العنوان تصدق بالابتسامة «٢ من ٢»
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-مارس-1996
مشاهدات 67
نشر في العدد 1192
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 19-مارس-1996
ذكرنا في الحلقة الماضية أن أول أنواع الابتسامات هو «الابتسامة الشعورية» وأن هذا النوع من الابتسامات نابع من الشعور بالفرح والسعادة من قلب مليء بالخير،خال من الحسد، لا يتمنى إلا الخير للآخرين، والابتسامة الشعورية أقسام:
1- الخارجة من القلب عند لقيا الناس:
كما ذكرنا آنفًا في بداية حديثنا عن الابتسامة الشعورية، ولذلك نجد الرسول صلى الله عليه وسلم تتجلى فيه هذه الابتسامة، فهذا الصحابي الجليل "عبد الله بن الحرث" يقول: «ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم»«۱». كذلك ما نقل عنه الصحابي الجليل "جرير بن عبد الله البجلي": «ما حجبني "النبي"- صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي»«۲».
وهذا النوع من الابتسامة الشعورية أكثر الأنواع تأثيرًا في الآخرين لإحساس المقابل بأنها نابعة من القلب من غير أية مصلحة ترجی.
٢- الخارجة من القلب عند رؤية ما يضحك:
وهي أيضًا خارجة من القلب عند رؤية أو سماع ما يضحك، وواضح هذا النوع في حديث عروة عن "عائشة"- رضي الله عنها- «أن "رفاعة القرظي" طلق امرأته فبت طلاقها، فتزوجها بعده "عبد الرحمن" ابن "الزبير"، فجاءت "النبي" - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إنها كانت عند رفاعة فطلقها ثلاث تطليقات، فتزوجها بعده "عبد الرحمن بن الزبير"، وإنه والله ما معه يا رسول الله إلا مثل هذه الهدبة - لهدبة أخذتها من جلبابها- قال: و"أبو بكر" جالس عند "النبي"- صلى الله عليه وسلم – و"ابن سعيد بن العاص" جالس بباب الحجرة ليؤذن له، فطفق "خالد" ينادي "أبا بكر": يا "أبا بكر"، ألا تزجر هذه عما تجهر به عند "رسول الله" - صلى الله عليه وسلم؟ وما يزيد "رسول الله" - صلى الله عليه وسلم - على التبسم، ثم قال: لعلك تريدين أن ترجعي إلى "رفاعة"؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك»«۳».
ومن هذا النوع أيضًا ضحكه - صلى الله عليه وسلم - عندما ابتدرت النساء اللاتي كن عنده الحجاب عندما رأين "عمرًا"- رضي الله عنه - وذلك فيما رواه "البخاري" عن "محمد بن سعد" عن أبيه قال: «استأذن "عمر بن الخطاب" - رضي الله عنه- على "رسول الله" - صلى الله عليه وسلم، وعنده نسوة من قريش يسألنه ويستكثرنه عالية أصواتهن على صوته، فلما استأذن "عمر" تبادرن الحجاب، فأذن له "النبي"- صلى الله عليه وسلم، فدخل و"النبي" - صلى الله عليه وسلم - يضحك، فقال: أضحك الله سنك يا "رسول الله"، بأبي أنت وأمي! فقال: عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي، لما سمعن صوتك تبادرن الحجاب، فقال: أنت أحق أن يهبن يا "رسول الله"، ثم أقبل عليهن، فقال: يا عدوات أنفسهن، أتهبنني ولم تهبن "رسول الله" - صلى الله عليه وسلم؟! فقلن: إنك أفظ وأغلظ من "رسول الله"- صلى الله عليه وسلم، قال "رسول الله"- صلى الله عليه وسلم-: إيه يابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا إلا سلك فجًّا غير فجك»«٤».
ويدخل من ضمنها أيضًا ما سمعه المرء من النكت والحكايات المضحكة.
٣- التبليغ بالأخبار السارة:
ويصحب هذا النوع من الابتسامات أحيانًا البكاء لشدة الفرح، كما حدث "لأبي بكر"- رضي الله عنه- عندما أخبره "الرسول"- صلى الله عليه وسلم - بالتكليف بالهجرة وبأنه اختاره صاحبًا له.
ومن ناحية تعابير الوجه فإن الابتسامة الشعورية تنقسم إلى ثلاثة أقسام كما بينها الباحثان البريطانيان «كريستوفر برانیخان» و«دفيد همفرين»، وهي:
أ- الابتسامة البسيطة: وتحصل عندما يتحول الفم بحركته إلى الأعلى وتبقى الشفتان مغلقتين، وتدل هذه الابتسامة على السرور الخاص؛ لأنها تبدو على وجه الشخص عندما يبتسم لنفسه.
ب- الابتسامة العليا:
تظهر معها الأسنان العليا، وهي الابتسامة الشائعة والمعروفة أثناء تحية الناس بعضهم لبعض، وعادة يرافق هذه الابتسامة اتصال متبادل بالعيون في نفس الوقت.
جـ- الابتسامة العريضة:
تعرض وتبين مجموعتي الأسنان العليا والسفلى، وعادة تزداد هذه الابتسامة وتصبح أعرض أكثر فأكثر حتى تتحول إلى ضحك«5».
ثانيًا: الابتسامة الحزينة:
يقول البرفيسور "إيكمان": «تحصل عندما يدرك الشخص هزيمة أو حزن ويجريها الشخص أمام الآخرين»«٦».
وواضح هذا النوع في ابتسامة "الرسول" - صلى الله عليه وسلم-عند مقابلة كعب بن مالك أحد الثلاثة الذين خلفوا عن معركة تبوك، حيث يقول "كعب" واصفًا تلك الابتسامة: «جئت فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال لي: تعال، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال: ما خلفك؟»«۷».
هذه الابتسامة إنما تخرج من قلب حزين أو محبط، أو خذلان ممن يثق به ويحبه.
ثالثًا: الابتسامة غير الحقيقية:
وهي المصطنعة التي يقوم بها المرء إما اتقاء لشر من يبتسم له، أو حتى يكسبه كزبون لمؤسسته أو بضاعته، لذلك نشاهد من هذا النوع الكثير عند باعة المحلات ومدراء المبيعات؛ لأن ذلك جزء مهم من عمله، في اليابان يحتم أرباب العمل على عمالهم الابتسامة لكل زائر أو زبون.
ابتسامات ابن القيم:
وللابتسامة عند ابن القيم تقسيم آخر ذكره في "زاد المعاد"، وهو:
١- مما يضحك منه ويتعجب منه ويستغرب.
2- ضحك الفرح، وهو أن يرى ما يسره.
3- ضحك الغضب، وهو كثيرًا ما يعتري الغضبان إذا اشتد غضبه، وسببه تعجب الغضبان مما أورد عليه الغضب، وشعور نفسه بالقدرة على خصمه، وأنه في قبضته.
4- عند ملكة نفسه عند الغضب، وإعراضه عمن أغضبه وعدم اكتراثه به«۸».
تمييز الابتسامات
مر معنا أنواع الابتسامات، فمنها ما يكتشف بسرعة، وخاصة ابتسامة الباعة، ومنها ما يصعب اكتشافه، ويحتاج إلى فراسة وخبرة يطلعنا عليها صاحب كتاب «شخصية جليسك» حيث يقول: «كيف تستطيع أن تميز الابتسامة المزيفة؟
الدليل الأكبر هما العينان اللتان تضيقان وتتجعدان إلى الأعلى عندما تأتي الابتسامة من القلب، وتبقي العينان غير متأثرتين عندما يخفي الشخص مشاعر سلبية، وهكذا يتم النظر إلى العينين وإلى خطوط الابتسامة وتعبيراتها، ثم يتم النظر بتمعن إلى الفم، فالشفة العليا ترتفع بشكل مبالغ فيه بينما الشفة السفلى تبدو مربعة دون أن يتحرك الفك، عندما يتظاهر الناس بالابتسامة أثناء التصوير فإنهم على الأغلب يبتسمون ابتسامة مزيفة وخاصة إذا كانوا لا يريدون أن يأخذوا صورتهم في البداية.
الدكتور «إيوان غرانت» من جامعة "برمنغام" يصف ابتسامة مزيفة أخرى وفيها يصف شكل الفم عندما تنسحب الشفتان إلى الخلف بشكل كامل تظهر هذه الابتسامة عندما يتظاهر الشخص بأنه مسرور، أو عندما يكون في موقف اجتماعي مجبر عليه، معظم الناس يستطيعون تفحص الاختلاف بين التعبير الوجهي المبهج الواضح عن سواه من التعابير، الفكرة القديمة القائلة بأنك يجب أن تحاول أن تبدو سعيدًا عندما تنقل أخبارًا سيئة لا تفيد؛ لأن الأخصائيين النفسانيين وجدوا أنه في مثل هذه المواقف الناس يتجاهلون لغة الجسم ويركزون على ما يقال.
الابتسامة المزيفة نادرًا ما تضلل الناس مدة طويلة لأنها تعطي إحساسًا للنظار بعدم الارتياح حيث لا يستطيع أن يحلل رد فعله على تلك الابتسامة، ولكنه بالغريزة يعرف أن هناك شيئًا ليس على ما يرام، لا يستطيع الدماغ أن يسيطر على العضلات التي حول العينين والتي نستخدمها أثناء الابتسامة الحقيقية حيث لا يمكن إظهار الابتسامة المزيفة على أنها ابتسامة حقيقية، وبذلك نجد أن الشفتين فقط هما اللتان تكذبان«۹».
للابتسامة ثمار يانعة كثيرة قد تفوق ما سنتناوله، إلا أنها تمس في كثير من جوانبها ناحيتين مهمتين، وهما الناحية الدعوية، والناحية الصحية، وأهم هذه الثمار ما يلي:
۱- لون من ألوان الصدقات:
وهي كما ذكرنا من قبل عملية إعطاء من النفس للآخرين، ولون هذا العطاء هو الخير، وكما أن الصدقات العينية تضفي السعادة والفرح على المعطين والمعطى إليه، كذلك هي الصدقة المعنوية، والتي على رأسها «الابتسامة» تسبب هذا الأثر الإيجابي في نفس الاثنين، ويؤجر صاحبها كما جاء في الحديث«۱۰» أجر المتصدقين.
۲- اتقاء الأشرار:
ولأنها تحدث ذلك الأثر الإيجابي العظيم في نفوس الآخرين، فهي تسبب كسر نسبة الشر في نفسية الشرير، مما ينتج عنه في كثير من الأحيان السلامة من شره بإذن الله بسبب هذا السلاح الذى لا يتقن استخدامه الكثير من الدعاة، وهو ليس كما يظن البعض لون من ألوان المداهنة والنفاق؛ لأنه لا يريد من يمارسه شيئًا من طمع الدنيا من صاحب الشر، بل يريد التخلص من شره، كما كان يقول أحد الصالحين: «إنا لنكشر في وجوه قوم وإن قلوبنا لتلعنهم».
٣- كسب الآخرين ومحبتهم:
فالمبتسم محبوب من الجميع، وهو أقدر على كسب الآخرين، خاصة إذا ملك مع هذه الصفة فنون الكسب الأخرى، والذين يملكون صفة الابتسامة يعرفون القاعدة التي تقول: «كسب القلوب مقدم على كسب المواقف»«۱۱» فيقدمون الابتسامة على الكلام، فتكون خير رسول للتعارف.
٤- زيادة أواصر الأخوة:
لا شك أن النفس ميالة بطبعها إلى من يبش لها، وتنفر من العبوس المتجهم الوجه، وأفضل الإخوان وأحبهم للنفس هو ذلك الذي يكثر من الابتسامة كلما لقي إخوانه، فهي من أقوى الوسائل لتقوية الصلة بين الإخوان.
٥- تقوية العلاقة الزوجية:
الحياة الزوجية الخالية من الابتسامة حياة جافة، العلاقة فيها بين طرفيها أقرب إلى العلاقات الرسمية، والعاطفة فيها فاترة؛ بينما نجد الحياة الزوجية المليئة بالابتسامات المتبادلة تعج بالحياة والحيوية، وقوة الروابط بين أفرادها، كما أن السمة الغالبة عليها هي التفاهم والتجانس والإنتاجية من الجميع، وسرعة الحل لأية مشكلة تعترض هذه الحياة؛ ذلك لوجود الاستعداد الدائم للتنازل والتفاهم لتوفر ذلك الجو السابق بالمحبة والعاطفة.
٦- الناحية النفسية والصحية:
يقول العالم النفساني «روبرت زاجونك»: إن جريان الدم أثناء الحزن والغضب لا يمنع وصول الأكسجين إلى الدماغ فحسب، إنما أيضًا يولد عدم توازن كيماوي من خلال منع وصول رسائل هرمونية حيوية. إن أدمغتنا تتذكر أن الابتسام يترافق مع كوننا سعداء.. وإن الضحك أو الابتسام يجعل الدماغ يتحرر من الكآبة ويتحول إلى السعادة»«۱۲».
________________________________
هوامش
«1» رواه "أحمد" في مسنده 4/ 190.
«2» "البخاري"«الفتح ٦٠٩٠».
«3»«4» "البخاري" «الفتح ٦٠٨٥».
«5»«6» شخصية جليسك: ص: 75، 77.
«7» "البخاري" «الفتح ٤٤١٨».
«8» زاد المعاد: 1/ 183 بتصريف.
«9» شخصية جليسك: ٧٩.
«10» "البخاري" في الأدب، و"الترمذي وابن حبان" «صحيح الجامع الصغير ۲۹۰۸».
«11» ذكرها "عبد البديع صقر" في كتابه: كيف ندعو الناس؟
«12» شخصية جليسك: ٧١.
______________________________
جنة قبل الجنة
قال شيخ الإسلام "ابن تيمية": «إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة».
تلك الجنة هي محبة الله عز وجل ومعرفته ودوام ذكره على كل حال.
وإفراده ليس بالعبادة فحسب بل بالحب والخوف والتوكل والرجاء، بحيث يصبح جل وعلا وحده المستولي على هموم العبد وعزماته وإرادته، ومتى ما أصبح العبد كذلك فقد حظي بجنة الدنيا والنعيم الذي لا يشبهه نعيم أبدًا.
قال أحد السلف: «لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف».
وذلك في لذة قيام الليل ولقائه عز وجل لعباده فيه، فما بالك أخي المسلم فيمن داوم على ذكر الله وعظمت محبته في قلبه وعرفه تمام المعرفة.
قال أحد السلف: «مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله عز وجل ومعرفته وذكره».
حين ذاك فإن الله جل وعلا يشهد عباده جنته قبل لقائه ويفتح لهم من أبوابها في دار العمل قبل دار الحساب فيأتيهم من روحها ونسيمها وطيبها ليكون دافعًا لهم في الاستزادة من الصالحات.
قال أحد السلف في ذلك: «إنه لتمر بي أوقات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش رغيد».
ذلك الحب وتلك المعرفة والمداومة على الذكر تجسدت لنا جلية حين سجن ابن تيمية شيخ الإسلام فقال مرة: «ما يصنع أعدائي بي؟ إن جنتي وبستاني في صدري، أينما رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة».
ضرب لنا هذا المثل قبل مئات السنين من عصرنا هذا.. حتى أنه اعتبر ابتلاءه بكثرة السجن نعمة عليه فقال: «لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة».
وكان رحمه الله يكثر في سجوده من قول:«اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ما شاء الله».
اعتبر ذلك نعمة عظيمة حينما استشعر لذة ذكر الله ومحبته فتغلب ذلك الشعور على ما يشعر به من وحدة في السجن؛ لأنه هناك انفرد بمحبوبه وتفرغ له، وكيف لا يسعد من انفرد بحبيبه بعيدًا عن مشاغل هذه الدار الفانية وأهوائها وهمومها؟!
حتى أنه قال رحمه الله: «المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه».
وقال حينما أدخل قلعة السجن: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ (الحديد: 13).
فمن لنا بعد ذلك بمثل هذا الشموخ الإيماني؟! ومن يضيع بعد ذلك هذه الجنة فقد يخسر جنة الآخرة.
نورة الفهد
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل