; تعبيد السياسية | مجلة المجتمع

العنوان تعبيد السياسية

الكاتب خالد الطراولي

تاريخ النشر السبت 01-نوفمبر-2003

مشاهدات 74

نشر في العدد 1575

نشر في الصفحة 66

السبت 01-نوفمبر-2003

تعبيد السياسية 

إن «تعبيد» السياسة يبدو أمرًا ضروريًا ومهمًا لتجنب مقولات الاستغلال السياسي للدين، التي صالت وما زالت تصول، والتي على عتبتها ذبحت آراء ومعتقدات واستؤصل أفراد وجماعات والتعبيد ترشيد للسياسة وإنزالها موضع الوسيلة لخدمة المجموعة، وليس هدفًا لخدمة تطلعات فرد أو نزوات مجموعة. لقد ظل هذا البعد غائبًا أو مهمشًا في حده الأدنى، ولم تعده إلى السطح إلا فترات العسرة والمحنة، وظلت السياسة الفريضة العبادية الغائبة في العقلية الإسلامية. وانجر عن هذا بوعي أو بغير وعي تسابق وتنافس غير بريء في بعض أحيانه، وأدى هذا وذاك إلى التأثير على المنهجيات والأساليب، فتقدمت أطروحات المدى القصير والمتسرعة أحيانًا على النظرة البعيدة والموزونة والهادئة.

معركة المصطلح

كما تغلبت بعض المصطلحات البديلة التي أنتجتها أطياف سياسية وفكرية معينة وسعت إلى رواجها، على التأثير في عديد التصورات السياسية لحركات الإصلاح وفرض عليها التعامل بها استرضاء أو مناورة، وكان هدف التقارب والتواضع، ولعله في بعض الأحيان التقليد ودعوى التقدم هو الدافع لذلك، غير أن هزيمة المصطلح في بداية الضعف والارتباك في التصورات لاحقاً إذا لم تراع خاصياته ولم يفرغ من مخزونه، وشحنه مجدداً بما يعبر عن مخزون الأمة وتراثها فمعركة المصطلح هي خط الدفاع الأول قبل سقوط الفكرة وتبعية التصور وانهزام الفعل والممارسة. إن السياسة الشرعية حفلت ولا تزال بمصطلحات تعبر عن الموروث والمرجعية مشحونة بأبعاد روحية وأخلاقية وأهداف عبادية وربانية، تصل الأرض بسمائها وتعدم في غيرها. وهذا لا يعني بتاتًا الانعزال والتقوقع، فالسياسة الشرعية كما عرفها الفقهاء هي ما كان الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم ينزل به وحي ولم يرد عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

ومن خصائص هذه الروحانية أن تكون «بعيدة عن بدع القول والعمل وانحراف الاعتقاد والسلوك تسمو بالروح وتزكي النفس وتحيي الضمير، وتجدد الإيمان وتصلح العمل وترقى بالأخلاق وتنمي حقيقة الإنسان».[2]

وليس المجال السياسي بأقل احتياجًا لتزكية القول والفعل واستنهاضهما وربطهما بالسماء حتى يتحرر العقل نفسه من حواجز الفراغ المفزع أو الامتلاء الأجوف وينطلق في التنظير والتنزيل بعيدًا عن مادية ضاغطة، أو غيبية مزيفة وخرافية مشعوذة شهدتها العصور الغابرة ويشهدها حاضرنا في صور معاصرة، ويتحول هذا العقل «من عشق الحجارة والأصنام والتماثيل (القديم منها والحديث) إلى محبة الحق الذي لا تلمسه الأيدي ولا تراه العيون.. كسر للحاجز المادي باتجاه الغيب، وتمكين للعقل من التحقق بقناعات تعلو على معطيات الحس القريب...».[3]

من أوجه الروحانية

ومن أوجه الروحانية في المشروع التغييري الإجرائي والحضاري تأصيل القضايا والقرارات والمناهج، والتركيز على الجانب الروحاني والشعائري في تكوين الأفراد، وفي حيثيات الخطاب إجمالاً، ومن أمثلة وجود الغيبي في ثنايا المشروع، مبدأ الاستخارة الذي جعله الله ملجًأ وعوناً، لا ينفي الإرادة ولكن يؤكدها ويدعمها بالتدخل الإلهي وعونه، لقصور الإنسان في الإلمام بكل أبعاد الظواهر والأحداث.

إن وجود البعد الروحي في الخطاب والممارسة يحدث تميزًا وفرادة تعدم عند الآخرين، «وذكر الله أكبر من أن يكون حركة شفتين، إنه يقظة قلب ورؤية آيات ونصح خالص، وهضم للنفس، وإعظام لله وحده»[4] ويحمل بالتالي فوائد وسبقًا لدى جماهير لا يندر البعد العبادي الشعائري في حياتها، رغم ما عانته من تشويه واستئصال وخوف، ونذكر من هذه المنافع:

 _ارتباط البعد الغيبي والشعائري بتربية الفرد والمجموعة، حيث تغيب الذات، ويضمر التدافع الدنيوي والنجاة الفردية، لصالح الجماعة في كل المستويات.

_التأكيد المتواصل فكرًا وممارسة لوجود المرجعية الروحية في المشروع حتى لا تقبل هذه العلاقة المتميزة مع الغيب.. هذا الغيب الذي يمثل سند المشروع وعونه الأصيل في أيام المحنة وأيام النعمة.

_المصداقية المرجوة عند شعوب بدأت بوادر عودتها الإيمانية ومظاهر صحوتها تتأكد مع الأيام، فهو تعبير عن التحام المشروع مع واقعه، وعدم القفز عليه وتجاوزه.

_الترسيخ العملي للمرجعية الإسلامية التي يتبناها المشروع، والهوية العربية الإسلامية التي نعيشها كمكون أساسي لماضينا وحاضرنا ومستقبلنا.

[1]مدير تحرير مجلة مرايا – باريس.

[2] د. يوسف القرضاوي في الطريق إلى الله الحياة الربانية والعلم، مكتبة وهبة، ط1، ١٩٩٥م، ص ۲۰.

[3] د. عماد الدين خليل «حول إعادة تشكيل العقل المسلم» كتاب الأمة – عدد٤، ط٢، قطر، رمضان ١٤٠٣هـ، ص ٢٥.

[4] محمد الغزالي- تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل المعهد العالمي للفكر الإسلامي- فرجينيا- الطبعة الرابعة ١٩٩٦م، ص ٨٤.

الرابط المختصر :