; تضليل الرأي العام في عصر العولمة | مجلة المجتمع

العنوان تضليل الرأي العام في عصر العولمة

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1998

مشاهدات 61

نشر في العدد 1289

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 24-فبراير-1998

  • عمليات التشويه المتواصل في الإعلام الغربي للإسلام وقضايا المسلمين تركت آثارها السلبية على جيل بأكمله، وما نعاصره اليوم أكثر تضليلًا.

     لم يكن مؤتمر مدريد قد انعقد بعد، ولم تكن خفايا مفاوضات أوسلو قد كشفت للملأ عندما بدأت وسائل إعلام «عربية» تتخلى عن الثوابت الراسخة في قضية فلسطين، وكأنها تريد إثبات تفوقها في «الهرولة» أو الارتماء على منحدر التسليم، فإذا بالأرض المحتلة عام ٤٨م تتحول من «كيان صهيوني» إلى دولة، وإذا بلفظة «إسرائيل» تفقد الأقواس التي توضع قبلها وبعدها تأكيدًا على عدم الاعتراف بوعد بلفور وقرار التقسيم والقوة غير المشروعة من وراء إيجادها، وإذا بطائفة من أبناء فلسطين بقيت في موطنها تحت الاستعمار الاستيطاني تتحول إلى عرب إسرائيل، كما يسميها «العدو»، واختفت كلمة «العدو» وما يشابهها، وتوالت المقالات التي تبرر خطوات التسليم قبل التفاوض، وتبيع الأرض قبل اختتام المساومات على صفقة بيعها، بين من لا يملكها ولا يملك حق بيعها، ومن اغتصبها ولا يمكن أن يكتسب بالاغتصاب حقًا فيها، هذا علاوة على ابتكار مضامين مضللة جديدة لمصطلحات لا خلاف على حقيقة مضامينها الأصلية، كالشرعية الدولية والسياسية الواقعية وما شابه ذلك.

     لم تكن الأقلام التي جندت نفسها لهذه المهمة أقلام جاهلين بالتاريخ، أو بحقيقة ما تعنيه شرعية القانون الدولي، أو بالسنن الثابتة على صعيد تبدل موازين القوة، ولم تكن أقلام جاهلين بأن بداية الهرولة في النكبة السياسية المعاصرة بعد النكبات العسكرية جاءت في مرحلة وصلت فيها ثورة الانتفاضة إلى ذروتها، وحققت بحجارة الأرض وسواعد أهلها ما عجز عن تحقيقه أدعياء النضال الثوري على اختلاف مشاربهم وألوانهم ومواقعهم من الأرض العربية في نحو أربعين سنة سابقة. 

     ثم سرعان ما انتقلت وسائل الإعلام تلك من مرحلة «تعويد» الرأي العام على الألفاظ الجديدة في قواميس التيارات العربية التي صنعت النكبات من قبل، إلى مرحلة صياغة «فلسفة» التبرير لصناعة النكبة التالية الأكبر خطرًا والأبعد تأثيرًا في تاريخ القضية المصيرية، فتساقطت الثوابت تباعًا، وانتهكت المحرمات علنًا، وتحول التسليم من جريمة إلى هدف ورجاء، وتحولت الشرعية الدولية من أرضية ثابتة لحق الدفاع المشروع من أجل التحرير، إلى أرضية مزيفة لخنق إرادة التحرير.

     إن ما مارسته وسائل الإعلام المعنية وماتزال تمارسه في إطار قضية فلسطين لا يختلف من قريب أو بعيد عما يوصف بعملية غسل الدماغ، إلا أن من يمارسونها عادة يصنعون ذلك مع أفراد في أقبية المخابرات غالبًا، وما هذه فعملية غسيل دماغ يمارسها أدعياء الإعلام نهارًا جهارًا على مستوى الشعوب المهيأة لذلك من خلال حملات التيئيس الفكري والسياسي على مختلف المستويات، ومن خلال شغلها اقتصاديًا واجتماعيًا ببؤس قاهر أو ترف مخدر.

