; كلمات لها صدى | مجلة المجتمع

العنوان كلمات لها صدى

الكاتب محمد البشير الإبراهيمي

تاريخ النشر السبت 09-فبراير-2008

مشاهدات 83

نشر في العدد 1788

نشر في الصفحة 38

السبت 09-فبراير-2008

فلسطين الشهيدة

كتب الشيخ عبد الحميد بن باديس في أغسطس من سنة ١٩٣٦م مقالًا بعنوان «فلسطين الشهيدة»، نشرته مجلة «الشهاب» جاء فيه:

«حمى الإسلام تلك الرحاب من أيامه الأولى وحمى مقدسات جميع الملل، وكف عادية بعضهم على بعض، وعاش اليهود تلك القرون الطويلة ينعمون برحاب العيش وحرية المعتقد واحترام المعاهد.

تزاوج الاستعمار الإنجليزي الغاشم بالصهيونية الشرهة فأنتج لقسم كبير من اليهود الطمع الأعمى الذي أنساهم كل ذلك الجميل، وقذف بهم في فلسطين الآمنة والرحاب المقدسة.. فأحالوها جحيمًا لا يطاق، وجرحوا قلب الإسلام والعرب جرحًا لا يندمل...».

وكتب -رحمه الله- في جريدة «البصائر» سنة ۱۹٣٨م: «المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، وأسرى بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم إليه، وكان معراج محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الملكوت الأعلى منه، هو اليوم بين مسايل الدماء، وأمزاع الأشلاء، وأنقاض النسف والتخريب بالنار والحديد، وإن سكان أرضه من جميع الملل والأجناس الذين عاشوا قرونًا آمنين أصبحوا اليوم -بسبب الاستعمار الإنجليزي الغاشم والمذهب الصهيوني الطامع- في عذاب أليم، وإن إخوانكم الذين يحفظون ذلك الحرم المقدس ويعمرون أرضه ويردون عنه العدوان قد رملت الآلاف من نسائهم، ويُتِمَّ مثلها من أبنائهم وبناتهم، وضاع عجزتهم ومرضاهم، فأكلتهم الفاقة وأهلكتهم الأوصاب وأحاط بهم البلاء من كل جانب.

فلنبادر للقيام بالواجب علينا نحو إخواننا في كل مناسبة تعرض لنا، وإن من أعظم تلك المناسبات وأفضلها ليلة المعراج النبوي الكريم، واليوم الذي يليها، فلنذكر فيها أولئك المنكوبين، نذكرهم بالدعاء لرفع البلاء وبالعطاء لتحصيل القوت والدواء».

تصوير فجيعة فلسطين

منذ بداية نكبتها.. ملكت فلسطين قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.. وحازت اهتمام دعاتها وعلمائها ومجاهديها، ومنهم شعب الجزائر وعلماؤه ودعاته، وفي مقدمتهم العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية «العلماء المسلمين»، وأحد قادة النهضة في العصر الحديث، والعلامة الشيخ البشير الإبراهيمي الذي خلف بن باديس في رئاسة جمعية «العلماء المسلمين» فرغم وقوع الجزائر بين أنياب الاستعمار الفرنسي آنذاك، وانشغال الجزائريين بمقاومته ومجاهدته، إلا أن ذلك لم ينسهم فلسطين، وكتب الشيخ ابن باديس عدة مقالات لنصرة فلسطين، ثم تبعه الشيخ البشير الإبراهيمي بسلسلة من المقالات التي نشرتها جريدة «البصائر» الجزائرية عام ١٩٤٧م... وننشر هنا طرفًا من تلك المقالات علها تكون عزاء ونصرة لأهل فلسطين يوم عز النصير، وعلها تصل إلى عقول وقلوب الذين يهرولون نحو الاستسلام والتفريط في القضية فيتوقفوا ويغيروا وجهتهم الاستسلامية ويتوجهوا نحو الالتفاف حول المقاومة.

نُشرت في العدد (4) من جريدة البصائر، 5 سبتمبر سنة 1947م.

يا فلسطين! إن في قلب كل مسلم جزائري من قضيتك جروحًا دامية، وفي جفن كل مسلم جزائري من محنتك عبرات هامية، وعلى لسان كل مسلم جزائري في حقك كلمة مترددة هي: فلسطين قطعة من وطني الإسلامي الكبير قبل أن تكون قطعة من وطني العربي الصغير، وفي عنق كل مسلم جزائري لك -يا فلسطين- حق واجب الأداء، وذمام متأكد الرعاية، فإن فرط في جنبك، أو أضاع بعض حقك، فما الذنب ذنبه، وإنما هو ذنب الاستعمار الذي يحول بين المرء وأخيه، والمرء وداره، والمسلم وقبلته.

