العنوان تعقيب على مقال محمد أحمد الراشد
الكاتب الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق
تاريخ النشر الثلاثاء 23-أبريل-1974
مشاهدات 69
نشر في العدد 197
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 23-أبريل-1974
رفض .. منهج الصوفية
يعني رفض الاستعانة بكتبهم
أهداف خطيرة وراء تجديد حركة التصوف
نماذج من .. مفهوم التوثيق عند المحدثين
سرني جدًّا أن يقوم أخي الكريم محمد أحمد الراشد مشكورًا مأجورًا إن شاء الله بالرد على المحاضرة التي ألقيتها في جمعية الإصلاح والتي نُشر عدد من حلقاتها في مجلة المجتمع - حرسها الله -.
وذلك أن الأخ الكريم محمد أحمد الراشد ممن يوافقني في أن منهج التصوف ليس منهجًا إسلاميًّا؛ إذ أيسر أمره البدعة العملية أو الاعتقادية، وأبلغ أمره القول بوحدة الوجود، وتعني أن الخالق غير المخلوق وأنه ليس موجودًا في الحقيقة إلا الله وهذا كفر، ولكنه يخالفني في أمرين:
- الأمر الأول: جواز الاستعانة بكتب الصوفية وأقوالهم في التربية والسلوك. وهذا ما أراه خطرًا كل الخطورة ومنكرًا في غاية النكارة.
- والأمر الثاني: خلافه لي في بعض الرجال الذين نقلت من كتب القوم ما بين انحراف أعمالهم وزيغ عقائدهم ورآهم الأخ أبرارًا صلحاء، لا تمنعنا بعض بدعهم العملية من الأخذ عنهم والاهتداء بمناهجهم وأقوالهم. وحيث إني أرى تحريم النقل عن كتبهم فكذلك أرى تحريم جعل رجالهم قدوة في الدين. هاتان هما القضيتان اللتان خالفني فيهما أخي الكريم محمد أحمد الراشد، وقبل التدليل على صحة ما ذهبت إليه أحب أن أُبين بعض النقاط التي يجب بيانها قبل هذا الرد.
- أولاً: لا يخفى عليّ أن هذه المشاكل الجانبية من الخلاف في الرأي بين المسلمين صارفة عن الغاية النهائية للمسلم وهي العمل لتكون كلمة الله العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.
- ثانيًا: أعلم علمًا يقينا أن ما تقوم به «جامعة السربون» في فرنسا من نشر الفكر الصوفي وتجنيد من حملتهم شهادات الدكتوراة في التصوف و يتسلمون الأن أرقى المراكز الدينية في بلادنا أن المراد به غايات ثلاث:
الأولى: امتصاص الوعي الديني وتوجيهه الوجهة الصوفية المنحرفة.
والثانية: تجنيد الملحدين من أبناء الإسلام لعرض الفكر الصوفي وفيه من المعايب والنقائص ما تقشعر منه الأبدان على أن هـذا هــو الإسلام وبذلك ينفرون أبناء المسلمين عن الدين الحنيفي السمح النظيف، والمتابع لندوة «أزمة التطور الحضاري» يدرك ذلك تمامًا؛ فالإسلام المحرف يعرض للنيل من الإسلام
الصحيح.
والثالثة: إشغال دعاة الإسلام بالردود والمناقشات في هذه القضايا الجانبية وبذلك تتبدد طاقتهم ويفنى جهدهم.
أقول لا يخفى عليّ ذلك.
- ثالثًا: يعلم الله مدى حرصي على مقالات فقه الدعوة التي بدأها الأخ منذ زمن وإن كنت قد أمضيت وقتا طويلاً مشغولاً عن قراءتها وبعد أن قرأت شيئًا منها أدركت أنها مقالات يجب أن تستمر ويجب أيضا أن تُنقّى مما علق بها مما أراه أنا فكرًا معيبًا مخالفًا للكتاب والسنة ويراه الأخ فكرًا صالحًا للتربية والتوجيه. فإن كنت تعرضت آنفًا لنقد شيء مما بها وأتعرض الآن لنقدها فما أنا إلا مصحح للبناء في ظني واجتهادي، وأقول إن كان كلامي صوابًا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن تقصيري وعجزي وأستغفر الله.
وبعد هذه المقدمة اللازمة أدخل إلى الموضوع مستعينًا بالله تبارك وتعالى مستعيذًا من شر نفسي والشيطان:
- أولاً: يعتمد الأخ محمد أحمد الراشد في انتقاء الأقوال، الصالحة -في ظنه- على مراجع ترجمت لرجال القوم أو مؤلفات كتبت بأقلامهم أو بأقلام تلامذتهم نحو «طبقات الصوفية للسلمي، والطبقات الكبرى للشعراني والحلية لأبي نعيم، والفتح الرباني للشيخ عبد القادر الجيلاني، وقوت القلوب وعلم القلوب للمكي، والرسالة القشيرية للقشري» وغير هذه من الكتب والمراجع الصوفية. وقد نقلت هذه الكتب عن رجال التصوف بالإسناد تارة وبغير الإسناد تارة أخرى، وعندما ينقل عنها فإنه لا يحقق الإسناد فيعلم ما صح نسبته إلى القوم مما عده هو كذبًا وافتراء عليهم وإنما ينتقي انتقاء، الأقوال التي يظن أنها صالحة للتربية والتهذيب عن الرجال الذين يظن أنهم من الممكن أن يكونوا قدوة لنا في الفقه والعمل والدعوة والجهاد.
وبالطبع فأي ناظر في هذه الكتب سيعلم يقينًا أنه قد رأى وجهًا واحدًا من الحقيقة، ولم ير الوجه الآخر، ويا لها من مفاجاة عجيبة عندما يرى الباحث الوجه الآخر لتلك الأقوال «الحلوة» في ذوق بعض الناس.
فإبراهيم بن أدهم مثلاً الذي كان يصور الأخ محمد الراشد أقواله بالزاهد والثقة تروي هذه المصادر نفسها أنه ترك الزواج، وتقرب إلى الله بترك الحمامات، والحذاء، ولذة الماء، وكان يتصل بالجن، وتنزل له المائدة من السماء ليفطر منها، ويكلــم السباع ويجلس معهم، و تهتز له الجبال وتهبط عليه الدنانير الذهبية وقتما يشاء، ومع ذلك كان يأكل الطين شهرًا، وكان يبل الرمل بالماء ويأكله!! «انظر في كل ذلك حلية الأولياء ج ۷، ۸» ترجمة إبراهيم بن أدهم وكل ذلك قد روى بالإسناد.
وبالطبع لن يكون مشرفًا لمسلم ينشأ متربيًا على أقوال إبراهيم بن أدهم ومن على شاكلته أن يواجه غدًا بهذه الحكايات عنه، بل لن يستطيع الداعية الناشيء أن يجيب إذا وُوجه من أعداء الإسلام بمثل هذه الأقوال والحكايات.
- خطورة المراجع الصوفية
- ثانيًا: هذه المراجع الصوفية التي ذكرتها آنفا والتي رجع الأخ الراشد إلى الأخذ منها لتقديم زاد للدعاة في عصرنا الحاضر كانت أكبر معول لإفساد ديننا، وتقويض حضارتنا، ومساعدة موجات الاتحاد والتحلل بين أجيالنا المعاصرة. ويكفي بعضها إثمًا أنها تترجم لمن تسميهم بالأولياء. فتذكر مثلا أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما وبقية الخلفاء الراشدين والأئمة الأربعة وكثيرًا من رجال الحديث، ثم تضم إلى ذلك كل أخباث الأرض من المجانين والمجاذيب والمشعوذين، ومنهم من كان يمر في الطريق فإذا رأى رجلا على حماره أنزله من فوقها وقال له: «امسك لي رأسها حتى أفعل فيها !!».
ويفعل هذا أمام الناس، ومع ذلك يجعل الشعراني صاحب الطبقات هذا الفعل من كرامات الشيخ وحيش ويقول عنه «رضي الله عنه» كما قال عن أبي بكر الصديق في مطلع الكتاب «رضي الله عنه» «انظر طبقات الشعراني ج 2 ص 149».
وفي هذا الكتاب أيضا يصف المؤلف شيخه «الخواص» بأنه كان ينظر في اللوح المحفوظ فیری ما سطر فيه من مقادير الخلق ساعة بساعة «المصدر السابق ج 2 ص 150».
