; تعقيب على قصة «فقير يثرب» | مجلة المجتمع

العنوان تعقيب على قصة «فقير يثرب»

الكاتب د. عبدالرحمن العشماوي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1993

مشاهدات 38

نشر في العدد 1048

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 04-مايو-1993

  • تكثيف الحدث هو العمود الفقري للقصة القصيرة

نشرت «المجتمع» في عددها (1036) قصة قصيرة بعنوان «فقير يثرب» بقلم ميرال الطحاوي، وهي قصة من السيرة التقطتها الكاتبة وصاغتها صياغة أدبية جميلة، وكانت صياغتها الفنية متقنة، وعرضها للقصة كان عرضًا موفقًا في مجمله.

وإنه لأمر يسر ويثلج الصدر أن تستقبل الساحة الأدبية أقلامًا هادفة قادرة على الصياغة الفنية الجميلة، وعلى الطرح الأدبي الإسلامي الواعي، وعلى توظيف النص الأدبي –شعرًا كان أم قصة– توظيفًا فنيًا متقنًا.

وساحة الأدب الإسلامي مورقة مزهرة، أشرقت شمس ربيعها وهي تستقبل كل يوم أقلامًا أدبية حية سيكون لها دورها الكبير في إراحة الناس من الآداب المنحرفة خلقيًا وفكريًا.

ولا شك أن السيرة النبوية العطرة والتاريخ الإسلامي رافدان مهمان من روافد الأعمال الأدبية، فيهما مناجم كثيرة قادرة على إمداد الأديب بمادة حية نابضة لأدبه وفنه.

وقصة «فقير يثرب» التي نحن بصددها الآن تؤكد قدرة الكاتب الإسلامي على استخدام اللغة الأدبية الجميلة في عرض فكر إسلامي نير، فالإبداع الفني شرط من شروط العمل الأدبي، كما أشرت إلى هذا في المقالات التي تنشرها «المجتمع» تباعًا بعنوان «إسلامية الأدب»، ولكنني أحب أن أقف أمام هذه القصة القصيرة وقفة بيان وتوضيح بعد أن طرحت رأيي في مستواها الفني.

وأقول: تكثيف الحدث في القصة القصيرة هو العمود الفقري لها، فهي قائمة أساسًا على التكثيف الذي يعطيها الوهج الفني المؤثر، لأنها محرومة من التفصيل القائم على تنوع الأحداث والأشخاص كما هو الشأن في القصة الطويلة والرواية.

وكاتب هذه القصة عني عناية واضحة بقضية التكثيف الفني، فغفل عن جوانب لها علاقة بصلب القصة تاريخيًا، مما أوهم القارئ أن الكاتب يصور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تصويرًا قاتمًا لا يتناسب مع ما عرف عنهم من الخلق الإسلامي والتربية القرآنية.. كيف حدث ذلك؟

قصة «فقير يثرب» تصور لنا موقف أبي عقيل أخي بني أنيف الأراشي، وهو الرجل الذي نزلت فيه وفي عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنهما الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (التوبة: 79).

نزلت الآية الكريمة ردًا على المنافقين وفضحًا لهم وبيانًا لسوء طويتهم، وذلك أنه عندما نزلت آية الصدقات ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة: 103) استجاب أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم كعادتهم فجاءوا بصدقاتهم قليلها وكثيرها، وجاء عبدالرحمن بن عوف بمال كثير فلمزه المنافقون قائلين ما جاء به إلا رياء ونفاقا، ثم جاء أبو عقيل بصاع من تمر فلما وضعه لمزه المنافقون وقالوا: ليس الله بحاجة إلى صاع هذا.. ما قالوا هذا إلا سخرية واستهزاء، فنزلت الآية الكريمة بيانًا لما حدث، وكل الروايات الصحيحة تؤكد أن المنافقين هم الذين لمزوا المطوعين، وهذا هو المتوقع ولذلك فضحهم الله، كما قال ابن كثير في تفسيره- الجزء الثاني- ص375: «وهذا أيضًا من صفات المنافقين لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال حتى ولا المتصدقون يسلمون منهم».

وهنا تبرز الثغرة الفنية في قصة «فقير يثرب»، حيث بدأت القصة وانتهت دون أن تشير إلى أن المنافقين هم الذين سخروا ولمزوا، يقول الكاتب مصورا حالة أبي عقيل الذي اشتغل نهاره ذلك وليله ليحصل على صاعين من تمر أحدهما لأولاده والآخر جاء به الى رسول الله عليه الصلاة والسلام: «وظل يركض حتى وصل رداء عمرو.. وسط أنفاسه اللاهثة ألقى على الرداء تمراته حتى دون أن يكمل سلامه، وتنهال عليه الضحكات الساخرة، ويتطلع حوله باحثا عن سبب، ويلتفت إلى جلبابه الممزق وإلى وجوههم، حملق في كل شيء إلا الرداء حين تناثرت بضع تمرات وسط طوفان الذهب.. أربعة آلاف أوقية من الذهب وحفنة تمر تبرق عليها عرق جبين رجل فقير، ودون أن يستجمع قواه ليدرك شيئًا مما يدور حوله نظر في عيون رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تشع بغضب حبيب هادئ يسبح في أمواج الصفاء الطاهرة، وجلس الرجل برهة ثم قال: ظللت أجر بجرير حتى أدركت صاعين من تمر صاع أبقيته لأهلي وصاع أتصدق به» قالها ومضى محني الرأس واجم صامت، يحس بضحكاتهم توجعه، تجلده، كيف كان يعلم أن عبدالرحمن بن عوف سبقه وتصدق بشطر ماله».

هذا مقطع من القصة، وفي حقيقة الأمر إن إحسان الظن بالكاتب وبـ«المجلة» التي نشرت له هو الذي جعلني أطمئن إلى سلامة نيته في عرض هذه القصة وإلا فإن المقطع السابق يوهم القارئ أننا أمام كاتب يحمل فكرًا اشتراكيًا لأنه قد ركز على حالة الرجل الفقير في مواجهة طوفان الذهب، ولأنه جعل صورة السخرية واللمز عامة وكأنها صدرت من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام.

وهنا تكمن خطورة إيحاء القصة التاريخية، فالفرق بين الكاتب الإسلامي وغير الإسلامي يكمن في إيحاء القصة الأخير الذي ينسجم مع الحقيقة التاريخية، وهذه مسؤولية فنية كبيرة ولها خطورتها، وهذا ما دفعني الى كتابة هذا التعقيب، وحتى لا يطول الحديث أحصر المآخذ في النقاط التالية:

۱- هذه المقابلة التي تعمدها الكاتب في قصته بين فقر أبي عقيل وغنى عبدالرحمن بن عوف ليس فيها الحس الإسلامي الذي ينسجم مع سيرة أولئك الرجال، والذي - لو اهتدى إليه الكاتب - لكان له أثر فني كبير في قصته، فلماذا لم يتلمس لنا الكاتب روعة هذه الاستجابة السريعة الصادقة المخلصة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، غنيهم وفقيرهم، ذكرهم وأنثاهم.. هذه الاستجابة التي جعلت عبدالرحمن بن عوف يأتي بنصف ماله تماما، وجعلت أبا عقيل يأتي أيضا بنصف ماله تماما، وربك يهب الرزق لمن يشاء من عباده، فنصف مال ابن عوف أربعة آلاف أوقية من الذهب- كما ورد في بعض الروايات- ونصف مال أبي عقيل صاع من تمر، وهذا وذاك قد استجابا لدعوة الله ونفذا أمر رسوله.

لماذا انصرف الكاتب عن هذا المعنى العظيم وفيه ثروة فنية للقصة، وتوقف عند تلك المقابلة بين الغني والفقر.

۲- عندما دخل أبو عقيل بصاعه دخل بين أصحاب رسول الله في مجلسه عليه الصلاة والسلام وما أظنهم كانوا أصحاب أبهة وخيلاء في ملابسهم حتى ينشغل أبو عقيل بالنظر إلى جلبابه الممزق.. واقع القصة ومكانها لا يحتملان هذه الصورة.

يقول الكاتب: «ومضى محني الرأس، واجم صامت، يحس بضحكاتهم توجعه، تجلده». وفي هذا خلل فني لعدم انسجامه مع نص الآية الكريمة، ومع مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فمن المؤكد أن المنافقين كانوا يلمزون بخفية، ولا يضحكون ضحكا عاليا، فاللمز يعني السخرية الخافية، وهذا ينسجم مع حالة المنافقين إذا كانوا مع المؤمنين. ثم إن الدليل على هذا أن الله فضحهم في القرآن، وبيّن خفايا لمزهم ليكون درسا لغيرهم. ولو أن الكاتب اعتمد على حسه الإسلامي الصافي لما فاتت عليه هذه الصورة، بل لاستطاع أن يضيف إلى إيحاء القصة العام إيحاء خاصا بخطورة النفاق في حياة المسلم، وهو الداء الذي يفتك بالأمة في حاضرها، ثم إن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان مجلس ضحك صارخ، كما صورت ذلك القصة.

وهنا ملحوظة نحوية في كلمتي «واجم وصامت» في النص، إذ الصواب فيهما أن تنصبا فتكتبان «واجمًا وصامتًا».

3- صور الكاتب مشاعر أبي عقيل تصويرا سلبيا علما بأن مدلول القصة تاريخيا يشير إلى أنه شعر براحة نفسية حين تصدق بصاح من تمر، وقبله منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان على الكاتب أن يركز على إبراز هذه الراحة النفسية، وأن يوظفها في نصه توظيفا إسلاميا مؤثرا.. يقول الكاتب: «مدد ظهره على حصير بيته باكيا» وكان الأولى أن يقول: مدد ظهره على حصير بيته فرحا مستبشرا بما منّ الله به عليه من أداء الصدقة، والاستجابة لأمر الله.

وأقول أخيرًا:

إن القراء يختلفون إدراكا وثقافة ومعرفة بسيرة السلف الصالح ومن هنا تأتي خطورة الدور المنوط بالأدب الإسلامي الذي يتميز عن غيره بسلامة الهدف وسلامة الإيحاء الذي يستقر في نفس المتلقي.

الرابط المختصر :