العنوان تعديل المادة ٨٣ من الدستور تم بطريقة غير دستورية- البعث السوري والدستور
الكاتب طاهر إبراهيم
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-2000
مشاهدات 59
نشر في العدد 1406
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 27-يونيو-2000
الذين تابعوا أخبار وفاة الرئيس السوري على شاشة الفضائية السورية عصر يوم 10 يونيو الجاري رأوا واحدة من أعجب الممارسات للديمقراطية في الوطن العربي، فبينما كان أعضاء مجلس الشعب يناقشون قضية رفع الحصانة عن بعض النواب الذين اتهموا بالرشوة والفساد أذيع نبأ وفاة الرئيس، ما جعل الجلسة تتحول إلى حفلة تأبين وبكاء، وبينما كان رئيس المجلس عبد القادر قدورة يقرأ البيان الذي صدر عن القصر الجمهوري المتضمن تأكيد الوفاة فوجئ المشاهدون بدخول ضابط برتبة كبيرة همس بكلمات في أذن رئيس المجلس الذي أعلن بعدها عن تشكيل لجنة من بعض نواب المجلس لتعديل المادة ٨٣ من الدستور التي تحدد الشروط المطلوبة في المرشح لرئاسة الجمهورية.
وقد رُفعت الجلسة لمدة نصف ساعة، وبعد إعادة انعقادها أعلن عن تعديل المادة ٨٣ من الدستور، الخاصة بتحديد سن المرشح للرئاسة، وطلب رئيس المجلس التصويت برفع الأيدي على التعديل المقترح على المادة ۸۳ وأعلن أن الموافقة تمت بإجماع الحاضرين، ولسنا هنا في صدد الاعتراض على ترشيح الدكتور بشار لرئاسة الجمهورية، فهو كأي مواطن سوري آخر له الحق في أن يترشح إذا توافرت فيه الشروط، وكان كفأً لهذا المنصب، وإنما الاعتراض هنا مُنصب على السرعة والطريقة اللتين تم بهما تعديل الدستور، هذا أولًا، وثانيًا فإن تعديل الدستور بهذه الطريقة سابقة لم يسبق إليها إلا نظام الحكم الشيوعي في كوريا الشمالية، وقد لا يدرك رئيس المجلس ومن شاركه من النواب خطورة ما أقدموا عليه، أو أكرهوا عليه إلا ساعة لا ينفع الندم.
ولقد جرت العادة عند تعديل مواد الدستور حتى في الدول ذات النظام الشمولي أن تشكل لجنة من أعضاء مجلس النواب تقوم خلال عدة شهور بمراجعة مواد الدستور، ومن ثم يصار إلى قراءة الأسباب الموجبة للتعديل، والتي تفرضها الحاجة الماسة ويتم التعديل في قراءة أولى ثم قراءة ثانية، ثم قراء ثالثة، نظرًا لأن التعديل سيطول الدستور الذي تعرض عليه جميع القوانين النافذة أو التي ستصدر فيما بعد، بحيث لا تتعارض مع مواد هذا الدستور.
الأولى بالتعديل المادة ٨٤ من الدستور التي تجعل منصب رئيس الجمهورية حكرًا على البعثيين فقط.. وهم باعتراف الحزب لا يتجاوزون ٣٠٠ ألف شخص وتحرم ذلك الحق على ١٧ مليون سوري.
وما رأيناه آنفًا في مجلس النواب السوري كان مختلفًا كليًّا، فقد تم التعديل بسرعة غريبة لدرجة لو أن أحد أعضاء مجلس النواب الذين أجروا هذا التعديل أراد تسجيل سيارته المرسيدس التي منحت له من دون جمارك بعد انتخابه عضوًا في مجلس الشعب لأخذ منه تسجيل السيارة وقتًا أكثر مما أخذ تعديل المادة ٨٣ أعلاه من مجلس النواب، وقد لاحظ المشاهدون أن رئيس المجلس طلب التصويت على التعديل برفع الأيدي، وأعلن بعدها أن الموافقة كانت بالإجماع دون أن يكلف أحدًا بعد الأيدي المرفوعة، ما يعني أن التصويت تم بطريقة غير دستورية تجعل الشك يغلف هذا التعديل، وإذا كانت هذه الحادثة هي الأهم في أسلوبها العشوائي وغير المسؤول الذي تم به التصويت فإنها ليست المرة الأولى التي يحصل فيها مثل هذا الأمر، فقد طلب رئيس المجلس التصويت وبرفع الأيدي أيضًا، على إحدى مواد بعض مشاريع القوانين المحالة إلى المجلس من وزير المالية، فرفع ٥٠ نائبًا -من أصل ٢٥٠ نائبًا- أيديهم بالموافقة، فقال رئيس المجلس لمسجل وقائع الجلسة «اكتب أكثرية الأصوات» فاعترض أحد النواب على ذلك قائلًا: «أين هي هذه الأكثرية يا أستاذ؟» فما كان من رئيس المجلس إلا أن أغلق النقاش بقوله: لا بد من الموافقة يا رفيق لأن القانون جاءنا من عند الرئيس!.
ولا ريب في أن الأستاذ «قدورة» يعلم قبل غيره -بحكم ممارسته لرئاسة المجلس النيابي عدة دورات- أن هناك مواد كثيرة في الدستور السوري الذي استفتي عليه عام ١٩٧٣م ينتظر الشعب بفارغ الصبر تعديلها منذ أكثر من ثلاثة عقود، مثل المادة ١٠٠ التي تعلن حالة الطوارئ والتعبئة العامة والتي هي في الأصل «حالة استثنائية» وضعت في الدستور لضبط أمن البلاد أثناء نشوب الحرب مع العدو الخارجي، إلا أن حالة الطوارئ هذه ترسخت وأصبحت القاعدة، فقد تم فرضها من أول يوم قام فيه انقلاب ۸ مارس ١٩٦٣م، وما زالت مطبقة بشكل عنيف حتى الآن، وتم استغلالها أبشع استغلال واعتقل بموجبها عشرات الآلاف وزج بهم في السجون سنين طويلة بدون محاكمة، وبما أن سورية تعيش الآن ردود فعل انعكاس تعديل المادة ٨٣ فلا يفوتنا أن نذكر في هذا المقام بالمواد التي تنظم أمر رئاسة الجمهورية وأن الأولى بالتعديل من المادة 3 المادة 4 من الدستور التي:
١- تقصر الحق في الترشح لمنصب رئيس الجمهورية على مرشح وحيد يستفتى عليه استفتاءً شكليًّا، وكثيرًا ما رأينا -في ظل الأحكام العرفية- أن مرشح الحزب ينجح بنسبة ٩٩,٩٩٪.
٢- تجعل حق اقتراح اسم المرشح لرئاسة الجمهورية قصرًا على القيادة القطرية لحزب البعث ما يعني أن منصب رئيس الجمهورية هو حكر على البعثيين فقط «الذين لا يزيد تعداد الأعضاء العاملين منهم في سورية على ٣٠٠ ألف بعثي عامل حسب تقرير أعدته القيادة القطرية ووزعته بعد وفاة الرئيس الأسد ونشرته جريدة الحياة في عدد يوم الثلاثاء ١٣ من يونيو الجاري» وأن هذا الحق محروم منه باقي أفراد الشعب السوري الذين يزيد تعدادهم على ١٧ مليون شخص، وتصبح المادة 84 خطيرة جدًا إذا علمنا أنه وباستثناء رضا أو غضب القيادة الحاكمة في سورية لا توجد آلية في حزب البعث تمنع الفاسدين من الوصول إلى المناصب العليا في الدولة، وما أمر محمود الزعبي -رئيس الوزراء السابق- منا ببعيد، فقد بقي رئيسًا للوزارة مدة ١٣ عامًا، ثم عُزل من منصبه وطرد من القيادة القطرية التي بقي عضوًا فيها لمدة ٢٥ عامًا، ولوحق بتهمة الفساد، بل إن قائمة الفاسدين التي أعلن عنها مؤخرًا ضمت عددًا كبيرًا من الوزراء ونواب رئيس الوزراء، ولم يوقف عرض هذا المسلسل إلا وفاة الرئيس الأسد.
