; تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم | مجلة المجتمع

العنوان تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-2000

مشاهدات 73

نشر في العدد 1385

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 25-يناير-2000

نحن نعلم أن أذان البغي صماء، وعيون الظلم عمياء، وعقول القهر رعناء، وقلوب الطغاة سوداء، وقرارات الدكتاتوريات هوجاء.

ونعلم أن الديمقراطية في بلادنا كذبة كبيرة، والحريات فرية مضحكة، وحقوق الإنسان خدعة مفضوحة، والدساتير لعبة قذرة، والقوانين سيوف مصلتة، والعدالة سراب وهباء.

ونعرف - كما يعرف الجميع - أن المشهد السياسي في الأمة سيرك عجيب وغريب ومقزز، والسياسات القمعية غير العقلانية أصبحت لا تغطي الفشل الذريع في الإصلاح، ولا تؤدي إلى تجميل الوجه القبيح للسلطة، بل تكرس فشلها، وتزيد من بشاعة محياها، مما كرس الاحتقان والإحباط الشعبي على جميع المستويات والفاعليات. 

إذن فما الدور المطلوب من كل إنسان قبل أن تغرق السفينة، وتحل الكارثة؟ ولا يظنن عاقل أو يحسبن أحد أن يأتي تغيير بدون وقفة ضد هذا الانحدار، أو عمل على مجابهة هذه الكوارث، ولا يتوقع إنسان أو يستشرف بشر أن يأتي الخير من الشر، أو يُخرج الحنظل الشهد، أو يزيح الحق الباطل بدون عزم وتضحيات وجهاد، وها هم يا أخي شباب الأمة الناهض، يدفعون ضريبة الجهاد ضد الظلم، ويرفعون راية الإصلاح في مواجهة الفساد، وينفقون من دمائهم وراحتهم وأعمارهم دفاعًا عن الأمة كل يوم، سجنًا وقهرًا وتشريدًا للأسر، وعذابًا واضطهادًا، فهل يجوز لأحد صاحب ضمير أو نخوة أن يغض الطرف أو يركن إلى القعود، دون أن يناصر أو يدفع أو يعمل مع العاملين لدفع الشر عن الأمة؟

أولًا: نحن نعرف أننا نساق بقرارات أجنبية، ونظلم بأوامر استعمارية، ونُضرب بأيدٍ عربية، وهذا ليس في صالح أحد، لا الضارب ولا المضروب ولا الأمة، فهل يفهم هؤلاء وأولئك قبل أن يأتي الطوفان؟!

ثانيًا: ماذا دهانا كافة؟ وماذا أصابنا كسلطات نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ونؤثر الشر على الخير، والفساد على الإصلاح، والفرقة على الوئام، والخوف على الأمن، والفتن على الأخوة والحب، أليس من الغريب أن ينقلب بعض السلطات إلى عدو، يلفق التهم، ويفتري الأكاذيب، ويعد القضايا ضد بنيه، بل تصل الأمور إلى التحرش والتعذيب لنخبة مثقفة تدير بكفاءة المرافق المهمة في الدولة، ويشهد لها الجميع بالنزاهة والأمانة والفضل، بينما يسرح المفسدون ويمرحون ويتصرفون في مقدرات الأمة بما يفرح العدو ويحزن الصديق، ولا رقيب ولا حسيب؟!

أليس من العجيب أن تسخر الصحف ويسلط الإعلام للتشهير بالأبرياء الذين لا يسعون لمصادمات، ولا يؤيدون العنف، لأنهم أصحاب رسالة تدعو إلى الحب والأخوة، وتعمل لتحقيق الخير والمصلحة العامة، وهم كأصحاب دعوة كريمة يلتزمون الحوار أسلوبًا حضاريًا يعتمد على الكلمة الطيبة، والحوار بالحجة والمنطق، كما يسعون لجمع الكلمة على الخير في أخوة وحب، ويجعلون مصالح البلاد حاضرًا ومستقبلًا نصب أعينهم يعملون لرفعتها ونهضتها، ويسهرون على سلامتها وأمنها، لا يبغون من وراء ذلك جزاءً ولا شكورًا، ولا جاهًا ولا سلطانًا، وهم مع هذا متفتحو العقول مع الجميع، موافقين أو مخالفين في العقيدة والدين، أو التوجه الوطني الإصلاحي، حريصون على بيان موقفهم بالحكمة والموعظة الحسنة، رغم إغلاق الأبواب، والصدود غير المبرر للسماع لهم والحوار معهم؟!

ثالثًا: المعروف أن الدولة في العرف الحضاري والتاريخي والإسلامي مجرد أداة من أدوات الجماعة تنصبها لإقامة العدل ومنع الظلم ودفع العدوان عنها، وبهذا تظل الجماعة هي المستخلفة وهي صاحبة السلطة، تمارس مهمتها من خلال مراقبة الحاكم، ومن خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا أصل كل الولايات كما ذكر فقهاء القانون، وكما حرر ذلك الإمام ابن تيمية - رحمه الله - وهذا يدل على أن الدولة أداة من أدوات الجماعة مكلفة بالرسالة التي أنيطت بها، هذا في المنظور الإسلامي وغيره من مثل المجتمع الذي يقصد به البناء على شرعية الأمة المنظمة تنظيمًا طوعيًا، بحيث لا تكون السلطة فيه قاهرة لا من الناحية الاجتماعية ولا الثقافية، وإنما تقوم على التعاقد وظيفيًا مع الشعب، لأداء مهمة معينة، أو بمعنى آخر هي دولة خدمات، موظفة لدى مجتمعها، والأمة هي السيد على تلك الدولة.

ولا يدري الإنسان العربي المعاصر لدولته الآن تكييفًا قانونيًا، لا إسلاميًا، ولا مدنيًا، حيث إن الأمة في خدمة الحاكم، والعقد الذي بينه وبينها هو عقد على أن تخدمه وتذوب في خدمته، وتعطيه ولا تأخذ منه، وتمنحه عله يرضى، ومع هذا كله لا تتلقى إلا السجن والعنت والبغي والعدوان، ونكران الحقوق والتأله، ثم إذا به بعد ذلك يريد أن يسلخها من هويتها،

ويحول بينها وبين ما بقي لها من تدينها ورضاء ربها.

فأي عدالة، وأي سلطة، وأي أمة، وفي أي عصر تلك؟

يا قومنا تنادوا إلى كلمة سواء على أبواب هذا العصر الجديد، عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة، وأن يأتي بالفتح المبين، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :