العنوان تعقيب على مقال: «الفيزياء تنقض نظرية التطور»
الكاتب د. محجوب عبيد طه
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يوليو-1999
مشاهدات 81
نشر في العدد 1358
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 13-يوليو-1999
في العدد ۱۳۱۹ من مجلة المجتمع بتاريخ ٩/٦/1419هـ رغب الكاتب أن يوضح في هذه المقالة أن القانون الثاني للديناميكا الحرارية يناقض فرضية التطور التي تقول إن الكون كان في حالة بدائية «تحولت بمرور الزمن إلى حالة مركبة ومعقدة من جهة وإلى نظام دقيق كل الدقة.. أي تحول الكون من الفوضى إلى النظام ومن البساطة إلى التعقيد والتركيب وذلك بفعل الصدف العشوائية»، وقد قطع التطور «شوطًا كبيرًا في كوكبنا بنشوء الحياة» وبلغ ذروته بظهور «الإنسان والدفاع الإنساني الذي هو في ذروة التطور والتعقيد».
يقول الكاتب إن هذه الفرضية تناقض ما يقرره علم الفيزياء من أن جميع التغيرات والتبدلات الجارية في الكون «وفي دنيانا، تؤدي إلى زيادة «الأنتروبيا» أي إلى زيادة الفوضى والتحلل والتفكك.. وأنه لا توجد أي عملية تلقائية تؤدي إلى زيادة النظام». وفي ختام المقالة يخلص الكاتب إلى تقرير ما سعى إلى إثباته: «إذن فالتطور مستحيل من الناحية العلمية».
وأود في البداية أن أشكر الكاتب الفاضل على اهتمامه بموضوع علمي حيوي يهم المثقف المسلم الجاد الذي يتطلع إلى إسهامات المؤلفين المقتدرين في الموضوعات التي تربط الإيمان والعقيدة بمعطيات العلوم الكونية المعاصرة، وأشارك الكاتب الرأي في ضالة هذه الإسهامات وتقصيرها عن سد هذه الثغرة.
وفي معرض التعقيب أقول: إنه يلزم توضيح أمرين قبل شرح النقطة الأساسية التي من أجلها كتبت هذا التعليق.
الأمر الأول: إن نظرية تطور الكون من حالة ابتدائية تخلو من الذرات والجزيئات والخلايا إلى وضعه الراهن الزاخر بالكواكب والنجوم والمجرات، نظرية في علم الفيزياء، وفيما عدا تفاصيل ما تزال محل البحث العلمي، تعتبر هذه النظرية متفقًا عليها بين الفيزيائيين. وهي من نظريات النصف الثاني من القرن العشرين ولا صلة لها بنظرية دارون التي قدمها في القرن الماضي، عن تطور سلالات الأحياء، وإذن فمن غير الممكن أن تكون نظرية تطور الكون مناقضة لمبادئ الفيزياء.
الأمر الثاني: الذي أرى توضيحه مهمًا هو أن القول إن ما يحدث من ظواهر طبيعية، سواء كان ذلك في تطور الكون أو هطول المطر، إنما يحدث «بفعل الصدفة العشوائية»، هذا القول ليس من العلم الطبيعي في شيء، موقف العلم الطبيعي أن الظواهر تحدث نتيجة عمل القوانين الطبيعية، ومهمة العلماء هي البحث عن هذه القوانين من أجل هذا لزم الا تناقش هذه المقولة الإلحادية في ظل موضوع علمي بعينه، إذ هي موقف فلسفي عام يناقض أساسيات العلم الطبيعي بأكمله.
بعد هذه المقدمة أقول: إن الكاتب أكرمه الله وأجزل له ثواب حسن النية، لم يوفق في شرح القانون الثاني للديناميكا الحرارية وكيفية تطبيقه على موضوع التطور الواقع أن هذا القانون لا يمنع تطور الكون ولا يمنع ظهور الحياة على الأرض.
الصياغة الصحيحة للقانون الثاني هي أن دالة الفوضى تزداد أو تظل عند قيمة ثابتة في أي نظام فيزيائي معزول. وصفة الانعزال هذه ضرورية لصحة العبارة، النظام المعزول هو الذي لا يتفاعل مع بيئة أي لا يتأثر بالنظم المحيطة به ولا يؤثر فيها مثل هذا النظام يتكون في العادة من عدة نظم داخلية متفاعلة فيما بينها، ويمكن لدالة الفوضى في أي من هذه النظم الجزئية أن تتغير بالزيادة أو النقصان، بحيث لا تنقص دالة الفوضى الكلية للنظام المعزول الذي يتكون منها لذلك فمن الممكن أن يزداد بعض هذه النظم الداخلية انتظامًا وتقل فيه درجة الفوضى خلال أي فترة زمنية بينما تزداد درجة الفوضى في النظام الكلي، وعليه فإن ظهور الحياة في جزء من الكون، نتيجة تفاعل هذا الجزء مع بيئته، أمر لا يناقض القانون الثاني.
وأضيف أن تطبيق القانون الثاني على الكون بأكمله، واستنتاج أن درجة الفوضى تزداد في المتوسط على نطاق الكون، إنما يبنى على فرضية أن الكون نظام فيزيائي معزول. ويقصد بهذه العبارة أن العالم المشاهد، أي العالم الذي تدركه المراصد البشرية، نظام فيزيائي معزول.
وهذه فرضية لأننا لا ندري إن كان العالم المشاهد يشكل الكون كله، وقد يكون ما لا نراه من الكون مؤثرًا فيما نراه منه، وفرضية انعزال العالم المشاهد ليست مقبولة لدى المؤمنين الذين يؤمنون بوجود عالم الغيب الذي يؤثر في عالم الشهادة. وبصفة خاصة، ليس مقبولًا لدى المؤمنين استنتاج أن الموت الحراري، أي الخمول التام، نتيجة انتشار البرودة المطلقة، هو النهاية المحتومة للعالم.
مرة أخرى أشكر الأخ الكاتب على إثارة هذا الموضوع الحيوي وأسال الله أن يهدينا وإياه للحق فيما اختلف حوله الناس وأن ينفعنا بما علمنا ويزيدنا به تثبيتًا وإيمانًا.
أ.د. محجوب عبيد طه
قسم الفيزياء - جامعة الملك سعود- الرياض