يا فلسطين! إذا كان حب الأوطان من أثر الهواء والتراب، والمآرب التي يقضيها الشباب، فإن هوى المسلم لك أن فيك أولى القبلتين، وأن فيك المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، وأنك كنت نهاية المرحلة الأرضية، وبداية المرحلة السماوية، من تلك الرحلة الواصلة بين السماء والأرض صعودًا، بعد رحلة آدم الواصلة بينهما هبوطًا، وإليك ترامت همم الفاتحين، وترامت الأينق الذلل بالفاتحين، تحمل الهدى والسلام، وشرائع الإسلام، وتنقل النبوة العامة إلى أرض النبوات الخاصة، وثمار الوحي الجديد إلى منابت الوحي القديم، وتكشف عن الحقيقة التي كانت قد وقفت عند تبوك بقيادة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ثم وقفت عند مؤتة بقيادة زيد ابن حارثة، فكانت الغزوتان تحويمًا من الإسلام عليك، وكانت الثالثة وردًا، وكانت النتيجة أن الإسلام طهرك من رجس الرومان، كما طهر أطراف الجزيرة قبلك من رجس الأوثان.

داست حماك سنابك الخيول البابلية، وجاست خلال الديار، وسبي بنوك «أسلاف الصهيونيين»، فلم ينتصر لك ولا لهم أحد، لولا أن مَنَّ عليهم الفاتحون المسلمون.

وإن المن لأنك أعز على الحر من الاسترقاق، ثم غزاك الرومان، وأذلوا بنيك واشتفوا منهم إثخانًا في القتل وانتقامًا -زعموا- من جريرة الصلب، وما ظلمت يا فلسطين، ولكن بنيك جروا عليك الجرائر، وما كنت لتفلتي من براثن الرومان لولا أن انتصف الله لك من عدوك بالإسلام والعرب، فنصروك وطهروك وبلوا الرحم الإبراهيمية ببلالها، ووفوا لأبناء العمومة بحق القربي والجوار، وأصبحت من ذلك الحين ملكًا ثابتًا للإسلام، وإرثًا مستحقًّا من موسى لمحمد عليهما السلام، ومن التوراة للقرآن، ومن إسحاق لإسماعيل.

يا فلسطين! ملكك الإسلام بالسيف ولكنه ما ساسك ولا ساس بنيك بالحيف، فما بال هذه الطائفة الصهيونية اليوم تنكر الحق، وتتجاهل الحقيقة، وتجحد الفضل، وتكفر النعمة، فتزاحم العربي الوارث باستحقاق عن موارد الرزق فيك، ثم تغلو فتزعم أنه لا شرب له من ذلك المورد!

ما بال هذه الطائفة تدعي ما ليس لها بحق، وتطوي عشرات القرون لتصل -بسفاهتها- وعد موسى بوعد «بلفور»؟ وإن بينهما لمدًّا وجزرًا من الأحداث وجذبًا ودفعًا من الفاتحين.

ما بالها تدعي إرثًا لم يدفع عنه أسلافها غارة بابل ولا غزو الرومان، ولا عادية الصليبيين؟ وإنما يستحق التراث مَن دافع عنه وحامي دونه، وما دافع بابل إلا انحسار الموجة البابلية بعد أن بلغت مداها، وما دافع الرومان إلا عمر والعرب وأبطال اليرموك وأجنادين، وما دافع الصليب وحامليه إلا صلاح الدين وفوارس «حطين».

إن العرب على الخصوص، والمسلمين على العموم، حرروا فلسطين مرتين في التاريخ، ودفعوا عنها الغارات المجتاحة مرات، وانتظم ملكهم إياها ثلاثة عشر قرنًا.

وعاش فيها بنو إسرائيل تحت راية الإسلام وفي ظل حمايته آمنين على أرواحهم، وأبدانهم، وأعراضهم، وأموالهم, وعلى دينهم، ومن المحال أن يحيف المسلم الذي يؤمن بموسى على قوم موسى.

ما أشبه الصهيونيين بأولهم في الاحتياط للحياة، أولئك لم يقنعوا بوعد الله، فقالوا : ﴿يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ (سورة المائدة آية: 22)، وهؤلاء لم يثقوا بوعد بلفور حتى ضمنت لهم بريطانيا أن يكونوا في ظل حرابها، وتحت حماية مدافعها وقوانينها، وبكل ذلك استطاعوا أن يدخلوا مهاجرين ثم يصبحوا سادة مالكين، ودع عنك حديث الإرهاب فما هو إلا سراب.

ولو أن السيوف الإنجليزية أغمدت، والذهب الصهيوني رجع إلى مكانه، وعرضت القضية على مجلس عدل وعقل لا يستهويه بريق الذهب، ولا يرهبه بريق السيوف، لقال القانون: إن ثلاثة عشر قرنًا كافية للتملك بحق الحيازة، وقال الدين: إن أحق الناس بمدافن الأنبياء هم الذين يؤمنون بجميع الأنبياء، وقال التاريخ: إن العرب لم ينزعوا فلسطين من اليهود، ولم يهدموا لهم فيها دولة قائمة، ولا ثلوا لهم عرشًا مرفوعًا، وإنما انتزعوها من الرومان، فهم أحق بها من كل إنسان.

إن الصهيونية -فيما بلونًا من ظاهر أمرها وباطنه- نظام يقوم على الحاخام والصيرفي والتاجر، ويتسلح بالتوراة والبنك والمصنع، وغايتها جمع طائفة قدر لها أن تعيش أوزاعًا بلا وازع، وقدر لها أن تعيش بلا وطن، ولكن جميع الأوطان لها، فجاءت الصهيونية تحاول جمعها في وطن تسميه قولًا فلسطين، ثم تفسره فعلًا بجزيرة العرب كلها، فهو في حقيقته استعمار من طراز جديد في أسلوبه ودواعيه وحججه، وغاياته، يجتمع مع الاستعمار المعروف في أشياء، وتفرق بينهما فوارق، منها أن الصهيونية تعتمد قبل كل شيء على الذهب، تشتري به الضمائر والأرض والسلاح، وتشتري به السكوت والنطق، وتشتري به الحكومات والشعوب، تعتمد عليه وعلى الحيلة والمكر والتباكي والتصاغر في حينه، وعلى التنمر والإرهاب في فرصته.

إن فلسطين أرض عربية؛ لأنها قطعة من جزيرة العرب، وموطن عريق السلائل من العرب، استقر فيها العرب أكثر مما استقر اليهود، وتمكن فيها الإسلام أكثر مما تمكنت اليهودية، وغلب عليها القرآن أكثر مما غلبت التوراة، وسادت فيها العربية أكثر مما سادت فيها العبرية، وما الانتداب الإنجليزي إلا باطل، ليس من مصلحة العرب ولا من مصلحة اليهود، وما الوطن القومي إلا خيال جسمته الأحلام الدينية، والمطامع المادية، وما منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن ولجنة التحقيق إلا تعلات لا تسكت ولا تسكن، وما استمرار الهجرة إلا مد للحمأة وتأريث للنار، ومن ضاقت به رحاب الدنيا لا تسعه فلسطين، ومن لفظته حواشي الأرض لا تستقر به فلسطين، أما حديث التشريد والمشردين من اليهود فهو مشترك إلزام في القضية، وما أكثر المشردين في الأمم الإسلامية، بل ما أكثر المشردين من العرب، فإذا أخذنا الرحمة بالمشردين قاعدة كان أحق الناس بها مشردي العرب الذين لا يفصلهم عنها بحر، ولا يقال في هجرتهم إليها إنها شرعية أو بدعية كما يُقال في هجرة اليهود، وما ظلمت كلمة الشرع بأفحش من نسبة الحيل إليها عند بعض فقهائها، من نسبة الهجرة اليهودية إليها عند فقهاء الاستعمار.

أيظن الظانون أن الجزائر بعراقتها في الإسلام والعروبة تنسى فلسطين، أو تضعها في غير منزلتها التي وضعها الإسلام من نفسها؟! لا والله، ويأبى لها ذلك شرف الإسلام، ومجد العروبة، ووشائج القربى، ولكن الاستعمار الذي عقد العقدة لمصلحته، وأبي حلها لمصلحته، وقايض بفلسطين لمصلحته، هو الذي يباعد بين أجزاء الإسلام لئلا تلتئم، ويقطع أوصال العروبة كيلا تلتحم، وهيهات هيهات لما يروم.

إن بين دول الاستعمار علائق ماسة، وإنهن يتباعدن ما دام خيال الشرق وبنوه والإسلام وأممه بعيدًا، فإذا لاح ذلك الخيال حنت من الاستعمار الدماء، وتعاطفت الأرحام، وتنوسيت الأحقاد، فهلا فعلنا مثل ما فعلوا؟

أيها العرب إن قضية فلسطين محنة امتحن الله بها ضمائركم وهممكم وأموالكم ووحدتكم، وليست فلسطين لعرب فلسطين وحدهم، وإنما هي للعرب كلهم، وليست حقوق العرب فيها تنال بأنها حق في نفسها، وليست تنال بالهوينى والضعف، وليست تنال بالشعريات والخطابيات، وإنما تنال بالتصميم والحزم والاتحاد والقوة.

إن الصهيونية وأنصارها مصممون، فقابلوا التصميم بتصميم أقوى منه وقابلوا الاتحاد باتحاد أمتن منه.

وكونوا حائطًا لا صدع فيه

                        وصفًّا لا يُرقَّع بالكُسالى

 

الرابط المختصر :