجن قنا، ولم يكن الإخوان وحدهم الذين يلتفون حول سريره، بل كان بقية المساجين من المسلمين وبعضهم من غير المسلمين، كل ذلك ونحن سعداء بهذا الحديث مع هذا الفقيه، فإذا تحدث في الفقه كان علامة، يضيف إلى هذا العلم علمه بالواقع.
كان الشيخ أحمد شريت واعظ الصعيد، وكان له دور في قضايا عديدة تخص الوطن، خاصة المتعلقة بالسجون، وقد جنب مصر بحكمته ويلات جسيمة.. فقد كنا نجتمع إليه في السجن ونسأله عن مخرج مما نلاقيه، فكان يهدئ من روعنا، وتقع كلماته بردًا وسلامًا علينا.
وطبيعة السجون في تعاملها مع التيار الإسلامي والإخوان بصفه خاصة، أن السجين لا يستطيع أن يستقر على حال؛ لأنهم يعتقدون أنه إذا استقر بدأ يفكر في نشر دعوته بين المساجين، وكذلك نشرها مع أهله وأصدقائه ممن يزورونه.. فبين الحين والآخر يأتي مأمور السجن يجرد المساجين من كل شيء.
وفي إحدى المرات، ذهبنا إلى الشيخ شريت نشتكي من تجريدنا من كل شيء(لأن في السجن كل شيء يكون مباحًا، وقد يكون محرمًا سواء كان مصحفًا أو ملابس أو ضروريات حياة)، فذهبنا نشتكي للشيخ شريت، فكان رده علينا قائلًا: «ياما دوّبْنا مَآمير».. كانت هذه الكلمة تنزل علينا بردًا وسلامًا، وتشعرنا أننا صابرون لله معتزون به.. أن هؤلاء يأتون ويذهبون ونحن ثابتون على هذا الحق، وكما يجلي الإنسان شيئًا من ملابسه أو غير ذلك؛ فهو أيضًا يجلي هؤلاء المستجدين.. كان كل هذا التعليم في جو من المرح وجو من البساطة يتناسب مع الظروف التي نعيش فيها.
فكان الشيخ يريد من الإخوان أن ينجزوا أعمالهم، ويقوموا بدعوتهم، ويستفيدوا من كل الظروف المحيطة بهم في جو نفسي هادئ ومستقر.. فعندما يتعثر بعضنا في أن يهيئ لإخوانه بعض سبل الحياة رغم كل ظروف التضييق؛ فكان يقول لنا:«قرد ملحلح ولا ولي نطع».. بالطبع ليس هناك ولي يتصف بهذه الصفة، ولكن كان الشيخ يريد أن يتصف الأخ بحسن التصرف في الأمور كلها في سرعة ويقظة وفطنة، بالإضافة إلى كونه تقيًا لله... ونحسب أن الشيخ أحمد شريت كان كذلك، فقد كان أقرأنا لكتاب الله، مع إجادته للتصرف في غالبية المواقف التي يتعرض لها.
ومن المواقف الطريفة التي أذكرها، أنه كان يصلي بنا في رمضان، وكنا- نحن الشباب-معتزين جدًا بحفظنا للقرآن، فكان إذا قرأ الشيخ بمجرد أن يسكت حتى يسترجع الآية أو يتم المعنى؛ فنجد أعدادًا من الإخوان خلفه يستفتحون عليه يظنون أنه يريد ذلك فكان بعد الصلاة يقول لنا:«إلهي يكفيكم شر محدث حفظ»، بمثل هذه الدعابة البسيطة كان يعلمنا أن حفظنا لكتاب الله عز وجل لابد أن يكون فيه من الوقار ومن السكينة ما لا يستحب معه مثل هذا التسرع في الرد عليه.
وفي قصة أخرى، كنا نقول له: يا فضيلة الشيخ، أنت تنام بعد العشاء مباشرة، وأستاذنا محمد حامد أبو النصر كان يقضي ساعات من الليل في الزنزانة والنور مضاء فيها، فكان يقول لنا: إن السيد حامد معذور؛ يأتي له ناظر العزبة أيوب أفندي(تقريبًا هذا اسمه)، وأنا ليس عندي أيوب أفندي.
بعد أشهر قضاها الشيخ معنا تم ترحيله إلى المعتقل، وافتقدنا علامة بارزة ومنارة عالية كنا نعيش معها، ولكن كان أيضًا بردًا وسلامًا على إخوانه الذين ذهب إليهم في المعتقل بعد نهاية الـ ١٥ عامًا، ذهب إلى سجن المزرعة، وكان هناك الأستاذ حسن الهضيبي وبقية الإخوان.
وعاش هناك أيضًا بسيطًا سهلًا سمحًا، إلى أن أصابته وعكة بسيطة نقل على أثرها إلى قصر العيني، ولم يدم مكثه فيه وقتًا طويلًا، ورأى رؤيا؛ أن أحد الإخوان الذين سبقوا إلى ربهم تبارك وتعالى، يناديه ويقول له: «تعال تسترح معنا، نحن معنا فلان وفلان ممن سبقوا»، وقد تحققت هذه الرؤيا بعدها مباشرة، حيث لقي ربه سبحانه وتعالى.. فماذا وجدنا في وصيته؟ وجدنا وصية بسيطة:«أنا عليّ كم جنيه لفلان وفلان»، هكذا عاش الرجل وهكذا كان.. فكانت وصيته دليلًا بسيطًا على ما عاش عليه هذا الرجل.
ظل-يرحمه الله-منارة نعيش عليها إلى أن وفى أجله.. دروس كثيرة تعلمتها في هذه الفترة التي قضيتها معه.
اللهم ارحم أستاذنا وشيخنا أحمد شريت، وأسكنه يا ربنا الفردوس الأعلى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل