; تعريف الإرهابي المحلي والعالمي | مجلة المجتمع

العنوان تعريف الإرهابي المحلي والعالمي

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1998

مشاهدات 76

نشر في العدد 1319

نشر في الصفحة 51

الثلاثاء 29-سبتمبر-1998

معالم علي الطريق 

الإرهابي هو ما تسميه إسرائيل وأمريكا إرهابيًا، بشرط أن يكون مسلمًا، سواء سكن البلاد الإسلامية، أو الأقطار الغربية، أو أقام في المريخ فعل شيئًا أو لم يفعل، هذا هو تعريف جماعة من الباحثين، وقالت جماعة أخرى من الباحثين: الإرهابي هو إنسان مسلم يكره أمريكا وإسرائيل ولا يؤيد سياستيهما ضد العرب والمسلمين ويستنكر الاحتلال النفسي والعسكري، وقالت جماعة ثالثة: الإرهابي هو إنسان مسلم لا يقر الاستسلام في فلسطين، ويأبى الظلم والعمالة والخضوع والضرب على أم رأسه، والتمرغ على أعتاب الأسياد، وعرفه أولاد البلد بِقُولْهُم على قد حَالْهُم: «هو إنسان مسلم عربي أهوج مسكين صعبت عليه نفسه، ونغصت كرامته عليه عشته ووجعه من الظلم ضميره، وانفلق من الكرب قلبه وتفتت من الهم كبده من الغم اللي صابه، واللي نزل على أهله وأحبابه، فرفع راسه وتنكرت له ناسه، فجاله اللي حاسه وداسه».

هذا وما زالت التعاريف مستمرة إلى إشعار آخر، حتى ترضى عنا إسرائيل الحمل الوديع وأشياعها الفضلاء الأنقياء الأتقياء، الأصفياء، إن إسرائيل تلك التي علمت الدنيا الإرهاب، وبنت دولتها على أشلاء المسلمين وجللهم، وتتمتع بسفك الدماء كل يوم، وتتسلى باصطياد العزل وتقطع أوصالهم، هي التي تعرف الإرهاب وتتهم وتحرض وتدفع الأمم إلى وصم المسلمين بالإرهاب، أليس هذا شيئًا يتقاصر عنه العجب العجاب؟ ولكن الأعجب من ذلك كله، والأدهى والأمر استطاعة الصهيونية خداع الرأي العام، وخداع الشعب العربي المسكين. 

ولكننا نقول: لا، وألف لا، لن نقتل ذاكرتنا أبدًا وننسى مجازر دير ياسين، وقبية، وكفر قاسم والدويمة، ونحالين، وصبرا وشاتيلا، وقانا، وقتل الأسرى المصريين، وغيرهم، ومجزرة الحرم الإبراهيمي في رمضان، والدماء التي تسيل كل يوم من الشعب المسلم المسالم على الأرض كل برهة، وكل حين، لن ننسى أن شعب إسرائيل هم عصابات من القتلة المحترفين الحاقدين، وأن ثقافة ذلك الشعب هي ثقافة مافيات وعصابات تضم هؤلاء المنتمين إلى الأيديولوجية الصهيونية بفئتيها، القتلة الحاليين والقتلة المحتملين، لا فرق فيه بين علمانيين، ومتدينين، فهؤلاء يرتكزون على الأيديولوجية الصهيونية، وأولئك إلى التوراة، ومزج المقدس اليهودي مع السياسي الصهيوني يخرج خلاصة أساسها نفي الآخر، وهي القاعدة التي تعطي لهذا التجمع الاستيطاني فرديته، وتميزه عن كل ما شهد التاريخ البشري من حركات استعمارية، أو عنصرية.

يقول الحاخام إليعازر فلدمان: إن شعب إسرائيل يضخ فيه سفر يوشع ابن نون في أذهان الناس ليكونوا قتلة محتملين ويقول روفائيل إيتان-رئيس الأركان السابق- مقترحًا آلية للتعامل مع العرب: «إذا أردتم أن تفهموا كيف يفكر العربي فافتحوا رأسه» مثل هذه الثقافة هي التي تبين طبيعة المجتمع الذي ينشأ فيه القتلة والإرهابيون من أمثال أربيه بيرو وباروخ جولدشتاين أو عامي بوير والذي يتحول كل فرد فيه إلى قاتل فعلي عندما تتاح له الفرصة.

ولنضرب مثلًا على ذلك يعرفه القاصي والداني: عندما نفذ باروخ جولدشتاين مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف، كانت أصوات الإسرائيليين الصارخة تبدو وكأنها خارجة لتوها من أكثر أسفار الحاخامات دموية في تاريخ القتل اليهودي لترسم ملامح سفر جديد، ولكنه سفر عملي يطبق على أرض الواقع، يستبدل الألفاظ بالبندقية، والتعاليم الحاقدة برشاش «غاليلي» والجرس المقدس لسفر يوشع بن نون بأصوات استغاثة المذبوحين في الحرم ليدل دلالة واضحة على لون الثقافة الإسرائيلية، وطعم التعاليم اليهودية، وعلى أصداء المذبحة أجرت معاهد الاستطلاع للرأي في إسرائيل مجموعة من الاستفتاءات التي جاءت بنتائج بالغة الدلالة، حيث رأت نسبة كبيرة من طلبة المدارس أن ما فعله جولدشتاين القاتل بالمصلين في الحرم الإبراهيمي أمر يستحق الثناء، وأنه فعل ما يتمنى كل منا أن يفعله، وكان يجب أن يفعل ذلك منذ زمن طويل وقال آخرون: سنفعل ذلك في أول فرصة، أرض إسرائيل لشعب إسرائيل، ويجب أن يرحل العرب جميعًا، وهذه العبارة بالذات هي نسخة ملطفة من عبارة الحاخام مائير كاهانا، الذي كان يقول: «سأحيل إسرائيل إلى بلد مجنون بالعداء للعرب حتى يرحلوا أو يموتوا جميعًا»، وقد تحول هذا إلى شعار مختصر يهتف به المستوطنون في مسيراتهم: «الموت للعرب».

وحتى لا يأخذ الإسرائيليون صورة مشوهة عن القاتل كان لا بد من إضفاء القداسة على فعلته، وفي طريقهم إلى قبره كانوا يهتفون بعبارات «القديس البطل منفذ أوامر الرب» ولقد شمل استطلاع الرأي هذا كل ألوان القوى السياسية في إسرائيل، وكان الجواب متشابهًا، وكانت هناك آراء ترفض المجزرة ولكنها من باب الإشفاق على القاتل الذي راح ضحية هذا الثمن القليل من العرب، وكان ينبغي أن يعيش ليحاكم محكمة هزلية، أو يوصف بالجنون وينتهي الأمر عند هذا الحد ويفلت المجرم. ومن تلك الثقافة الإجرامية الإسرائيلية ما يفصح به البعض من أمثال: آفي رافيتسكي «من حركة نيفوت شالوم»، حيث يقول: «أن تكون صهيونيًا، يعني أن تتحمل مسؤولية تاريخية، بألّا تكون ضحية القمع، ولكي لا تكون كذلك ينبغي أن تقوم بالمهمة المعاكسة وهي تحويل الآخرين إلى ضحايا»، وفي هذا الإطار يقول الحاخام دوف لبور: «من أجل الحيلولة دون موت جندي إسرائيلي واحد، فإنني مستعد لتدمير مدينة بيروت بكاملها».

مثل هذه الكلمات تحمل الثقافة الأكثر واقعية لليهود التي تمثلت في قول بطل مجزرة الأسرى المصريين في الحرب: إن حراسة الأسرى كانت تتطلب تفريغ ثلاثة جنود قد يتعرضون للخطر، فليمت الآلاف وإلى غير رجعة»، في ظل هذا المناخ، وهذا الإعداد ينشأ القتلة والإرهابيون، وهم بهذا نتاج طبيعي لثقافة نفي الآخر قتلًا، والحركات السياسية والزعامات الصهيونية تمثل هذه السياسة، ولكن بالموت المريح أو البطيء، أو السريع إذا اقتضت الحاجة، أو بالنيابة عنها على أيدي المتطرفين «الأبطال الدينيين» أو القديسين الذين ينفذون أوامر الرب الفورية، وتعاليم الأسفار المقدسة. والسؤال هنا: هل يستطيع العرب تعريف الإرهاب الحقيقي الذي يأخذ صفة القداسة؟ وهل يستطيعون أن يذكروا تلك الحقائق؟ أم يظلون صرعى الأوهام والخوف والضلال ويصمون أنفسهم بالإرهاب! وهو وهم كبير وكذبة لصالح آخرين؟ نسأل الله السلامة.

الرابط المختصر :