     ومن أركان عملية غسيل الدماغ تلك أن القائمين على تجنيد وسائل الإعلام المعنية يتقنون فن صناعة قناع لـ«حرية الكلمة»، ولإثبات وجود هذه الحرية يمكن تمرير بعض المقالات التي ما يزال أصحابها حريصين على الثوابت في المنطلقات والأهداف، وعلى الوسائل المشروعة لتحقيق تلك الأهداف، وأصحاب محاولات التمرير هم أنفسهم الذين يسدون الأبواب في وسائل الإعلام نفسها أمام حرية الكلمة على صعيد «ثوابت» أخرى، فالزعامات التي تحولت من طريق النضال الثوري إلى طريق التسوية الجائرة لا تتعرض إلى ما تقتضيه حرية الكلمة في مواجهة مسيرتهم. 

     والواقع أن وسائل الإعلام تلك لم تتحول فجأة من وطنية مخلصة إلى وسائل توجه الطعنات إلى القضية المصيرية، وهي القضية الأولى بالمفهوم الوطني والقومي والإسلامي والشرعي الدولي على السواء، إنما بدا الإعداد لهذا التحول عبر ما وجدته وسائلهم من جهود مكثفة متوالية، لتكون تحت سيطرة توجيهية وتمويلية من جانب قوى على استعداد لمثل هذا التحول الخطير، وذلك جنبًا إلى جنب مع الإعداد السياسي للهدف نفسه، والذي بدأ منذ أمد بعيد عندما ارتفع شعار «اللاءات الثلاث» من جهة، وارتفع معها شعار «إزالة آثار العدوان» ليحل مكان هدف التحرير الكامل من جهة أخرى، ثم عندما وجد العمل الفدائي بوجهه القديم وفي هيكل منظمة التحرير الفلسطينية الاعتراف به كممثل شرعي وحيد لشعب فلسطين، ووجدت القضية المصيرية في الوقت نفسه هبوط القرارات العربية بها من قضية إسلامية وعربية مشتركة إلى قضية تخص شعب فلسطين، ثم تخص منظمته تلك فقط، وتلا ذلك توجيه الضربات لذلك «الممثل الشرعي الوحيد» في أكثر من مكان وبصورة تنشر «التيئيس» على أوسع نطاق تمهيدًا للتسليم بدعوى العجز عن سلوك طريق التحرير.

بين التوعية النزيهة والتضليل الباطل:

     إن المثال النموذجي السابق على التعامل الإعلامي مع قضية فلسطين يمكن تطبيقه على مختلف القضايا الأخرى لبيان أساليب التأثير على الرأي العام تأثيرًا قاتلًا لإرادة التحرير والتغيير، وبالتالي لسد أبواب صناعة مستقبل أفضل، لا يمكن أن تصنعه إلا شعوب ذات إرادة حرة وعزيمة راسخة، وبقيادات مخلصة تنشأ عبر الكفاءات الميدانية الحقيقية، وتتمكن من خلال التخطيط القويم والتوجيه السليم من تنمية ما يتوافر من إمكانات، وتوظيفها على الطريق الصحيح. 

     ومن هنا يمكن تأكيد الأهمية الكبرى لوسائل الإعلام القادرة عندما تتوافر عناصر الإخلاص والوعي، وتمارس مهمتها الأصيلة للتوعية النزيهة الهادفة، والقادرة عندما تفتقد تلك العناصر أن تؤدي مهمة التضليل الباطل.

     ولئن كان التدرج في استخدام «مصطلحات» جديدة -كما ورد في المثال المذكور- وسيلة من الوسائل التي يمكن أن يرصدها المتابع العادي فإن من الوسائل المتبعة ما يعرفها العاملون في وسائل الإعلام، ولا تنكشف لسواهم بسهولة، وهذا ما يستدعي «كشف أسرار المهنة» إذا صح التعبير كجزء من واجب التوعية الهادفة إلى الحد من تأثير عملية غسيل الدماغ الجارية في ميادين عديدة، ومن ذلك على سبيل المثال دون الحصر: 

1 - أول ما تعلمه المعاهد المتخصصة في الإعلام لطلابها هو التمييز بين الخبر والرأي، ومن يسمح له موقعه في وسائل الإعلام بالاطلاع على أخبار وكالات الأنباء والمقارنة بينها، ثم بين تلك الأخبار وبين الصياغة التي توضع لنشرات الأخبار، يكشف أساليب التضليل المتبعة، وهو ما يسري على وسائل الإعلام في البلدان الغربية التي تزعم لنفسها حرية الكلمة والتعبير عن الرأي إلى درجة «احتكارية» فنجد على سبيل المثال -ولا نريد الإطالة بذكر الأمثلة- أن معظم الأخبار الواردة عن الضربات المتبادلة المتوالية بين رجال المقاومة في جنوب لبنان، وقوات الاحتلال الإسرائيلي، لا ينقل هكذا مجردًا في نشرات الأخبار، فلا يرد ذكر حزب الله إلا مقترنًا بتعبير «الموالي لإيران» وإن لم يكن ذلك واردًا في الوكالات، ولا يرد ذكر الغارات الإسرائيلية إلا ويقترن بعبارة إضافية تذكر بعملية سابقة لتبرير تلك الغارات، دون صنع ذلك بالمقابل عند نشر خبر عن عملية تقوم بها المقاومة اللبنانية ردًا على غارات إسرائيلية أيضًا.

٢ - ولئن كانت وسائل الإعلام في بلد غربي ديمقراطي تميز -في متابعة القضايا المتعلقة بهذا البلد- تمييزًا دقيقًا بين الخير والتقرير، والتعليق والتحقيق، وغير ذلك من أشكال الإنتاج الإعلامي، بحيث لا تختلط الوقائع بالآراء؛ فإننا لا نكاد نرصد نشرة أخبار في إذاعة عربية، إلا وقد تحولت صياغة الخبر فيها إلى وسيلة لتثبيت رأي معين، هو الرأي المفروض على توجهات حسب نظام الحكم القائم، وما يتبناه من تصورات ومواقف، بل قد يتبدل النظام أو رأس النظام، فتتبدل الصياغة من النقيض إلى النقيض دون أن يتبدل جوهر مهمة التضليل التي تنطوي عليها في الحالين.

 ٣- ومن وسائل التضليل الأبلغ مفعولًا ما لا يلجأ ممارسوه إلى «الكذب الصريح»، ولكن إلى ما يمكن اعتباره ملحقًا بالكذب عندما ينشرون الخبر ناقصاً، ولو نشروه كاملًا لتبدل المعنى المقصود تبدلًا جذريًا، فضلًا عن عملية اختيار أخبار متوافقة مع الإرادة السياسية، وإهمال أخرى قد تتناقض معها جزئيًا أو كليًا.

٤ - والأخطر مما تصنعه الأساليب الإعلامية التقليدية كنشرات الأخبار والندوات والبرامج السياسية، هو ذاك الذي تصنعه أساليب إعلامية أخرى لا تنطبق عليها المواصفات التقليدية المعتادة المشار إليها، ولكنها أعمق تأثيرًا على «المستهلك»؛ لأنها تؤدي المهمة بصورة غير مباشرة، كالبرامج والأفلام الترفيهية في وسائل الإعلام وعبر دور السينما، وكذلك الوسائل الحديثة بدءًا بشبكة العنكبوت الإلكترونية -إنترنيت- وانتهاء بذلك السيل المتدفق من الألعاب المخصصة للأطفال والناشئة على الشاشة الصغيرة.

تعطيل المناعة الذاتية:

     ولقد عرفنا في ديار الغرب أشكالًا شتى لنشر صور مشوهة عن الإسلام والمسلمين وقضاياهم، وترك ذلك تأثيره على جيل بأكمله، وعلى ماهية مواقفه السياسية، ولا نبالغ عندما نقول إن كثيرًا من ذلك يبقى أهون بمفعوله، وأضعف تأثيرًا على المصالح الإسلامية العليا، وعلى صناعة الإنسان المسلم من ذاك الذي تعاصره في الوقت الحاضر عبر بعض الوسائل الإعلامية داخل البلدان الإسلامية، وهي تعطي مكانة الصدارة لقضايا لا مكان لها إطلاقًا أو لا مكان لها سوى زاوية صغيرة للغاية في الإسلام نفسه، كتلك الندوات -أو ما يوصف بالندوات- التليفزيونية المطولة التي جعلت أساطير الشعوذة والسحر وما يتصل بها، وكأنها هي المحور الأول والأخير للإسلام وعقيدته والالتزام به، بل إن بعض الجرائد ذات العنوان الإسلامي دأبت -بصورة تثير الذهول- على تخصيص معظم صفحاتها وعناوينها الرئيسية لمثل تلك القضايا، أو لنشر تحقيقات مطولة لا نكاد نجد ما يشبهها في الغرب إلا فيما يوصف بصحف الشارع أو ببرنامج تليفزيوني مبتذل في منتصف الليل، ومن شأن هذا الأسلوب أن ينشر الاعتقاد الفاسد عن حقيقة الإسلام والتصورات الإسلامية من جهة، وأن ينفر الجاهلين بحقيقته ظنًا بأن تلك الصورة المشوهة هي الإسلام، هذا فضلًا عن إهمال ما لا يجوز إهماله من القضايا الحاسمة في واقع الإسلام والمسلمين لحساب ما يمكن وصفه بالتفاهات.

     إن التشويه بأقلام تحمل أسماء إسلامية وفي وسائل إعلام ذات عناوين إسلامية أشد إثارة للأسى في النفس من ذاك التشويه الذي رصدناه في الغرب، ووجد من يتصدى له تدريجيًا داخل الغرب نفسه، وبأقلام الغربيين في بعض الأحيان.

     والواقع أن ما يوصف بالثورة «المعلوماتية» والثورة التقنية في مضمار وسائل الاتصال ونقل المعلومات وانهيار كثير من الحواجز والسدود في عالم البشرية المعاصر الصغير، ساهم -مع عوامل عديدة أخرى- في إبطال مفعول التشويه السابق، ليس عند الجيل الذي يصنع القرار الآن، وهو المتأثر بحملات التشويه القديمة، ولكن عند الجيل الناشئ في ديار الغرب في الوقت الحاضر، وهذا رغم افتقاد ما كنا نرجوه من روافد إعلامية نزيهة من داخل البلاد الإسلامية، إن من المثير للدهشة والسرور معًا أنه لا يكاد يمضي شهر واحد في مدينة من المدن الغربية إلا ويقبل على الإسلام -اعتناقًا كدين، أو تفهمًا واستيعابًا في إطار تعايش قائم على الاحترام المتبادل- عدد لا بأس به من الشبيبة، بأعمار تتراوح بين سن المراهقة وسن النضوج، وهذا ما يمكن اعتباره السبب الحقيقي لقلق أساطين «الأصولية العلمانية» في الغرب في الوقت الحاضر، وتحذيرهم المتكرر بأن الإسلام يمكن أن يشكل خطرًا مستقبليًا حقيقيًا على الحضارة المادية، وعلى سيطرتها الاستغلالية العالمية الراهنة.

     ولكن هذا المفعول الإيجابي نسبيًا لانهيار الحواجز في عصر العولمة القائم -في الدرجة الأولى- على فعالية الوسائل التقنية والإلكترونية الحديثة لنقل المعلومات من وراء مختلف الحواجز والسدود والقيود- لا نجد مثيله على الأرض الإسلامية، ويبدو أن معظم ما اتبع من وسائل حتى الآن لا يجدي سواء في ذلك أسلوب الحظر المحكوم عليه بالإخفاق، آجلًا أو عاجلًا، أو أسلوب فتح الأبواب دون قيود بدعوى «عالمية الأفكار والقيم» حينًا، ودعوى العجز عن التصدي للفاسد منها حينًا آخر، كذلك قد لا تجدي الجهود المبذولة على صعيد إيجاد «مواقع» تنشط في إيجاد وسائل منافسة، كما هو الحال في ميدان البث التليفزيوني عبر الأقمار الصناعية، أو الشروع في إنتاج محلي «ألعاب إلكترونية» للأطفال والناشئة، أو نشر المعلومات عبر شبكة العنكبوت -إنترنيت- الإلكترونية؛ نظرًا إلى افتقاد تكافؤ القدرات على المنافسة بصورة تعد بالنجاح.

الرابط المختصر :