مجلس النواب وآلية تشكيله وجدلية اختيار الرئيس: وإذا كان في الأنظمة الديمقراطية مؤسسات تكفل عدم وصول الفاسدين إلى مناصب الدولة العليا وتشدد الرقابة عليهم، فقد جرى تحجيم و«تقزيم» مؤسسات الحكم في سورية وخصوصًا مؤسسة مجلس النواب هذه المؤسسة التي تمثل السلطة التشريعية في كل بلاد العالم إلا في سورية، وفي عهد حكم حزب البعث أصبح نواب المجلس النيابي موظفين تعينهم القيادة القطرية لحزب البعث، ومن المعروف أن ثلثي أعضاء مجلس النواب تقوم القيادة القطرية لحزب البعث باختيارهم «ويعتبرون ناجحين قبل الاقتراع» من البعثيين ومن أحزاب الجبهة المنضوية تحت خيمة حزب البعث وما تبقى من أعضاء في المجلس، وهو الثلث يترشح إليه مستقلون في غالب الأحيان هم من الموالين للحكم بشكل أو بآخر، وبدلًا من أن يمثل مجلس النواب دور الرقيب اليقظ على سلوك الحكومة أصبحت مهمة هذا المجلس تقنين ما يحال إليه من رئاسة الجمهورية، ومن القيادة القطرية لحزب البعث ما يعني أن هذا المجلس ليس مجلسًا لنواب الشعب، كما نص على ذلك الدستور وإنما هو مجلس نواب حزب البعث، وهكذا تتضح جدلية الحكم في سورية: حزب للبعث تحكمه قيادة قطرية «غالبًا ما تكون أسماؤها محددة من قبل الرئيس قبل انتخابها من المؤتمر القطري»، تعين هذه القيادة ثلثي أعضاء مجلس النواب «الأكثرية الكافية لتعديل الدستور»، تقترح هذه القيادة اسم المرشح لرئاسة الجمهورية، يعرض هذا المرشح على مجلس النواب، يوافق عليه هذا المجلس المعين من القيادة القطرية، التي جرى اختيارها أصلًا بمعرفة الرئيس، أما الاستفتاء الذي يجري فهو تحصيل حاصل.
«واشنطن بوست»: الرئيس السابق بقي منعزلًا في وفاته كما كان خلال حكمه
لاحظت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية أن الرئيس السوري السابق احتفظ بالانعزال الذي ميزه على الدوام حتى بعد وفاته، وجاء في تقرير نشرته الصحيفة إلى أن الترتيبات التي اتخذت أثناء جنازته والتي حالت دون وصول الجماهير إلى النعش عکست طبيعة الأجواء المحكمة والانعزالية التي أوجدها الرئيس الأسد في بلاده.
كما لاحظت الصحيفة أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك كان الرئيس الغربي الوحيد الذي شارك في الجنازة، وأن قلة قليلة من الزعماء العرب قصدت سورية لوداعه، وأشارت إلى انشغال الرئيس السابق بالأمن الداخلي على حساب تنمية البلاد والإصلاحات الاقتصادية وقالت: إن العملية التي تم بواسطتها اختيار خلف للرئيس عكست أسلوب حجب المعلومات وعزل الشعب. وخلص تقرير الصحيفة إلى القول إن على بشار الآن أن يقوض النظام الذي بناه والده أو يقنع به في صورته الحالية.
على صعيد آخر قال الصحفي البريطاني المعروف «روبرت فيسك» في تقرير كتبه الصحيفة «الإندبندنت» اللندنية من دمشق، إن تشييع الرئيس السوري السابق كان عاديًّا ولم يتسم بالحزن والصراخ والنحيب الذي جرى في جنازة الملك حسين العام الماضي.
وأكد فيسك أن الحداد كان منظمًا وفقًا لتعليمات حزب البعث العربي الاشتراكي المسيطر على الحياة السياسية، وشارك الحرس الجمهوري في التشييع الذي شاركت فيه أيضًا جموع الجماهير التي غالبًا ما كانت تنتخب الرئيس الأسد بنسبة ٩٩,٩٪ من أصوات الناخبين.
صحيفة سويسرية: كيف سيتعامل بشار الأسد مع التيار الإسلامي؟
فتحت صحيفة سويسرية مرموقة ملف العلاقة المستقبلية بين الرئاسة السورية والتيار الإسلامي، وأثارت أسبوعية «فيلت فوخه» الصادرة في زيوريخ مسألة احتمال إصدار عفو رئاسي عن سجناء جماعة الإخوان المسلمين في السجون السورية، فقالت: «هل يستطيع بشار الأسد أن يعفو عن الإسلاميين؟!» المؤكد أنهم يمثلون التحدي الذي يهدد الرئيس الجديد على المدى المتوسط، على حد تقديرها.
ورأت الصحيفة أنه على الرغم من بعض الخطوات التي لجأ إليها حافظ الأسد في السنوات الأخيرة من تعيين بعض الشخصيات السنية في مواقع بارزة وإفراجه عن ١٥٠٠ معتقل من السجون السورية، فإن الغالبية السنية تشكل خطرًا على نجله، لا سيما مع الأعداد الغفيرة من المهندسين السنة العاطلين عن العمل، وكذلك الحال بالنسبة للمحامين والأطباء الذين يتعاطفون بدورهم مع جماعة الإخوان المسلمين المحظورة كما يقول التقرير.
«تسايت» الألمانية: متاعب محتملة تواجه الرئيس الجديد من داخل الطائفة.
رصدت صحيفة ألمانية بارزة بعض المؤشرات ذات العلاقة برحيل حافظ الأسد واستعداد نجله بشار لخلافته ونشرت صحيفة «تسايت» الأسبوعية الأسبوع الماضي تقريرًا موسعًا عن التطورات الأخيرة في سورية ولاحظ التقرير أنه خلال أسبوعين اثنين فقط انسحبت قوات الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان وتوفي الرئيس السوري بعد ثلاثين سنة من الرئاسة أي طرأت على الشرق الأوسط تغيرات أكثر مما طرأ عليه طوال عقد كامل من الزمن، ولكن من غير الواضح تمامًا المسار الذي ستقضي إليه التطورات الجديدة.
ورأت الصحيفة أن الجماهير بكت على رحيل حافظ الأسد، رغم أنه حكم البلاد بسياسة القبضة الحديدية، وكان مبعث بكائها هو الخوف من مستقبل الفراغ الذي تركه بعد أن شغله بالقوة وأدى إلى الاستقرار القسري في البلاد، فالبديل الذي تراه الجماهير ليس هو الديمقراطية الغربية إنما العنف الشامل والانهيار الاقتصادي على حد وصف «تسایت».
وفي تحليل الصحيفة الفرص تعزز سلطة حكم بشار، لم تستبعد أن يواجه متاعب ومحاولات انقلابية من داخل الأقلية التي تتمتع بالحضور السائد في مراكز التأثير الحساسة في سورية.
وأشارت الصحيفة إلى عمليات «التطهير» التي شرع بها الرئيس السابق داخل الجيش والأجهزة الأمنية الثلاثة منذ عام ١٩٩٥م، عقب إجرائه مباحثات مع اسرائيل، إذ جرى بموجب ذلك استبعاد معارضي التسوية من مناصبهم وتعرض بعضهم للاعتقال أو أجبروا على مغادرة البلاد كما تلا ذلك حملة مماثلة ضد خصوم نجله بشار ولكن على بشار أن ينتظر المتاعب من طرف عمه رفعت التوَّاق للإمساك بمقاليد الحكم في سورية، وهو الذي سبق أن حاول في عام ١٩٨٣م أن ينقلب على شقيقه بينما كان طريح فراش المرض، ولاحظت أسبوعية «تسايت» أن «الجيل الجديد من الزعماء العرب لا يستشهدون بنصوص من القرآن فقط وإنما من ورقة شرودر بلير أيضًا» في إشارة إلى وثيقة الطريق الثالث التي توصل إليها الزعيمان الألماني والبريطاني قبل عام مضى حول تجديد النهج الاشتراكي الديمقراطي في أوروبا وتحرير الاقتصاد من أعبائه الاجتماعية، إذ رأت الصحيفة أن العامل المغربي محمد السادس معجب بهذه الوثيقة، بينما يبدي العاهل الأردني عبد الله الثاني حماسته لثورة المعلومات، وأما بشار الذي يستعد لخلافة والده فمن مؤيدي الانفتاح على شبكة العنكبوت الدولية.
وأضافت الصحيفة تقول: «ولكن لا أحد يدري إن كانت الأحاديث التقدمية «التي يطرحها الجيل الجديد من الزعماء العرب» سيتبعها تحول ديمقراطي حقيقي أم لا، على حد وصفها».