ووالله لو كان فينا بقية من دين و حمية وغيرة لأفتينا بحرق هذه الكتب فكيف بأن ننقل منها وقد روت كل ذلك بغير إسناد؟!
منهج ابن القيم لم يسلم من العوار
- ثالثًا: أخبر الأخ الراشد أنه اقتفى أثر الإمام ابن القيم في النقل عن هؤلاء القوم والاستفادة بما عندهم من أقوال صالحة وهذا حق، ولكن الإمام ابن القيم رحمه الله كان عالمًا بالإسناد وإذا نقل تثبت في النقل كما هو معروف عنه، والأخ الراشد ينتقي انتقاء بما يظن أن فيه خيرًا ومصلحة، ومع ذلك فالإمام ابن القيم لم يسلم منهجه هذا من العوار والنقد فقد صحح وأوّل كثيرًا من مقالات القوم القبيحة المردودة كقول أحدهم «سبحاني» یعني نفسه و قول الهروي:
ما وحد الواحد من واحد
إذ كل من وحده جاحد!!
و استحسن قول الآخر «إني لأقوم من الركعتين كما يقوم الزاني والسارق عن فعلته حياء من الله عز وجل!!»، وبرر قول الفضيل «إذا أراد الله بعبد خيرا أوقعه على الصوفية ومنعه صحبة القراء!!».
وقد اعترف الأخ محمد أحمد الراشد بأن ابن القيم قد دخل عليه كثير من الأخطاء لسبب اتباعه لهذا المنهج في النقل عن المتصوفة؛ و لذلك عزم الأخ الراشد على تهذيب کتاب «مدارج السالكين» لابن القيم وحذف هذه السقطات منه. فإذا كان ابن القيم مع علمه بالإسناد قد وقع في هذه السقطات الكبيرة باتباعه هذا المنهج فإن منهجه ليس خيرًا ولا شك أن الأولى والأحرى هو تحريم النقل عن القوم. وقد يكون لابن القيم العذر في ذلك لأنه نشأ بوقت كان التصوف هو عقيدة الناس ومنهجهم، ولا أمل يرجى في الإصلاح إلا بالدخول مع القوم وتصحيح بدعهم الغليظة، والتغاضي عن البدع اليسيرة حتى يتم له نقل الناس إلى منهج الكتاب والسنة.
أقول إذا ساغ هذا للإمام ابن القيم فإنه لا يسوغ لنا في وقت عمّت فيه البلوى بهذه الكتب وأولئك الرجال!! ولذلك تحتم علينا الآن أن نقصر الاهتداء على الكتاب الكريم وما صح من السنة النبوية المطهرة، وأن نكتفي بالاقتداء ممن كانوا مثالا في الأخذ بالكتاب والسنة وقدوة صالحة للمسلمين في كل عصورهم كالصحابة رضوان الله عليهم ورجال الحديث والفقه من المسلمين والأئمة المجاهدين المشهور لهم بالخير والذين ليس في أقوالهم وأعمالهم ما نحتاج إلى الهروب منه والاعتذار عنه. وحسبنا بهذا ميدانًا.
وإذا كان عمر بن الخطاب قد جاء عنه التشدد في رواية الحديث حفظًا لمنزلة القرآن وحصرًا للهداية في أنقى صورها ومظاهرها فنحن اليوم إلى هذا الفقه أحوج.
وإذا كان الأخ الراشد يتثبت في نقل الحديث النبوي كما أعلن ذلك في أول مقالة من مقالاته وأنه لا ينقل إلا من الصحيحين؛ فمن باب أولى يكون ترك هذه الأقوال التي اختلط فيها الصحيح بغيره.
وبعد فقد أغنانا الله بكتابه وسنة رسوله عن النقل من كتب ومراجع كانت سبة على الإسلام والمسلمين. وأظنني الآن قد أوضحت وجهة نظري وسبب ما ذهبت إليه من تحريم الاستعانة بكتب أولئك القوم في الهداية والدعوة والإرشاد.
والآن آتي إلى القضية الثانية التي خالفني فيها الأخ الراشد وهي قضية إبراهيم بن أدهم:
تضعيف رواية السلمي عن إبراهيم بن أدهم ليس صوابًا
- رابعًا: اعتمد الأخ الراشد في تضعيف الرواية التي ذكرتها في محاضرتي عن أبي عبد الرحمن السلمي بأن في كتابه بعض الأخبار الضعيفة بل المكذوبة ناقلا ذلك عن ابن تيمية رحمه الله والأخ يذكر أن ابن تيمية لم يرمِ الرجل بالكذب، ولذلك استحل الراشد لنفسه النقل من كتابه لما فيه من الفوائد وكان ذلك في الحلقة الأولى من مقالات فقه الدعوة، والأخ الراشد عندما ينقل من هذه الكتب ما يظنه صوابًا لا يحقق الإسناد، ولكنه يتخير فقط وقد ذكرت ذلك في صدر مقالتي، فالقول بأن هذه الرواية التي نقلتها أنا هي من جملة الخطأ الذي وقع فيه السلمي تحكم عجيب!! بل كان الأولى أن يقول الراشد إن في هذه الرواية فلانا الكذاب أو الوضاع!! إن أراد حقًّا تضعيف هذه الرواية. وهذه الرواية إسنادها صحيح ولا شك وليس في أحد رجالها مطعن يمنعنا من تصديق خبره.
وطعن الراشد في الرواية أيضا بأن إسنادها خماسيا!! ولست أدري متى كان الإسناد الخماسي يعني الضعف والوضع وأما إن الرجال الخمسة ليسوا بمشهورين فغير صحيح، ولولا ضيق المقام لترجمت للرجال الخمسة في هذه المقالة ليعلم الجميع صدق ما ذهبت إليه ومن أراد التثبيت فليرجع إلى تحقيق الأستاذ نور الدين شريبة على «طبقات السلمي ص 29» فقد نقل تراجم الرجال الخمسة ليعلم يقينًا أن سند هذه القصة صحيح!!.
ويدلك على صحة هذه القصة أن عامة الذين ترجموا لإبراهيم بن أدهم قد نقلوها أو بعضها «انظر قوت القلوب ص 52 وشذرات الذهب ج 1 ص 255» وغير ذلك ممن ترجم لإبراهيم بن أدهم. فلم يكن صوابًا من الأخ الراشد الطعن في هذه الرواية.
مفهوم التوثيق عند المحدثين
- خامسًا: نقل الأخ الراشد أقوال من وثقوا إبراهيم بن أدهم من علماء الحديث كابن معين، والنسائي وابن حبّان، ومعلوم في مصطلح الحديث أن التوثيق هذا يتصرف أول ما يتصرف على صدق الموثق في رواية الحديث وإن كان صاحب بدعة عملية أو اعتقادية!! فصاحب البدعة الذي لا يستحل الكذب لترويج بدعته مقبول خبره عند علماء الحديث ما دام أنه صادق فيما ننقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأضرب بعض الأمثلة على هذا:
أ - ثور بن يزيد الكلاعي قد حصل من علماء الحديث على أشرف وسام وهو «ثقة ثبت» كما قال عنه ابن حجر في التقريب ومع ذلك فقد كان قدريًّا حتى إنه ضُرب في حمص وطُرد طردًا منها لبدعته الاعتقادية هذه التي لم يتب منها، وكان سفيان الثوري يقول «ارووا عن ثور واحذروا قرنيه» «تهذيب التهذيب ج 2 ص 34».
والنص كما نرى في تهذيب التهذيب الذي مدحه الأخ الراشد وهو كذلك ويقصد الثوري رحمه الله بقوله «احذروا قرنيه» يعني قوله بالقدر. وقد روي عن الإمام أحمد رحمه الله مثل هذا القول «خذ عن ثور واحذر أن ينطحك بقرنيه».
فثور بن يزيد في أعلى مرتبة من التوثيق الحديثي ومع ذلك فهو ممن يقولون بالقدر!! أرأيت لو قلنا إن القول بالقدر بدعة عظيمة يجب نفيها يأتينا رجل فيقول كان ثور بن يزيد الموثق في الحديث قدريًّا؟!! وقد روى لثور بن يزيد الجماعة كلهم إلا مسلمًا فأحاديثه في البخاري وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه وأحمد.
ب - عمران بن حطان كان خارجيًّا بل هو زعيم من زعمائهم وشاعر من شعرائهم وهو الذي مدح عبد الرحمن بن ملجم «عليه لعنة الله» قاتل علي بن أبي طالب بقوله:
يا ضربة من تقي ما أراد بها
إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يوما فأحسبه
أوفى البرية عند الله ميزانا
ومع ذلك فهو موثق عند علماء الحديث وقد حصل على المرتبة الثالثة في التوثيق «صدوق»، وهي المرتبة التي حصل عليها إبراهيم بن أدهم، وقد روى لعمران البخاري وأبو داود والنسائي، والسبب في هذا التوثيق أنه وإن كان صاحب هذه البدعة العقائدية الشنيعة التي يرى بعض العلماء كفر أصحابها حتى البخاري نفسه إلا أنه كان يتثبث في النقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم. فإبراهیم بن أدهم الذي لم يرو له أحد من أصحاب الكتب السته إلا حديثًا معلقًا في النسائي ليس معنى توثيقه الحديثي أنه لم يكن صاحب بدعة عملية أو اعتقادية.
ج- نوح بن مريم «الجامع» كان مشهورًا بالزهد والصلاح حتى أنه لما مات خرجت بغداد كلها في جنازته ومع ذلك فهو عند علماء الحديث كذاب وضاع!! والسبب في ذلك أنه كان يستحل الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال له الناس هذه الأحاديث التي ترويها عن الرسول صلى الله عليه وسلم في فضل القرآن سورة سورة من أين لك بها؟ قال: رأيت الناس قد اشتغلوا بمغازي ابن إسحاق، وفقه أبي حنيفة فوضعت هذه الأحاديث حسية!! ثم قال إنما كذبنا للرسول لا عليه!! فنوح هذا لم يشفع له زهده وشهرته عند علماء الحديث ولم يحصل منهم إلا على التجريح والرد لاستحلاله الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمران و ثور وإبراهيم بن أدهم لم تمنع بدعهم العملية والاعتقادية علماء الحديث من توثيقهم وقبول رواياتهم لعدم تعمدهم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الآثار الصوفية في مقالات فقه الدعوة
إذا كان الأخ الراشد يظن أنه يستطيع الاستعانة بكتب التصوف لبيان فقه الدعوة دون أن يتأثر بهذا المنهج فهو في غاية التفاؤل، والصواب أن الأخ الراشد لم يسلم من أذى نقله لهذا الفكر واستعانته به، وأمام يدي الآن مسائل كثيرة جدًّا للتدليل على ما أقول سأكتفى هنا بمسألتين اثنتين فقط. وقبل أن أذكرهما أتبين أنه ما حملني على ذلك إلا التدليل على ما أقول وليس مقصدي إن شاء الله النيل من الأخ الكريم أو الحط من قدره، ولكنها الذكرى والذكرى تنفع المؤمنين.
- المثال الأول: في المقال الأول من هذه السلسلة «إحياء فقه الدعوة» المعنون بـ «ذر غير الله» يبين المؤلف في هذا المقال أن الواجب على المسلم هو توحيد الله وعبادته، ومعنى ذلك التمسك بالوحي وجعله ميزانًا توزن به جميع المناهج الأرضية ثم يقول «رأس الإيمان هو التوحيد وهو أن لا يعبد إلا الله، ومن اتبع هواه فقد اتخذ إلهه هواه فهو موحد بلسانه لا بالحقيقة، بل معنى قولك لا إله إلا الله» معنى قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ (الأنعام: 91).
وهو أن تذر بالكلية غير الله كما يقول «الغزالي -رحمه الله- أنه تفسير واحد لا ثاني له أن تذر بالكلية غير الله» «المجتمع العدد 102».
والآن تعالوا لنناقش هذه العبارة: من يفهم يا قوم إن معنى لا إله إلا الله هو معنى قوله تعالى ﴿قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ (الأنعام: 91).
وإذا رجعت إلى هذه الآية من سورة الأنعام وجدت الآية على هذا النحو: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ (الأنعام: 91).
فقوله تعالى «قل الله» جواب لمن زعم أن الله ما أنزل شيئًا ولا أرسل رسلاً وهو قول غلاة اليهود الضالين فهل الآية هذه هي معنى لا إله إلا الله؟!!
والسبب الذي أوقع الأخ الراشد في الخطأ أنه اتبع في ذلك الغزالي ولم يدر الراشد أو دری -لست أدرى- أن الغزالي يستدل بهذه الآية على عقيدته في التوحيد والتي شرحها الغزالي بعد كلامه السابق بقليل وقد اقتطع منه الأخ الراشد هذه القطعة. يقول الغزالي بعد هذا الكلام : «الإیمان إیمانان: تقليدي كإيمان العوام يصدقون بما يستمعون ويستمرون عليه، و إیمان کشفي يحصل بانشراح الصدر بنور الله حتى ينكشف فيه الوجود كله على ما هو عليه، ويتضح أن الكل إلى الله مرجعه ومصيره؛ إذ ليس في الوجود إلا الله تعالى وصفاته وأفعاله» «إحياء علوم الدين ج 2 ص 27».
فهذا الغزالي يجعل الإيمان بأخيار الكتاب والسنة إيمانًا للعوام والإيمان بوحدة الوجود إيمانًا لأهل الكشف الذين يعرفون الوجود على ما هو عليه وأنه ليس في الوجود إلا الله تعالى وصفاته وأفعاله فليس موجودًا عندهم غير الله ولو كان المقال يتسع لنقلت من كلام الغزالي في هذا الفصل ما يشرح به هو هذه العقيدة الباطلة، فإن كان الأخ الراشد يعتقد هذه العقيدة التي نقل بعضها - ولعله خطأ ـ قلنا له بكل صراحة ووضوح وبلا مواربة: لك طريقك ومنهجك ولنا طريقنا ومنهجنا نحن على الكتاب والسنة عليها نحيا وعليها نموت إن شاء الله ونكفر بالكشف وأهله ووحدة الوجود وأهلها. وإن كان إنما نقل هذا خطأ وهذا ما نحمل عليه أخانا الكريم فنرجو الله لـــــه المغفرة وهذا ما نحذر منه النقل من هذه الكتب الضالة!!.
- المثال الثاني: وأكرر عذري للأخ الكريم أيضا لبيان هذا الأمر
في مقدمة مقالات فقه الدعوة وفي مقال «اجلس بنا نؤمن ساعة» «العدد رقم 101 من مجلة المجتمع» بيّن الأخ الراشد منهجه وهو النقل من فحول رجال الدعوة مع ذكر أسمائهم وبيّن أن هذا خير من انتحال كلام الغير، وقال «وأدع الداعية أمام كلام من اتفقت الكلمة على توثيقه وحبه بدل وضعه أمام کلام مجهول مثلي».
وكان هذا ولا شك تواضعًا وشرفًا للأخ الكريم ولكنه عاد في مقالاته الأخيرة ليصف نفسه بوصف عجيب جدًّا فيقول: مادحًا نفسه واصفًا لها بأنه «داعية (فريد) في إيثاره الأخوي يجد الدعاة عليه هدى، ويسعى جماله بين أيديهم» «المجتمع العدد 195 تاريخ 18 صفر 1394».
وقد جاءت كلمة (فريد) بين قوسين كما هي الآن ولست أدري لماذا التركيز على كلمة (فرید) هذه، ولم يكتف الأخ بهذا الوصف لنفسه بل قال في نفس المقالة مادحًا الذين يوافقونه ويسيرون على هداه وأنواره «أما الذين يصدقون الوعد، ويخطون مع (فريد المناقب) خطو الصعود فيحتلون القلب احتلال»، ولقد شدهت والله وأنا أقرأ هذه الكلمة (فريد المناقب) فليس في تاريخ الإسلام كله رجل كان فريدًا في مناقبه اللهم إلا أن كان أبا بكر الصديق رضي الله عنه، ومع ذلك فقد كان يقول:
«أطیعونی ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم» فما هذا التفرد في الدعوة والتفرد في المناقب التي عناها الأخ والله إني لفي حيرة من أمري و لست أدري ماذا أقول!! ولعل ذلك من آثار الفكر الصوفي، فاللهم رحمتك بنا.
وختامًا ألا يرحمنا الأخ الكريم ويرحم نفسه وإخوانه الطيبين الطاهرين الذين يلمسون فيه الصدق والصلاح من نقل هذا الفكر لهم، وختامًا يعلم الله ما أردت إلا الخير، وأقول كما قال العبد الصالح: «إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ».