; المجتمع التربوي عدد 1531 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي عدد 1531

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 14-ديسمبر-2002

مشاهدات 62

نشر في العدد 1531

نشر في الصفحة 54

السبت 14-ديسمبر-2002

تعالوا نأخذ الكتاب بقوة، كما أمر الله تعالى: ﴿يَٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَٰبَ بِقُوَّةٍۢ  (مريم: ۱۲). فهي فرصة، والله والظروف سانحة المسلمون صوم، والقائمون خشع والمتصدقون بسخاء ينفقون، والذاكرون لا يملون، والواصلون لأرحامهم للأجر والثواب يرقبون تعالوا نرتقي بأنفسنا درجة بعد درجة نحببها فيما عند الله، ونستعين بالله عليها، نتذوق حلاوة الإيمان، وندخل جنة الدنيا، وتسير بهدى الرحمن على طريق المتقين هيا نرتقي بالصيام إلى درجة المتقين 

١- ليغمرنا الله بمحبته له ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ (التوبة).

٢- وليمنحنا العلم وينفعنا به﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّه (البقرة: ۲۸۲).

٣- وليضع أرجلنا على طريق المفاز لئلا نهلك ولتعد لنا الحدائق والأعناب، والكواعب الأتراب والكؤوس الملأ والمترعة والمتتالية، والجو الصافي من كل كدر أو لغو﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا  حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا وَكَاسًا دِهَاقًا لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ كِذَّابًا (النبأ: 31-35).

٤- وليخلع علينا خير لباس ﴿وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ (الأعراف:٢٦).

٥- وليجعل لنا مما نحن فيه من الضيق والهم والغم والكرب والذل والدين مخرجًا ويبارك لنا فيما رزقنا ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ﴾ (الطلاق:۳).

٦- وليصير كيد أعدائنا لنا هباء منثورا ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ (آل عمران:۱۲۰).

٧- ولنكتسب معية الله ونصرته وتأييده: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ (النحل: 128).

٨- وليصلح أعمالنا ويغفر ذنوبنا ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ  (الأحزاب: 70-71).

٩- ولنحصل على نصيب مضاعف من الرحمات ونستنير بنور الله في ظلمات الحياة ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (الحديد: ۲۸).

۱۰ - ولنحوز درجة الكرام عند أكرم الأكرمين ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ  (الحجرات:۱۳). 

۱۱- ولنتلقى بشرانا العاجلة في الدنيا، ونضمن بإذن الله البشرى في الآخرة﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَلَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ (يونس: 23-24).

۱۲- ولننجو من الوقوع في جهنم عند المرور على الصراط ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلًّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (مريم: 71-72).

۱۳ - ولنتهيأ لمرتبة الشكر التي تأتي بعد التقوى والتي هي أعلى مراتب هذا الدين الخمس الإسلام الإيمان الإحسان التقوى، الشكر ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (آل عمران: 123).

وغير ذلك كثير﴿لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (ق: 35).

● دليلك إلى صفات المتقين:

سأل رجل أمير المؤمنين على بن أبي طالب ، قائلًا: يا أمير المؤمنين، صف لي المتقين حتى كأني أنظر إليهم. فقال: هم الذين منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم، نزلت أنفسهم في البلاء كالتي نزلت في الرخاء لولا الأجل الذي كتب الله لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقًا إلى ربهم عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم. قلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة، وأجسادهم نحيفة، وحاجاتهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة. صبروا أيامًا قصيرة أعقبتها راحة طويلة تجارة رابحة سيرها لهم ربهم أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وأسرتهم فقدوا أنفسهم منها. أما الليل فصافو أقدامهم يرتلون لأجزاء القرآن ترتيلًا، فإذا مروا بأية فيها تشويق ركنوا إليها طمعًا. وتطلعت نفوسهم إليها تشوقًا، وإذا مروا بآية فيها تخويف صغوا إليها بمسامع قلوبهم، وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول أذانهم، فهم جاثون على ركبهم يطلبون من الله فكاك رقابهم. وأما النهار فحلماء علماء أبرار أتقياء، قد براهم الخوف بري القداح ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض لا يرضون من أعمالهم بالقليل، ولا يستكثرون الكثير، فهم لأنفسهم متهمون ومن أعمالهم مشفقون. إذا زكي أحدهم خاف مما يقال له، فيقول: أنا أعلم بنفسي من غيري وربي أعلم بنفسي مني، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني أفضل مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون.

فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في الدين وحزمًا في لين، وإيمانًا في يقين، وحرصًا في علم وعملًا في حلم وقصدًا في غنى، وخشوعًا في عبادة، وتجملًا في فاقة، وصبرًا في شدة، وطلبًا في حلال ونشاطًا في هدى، وحرجًا عن طمع يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل، يمسي وهمه الشكر، ويصبح وهمه الذكر، يبيت حذرًا، ويصبح فرحًا، حذرًا من الغفلة وفرحًا بما أصاب من الفضل والرحمة إذا استصعبت عليه نفسه فيما يكره لم يعطها سؤلها فيها يحب قرة عينه فيما لا يزال وزهادته فيما لا يبقى، يمزج الحلم بالعلم، والقول بالعمل، تراه قريبًا أمله، قليلًا زلـله، خاشعًا قلبه قانعة نفسه، سهلًا أمره، حريزًا دينه ميتة شهوته كظومًا غيظه.

الخير منه مأمول، والشر منه مأمون، إن كان من الغافلين كتب في الذاكرين، يعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، بعيدًا فحشه، لينًا قوله غائبًا منكره، حاضرًا معروفه في الزلازل وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه، لا يضيع ما استحفظ، ولا ينابز بالألقاب ولا يضر بالجار، ولا يشمت بالمصائب، إن بغي عليه صبر، حتى يكون الله هو الذي ينتقم له.

نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة، أتعب نفسه لآخرته، وأراح الناس من نفسه، بعده عمن تباعد عنه زهد ونزاهة، ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة ليس تباعده بكبر وعظمة، ولا دنوه بمكر وخديعة (طه عبد الله العفيفي، كتاب ۱۲۰ مفتاحا من مفاتيح الجنة دار الاعتصام – القاهرة). 

 قراءة جديدة للقرآن

علاء سعد حسن

تأمل معي صاحبي: إن في حياتنا نعمًا كبيرة كثيرة تستحق الشكر الدائم والثناء المتواصل، ألفناها في حياتنا، فلم نعد نذكرها فنشكر عليها، كأنها صارت في دنيانا حقوقًا مكتسبة. كذلك المصائب الكبيرة إذا باغتتنا جزعنا في أولها، وتملكنا الحزن، حتى ذا تعودنا عليها لم نعد نبكي لها كأنها لم تكن أو كأننا لم نجرب العافية قبل أن تنزل بنا المصيبة.

وهكذا الإنسان يألف النعمة والنقمة على السواء، فلا يبتهج للأولى، ولا يحزن للثانية كل ذا من باب التعود والألفة مع عدم توقع زوال النعمة من أيدينا، أو انفراج المصيبة التي تحيط بنا.. لأن توقع زوال النعمة يجعلنا نشعر بوجودها نتشبث بها، وقرب انفراج الأزمة يجعلنا نتعجل انكشافها في ترقب وقلق ونفاد صبر. تأمل معي الطفل الصغير يهديه أبوه لعبة عديدة فيتشبث بها يومًا أو بعض يوم، ثم ينصرف منها بعد ذلك حيث تضم إلى غيرها ولا يتذكرها حتى ينازعه عليها أحد أقرانه فيتشبث بها من جديد ويحارب من أجلها.

أذكر لك هذه الحقائق في حياتنا لأسألك أو تسألني - فنحن في النعمة والمصيبة سواء بسواء. لا تشعر أن بين يديك نعمة القرآن الكريم كتاب الله وكلمتها لخالدة، أم أنه أصبح قديمًا منسيًا على رف الحياة، تلك نعمة غفلنا عنها أنا وأنت... أولًا تشعر مصيبة هجر القرآن بكل أنواع الهجر هجر لتلاوة، وهجر التدبر، وهجر التلقي، وهجر التطبيق وهي واقع الحياة، أو أن هذه مصيبة أوغلت في القدم فسألناها أنا وأنت؟

يا صاحبي القرآن ينادينا في شهر القرآن لشعر به من جديد شعور المحروم التائه في عالم المادة الطاغية، الباحث عن السعادة أبدًا ولا يجدها. للاهث وراء السكينة ولما يلحق بها في دنيا تحكمها شريعة الغاب يقتل القوي فيها الضعيف بعد أن يستذله بقوانين مخجلة أولها مكافحة الإرهاب الدولي..

العالم اليوم يتخبط في عصر الهمجية الدولية.. وأنا وأنت تتخبط في ظلام التيه النفسي والخواء الروحي والضياع الأخلاقي.. هذا الضياع الذي يسود العالم يحتاج إلى رسالة جديدة تنقذ البشرية كما أنقذتها رسالة القرآن منذ خمسة عشر قرنًا من الزمان العالم الحائر ينتظر.. فهل من رسالة جديدة بعد رسالة القرآن الكريم؟، وهل من كتاب آخر بعد القرآن الكريم؟!!

يا صاحبي نحن نؤمن أن الإسلام خاتم الرسالات، وأن القرآن خاتم الكتب ومعنى ذلك أننا نحتاج تلقيًا جديدًا للقرآن الكريم كأنه اليوم أنزل لنعاود به إنقاذ أنفسنا المبعثرة من الضياع، وإنقاذ البشرية التائهة من الهلاك. فإما أن يصبح القرآن جديدًا، أو أن تصبح نفوسنا جديدة لتتلقى القرآن.

هيا أخي نستشعر النعمة الكبرى في معجزة القرآن الخالدة، ونتصور أنها ربما ضاعت من أيدينا - بموتنا وفناء أعمارنا - لتعرف طعم النعمة فنتشبث بها قبل فوات الأوان.. أو نستشعر أنهم ينازعوننا عليها ليسلبونا إياها، فالحرب الآن تدور على عقيدة القرآن وقيم القرآن وأخلاق القرآن في نفوسنا وواقع حياتنا، كما دارت المعركة من قبل على سيادة القرآن في حياتنا السياسية والتشريعية، فهل توقظنا الحرب وتنبهنا إلى النعمة الكبرى؟

إن القرآن الكريم كاد يضيع من صدورنا ضياع القيمة لا ضياع الكلمة، فلقد اقترب أن يخرج من عالم التداول الخلقي في واقع الحياة رغم بقائه الخالد بين دفتي المصحف، مثل كنز احتفظ به صاحبه فترة من الزمن، فلما احتاج إليه وجد عملته قد سحبت من التداول النقدي فلم تعد تجدي شيئًا رغم كثرتها ووضوح النقوش عليها. فهل يزيدنا النزاع تمسكًا بالقرآن وتشبثًا به أما مصيبتنا في هجر القرآن فلقد باتت تؤرقني كل يوم انتظر الفرج لها والمخرج منها. أتمنى زوال تلك المصيبة قريبًا، فأتطلع إلى انكشافها بشوق ولهفة عسى تمردنا على المصيبة يكسر تعودنا عليها فتسعى للخروج منها.

إذا استطعنا أن نجعل من شهر رمضان شهر التفاعل مع القرآن بروح جديدة، وقلب جديد ونفس مطمئنة، تسلم كيانها كله إلى طب القرآن وعلاجه ودوائه ليداوي عللها وأمراضها في تلق للأوامر والنواهي لا يتوقف عند تلقي الكلمات والحروف بل يتعداها إلى أن تتشرب النفوس أخلاق القرآن وقيمه. نريد أن ينقلنا القرآن نقلة نوعية حقيقية فيقتلعنا من عالم ويغرسنا في عالم آخر نريد أن يكون لـ سورة طه نفس الوقع الذي كان عند عمر بن الخطاب - وهو يومئذ على الكفر. فنقلته من الكفر إلى الإيمان، ونقرأ سورة النجم أو نسمعها فنسجد كما سجدت قريش نسجد سجودًا لا يخضع في المقام الأول لعلامة السجود في المصحف، ولكن سجودًا ينبع من إحساسنا بعظمة المعاني، فالذين سجدوا من قريش لم يكونوا يعلمون مواضع السجود ولكنهم سجدوا لعظمة ما سمعوا.. نريد أن نقرأ سورة هود وأخواتها فنشعر بطقطقة الشيب تدب في رؤوسنا كما شيبت رسول الله .. نريد أن نقرأ القرآن الكريم، ونتدبره تدبرًا يجعلنا نقف مع آية واحدة يومًا أو أيامًا. لتعمل عملها في النفوس. نريد أن نرى ذكرنا في القرآن هل تصدقني لو قلت لك إنك مذكور في القرآن الكريم نعم أنت بعينك مذكور في القرآن لا باسمك، ولكن بصفتك وكذا أنا، فانظر في القرآن وابحث عن صفتك بين دفتيه، فإما أن تكون من المحسنين، وإما أن تكون من المتقين، وإما أن تكون من المؤمنين وإما أن تكون من المسلمين وإما أن تكون ممن خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، أو تكون والعياذ بالله من الآخرين الذين ذكر المولى  صفاتهم في كتابه ليحذرنا منها.. قف مع نفسك واعرضها على كتاب الله في صدق وأمانة وأخبرني بعد ذلك.. هل تحتاج إلى طبيب أو علاج؟ كم نفس سامية ستولد من جديد لو كان القرآن منهج حياتنا في رمضان؟!..

 

الرابط المختصر :