العنوان تصاعد العنف العنصري ضد المسلمين والسود في بريطانيا
الكاتب هشام العوضي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يوليو-1994
مشاهدات 90
نشر في العدد 1109
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 26-يوليو-1994
· ألف شخص يتعرضون سنويًّا لاعتداءات عنصرية في
بريطانيا.. وواحد فقط من أصل كل 16 شخصًا يذهب لإبلاغ الشرطة
لندن: هشام العوضي
إذا حدث وتجولت في شوارع بريطانيا، ودخلت بعض مدنها التي تسكنها أغلبية
مسلمة أو آسيوية أو سوداء فستقرأ بعضًا من هذه الشعارات العنصرية على الكثير من
الجدران «اخرجوا من هنا أيها السود»... «لا للآسيويين، نعم لبريطانيا نظيفة
وبيضاء» وستسمع إلى العديد من القصص الواقعية القريبة جدًّا من الخيال، ففي سبتمبر
الماضي - لم يمهل ثمانية من الإنجليز «البيض» الشاب - البنغالي «قدوس علي» 17 سنه
فرصة لإكمال دراسته الثانوية، أو حتى مجرد الدفاع عن نفسه عندما انهالوا عليه
ركلًا بالأقدام، وأودوا به إلى قسم الإنعاش بعد إصابته بارتجاج حاد في المخ، و«قدوس»
حاليًّا إنسان آخر تمامًا، فإضافة إلى أنه لا يستطيع الحراك مطلقًا دون جهاز خاص
يستند إليه، ولا يقدر على الكلام إلا بصعوبة، ولا يستطيع تثبيت عينيه التي تهتز
بسرعة شديدة بين مقلتيه، فقد تغيرت معاملته مع الآخرين وخاصة أمه وتحول من ذلك
الشاب الوديع الذي كان الجميع يلاطفه إلى إنسان آخر شبه يائس لا يقوى على أن يقول
سوى: إنني أكره البيض فهم الذين صنعوا بي هذا، وسأنتقم منهم يومًا، «كان لدي أصحاب
بيض في المدرسة غير أن أحدًا منهم لم يزرني يوم كنت طريح الفراش بين الحياة
والموت».
وفي فبراير الماضي عَمَدَ ما يقرب من عشرين إلى ثلاثين مسلحًا من جماعة
«حليقي الرؤوس» إلى الشاب «مختار أحمد» 19 سنة وانهالوا على رأسه ضربًا وطعنًا
بالسكاكين حتى أوصلوه إلى حافة الموت ولا يزال «أحمد» يرقد في المستشفى إلى الآن.
وفي فروة رأسه ووجهه آثار المخيط من الجروح.
هاتان قصتان من أصل أربع عشرة قصة مسجلة في أقسام البوليس وأجهزة الأمن لحالات
قتل واعتداء بسبب من دين أو لون وهناك قصص أخرى لم يجرؤ ضحاياها على البوح بها
مخافة الإيذاء، وتعتبر بريطانيا الدولة الأوروبية الثانية بعد ألمانيا في قائمة
الدول المتورطة في الجرائم العنصرية، فقد أفاد تقرير حديث صادر عن لجنة الاعتداءات
العنصرية المشكلة من قبل مجلس العموم بازدياد ظاهرة العنصرية بنسبة «78%» في
الأعوام القليلة الماضية وتقول الإحصائيات بأن الأربعة آلاف حالة التي سجلتها
اللجنة عام 1988م قد ارتفعت إلى 14 ألف حالة عام 1992م، أما إحصائية الجرائم
البريطانية «بند الاعتداءات العنصرية» فأوضحت بأن 140 ألف شخص يتعرضون في العام
الواحد لاعتداءات عنصرية، وواحد فقط من أصل 16 حالة يذهب لإبلاغ الشرطة بذلك.
تاتشر رسخت مفهوم الفردية
بعض المنظرين في بريطانيا يعتبر بأن التسامح بين الأديان، وقبول العناصر
والألوان المختلفة، واحترام أجناس البشر كافة ركائز أساسية يستند عليها الإنجليز،
وقد أتت الثورة الاجتماعية في الستينيات لتعلن عن تكوين مؤسسات المساواة العنصرية،
ونبذ التفرقة على أساس اللون أو الجنس حتى تركيبة الطبقة الاجتماعية تغيرت على أثر
الثورة الصناعية، وصار هناك أفارقة من الطبقة الوسطى، وآسيويون من أصحاب الملايين،
فما مشكلة العنصرية في بريطانيا إذن؟ وما منبعها الحقيقي؟
هناك تياران للإجابة على هذا السؤال: تيار يقول إن العنصرية انتهت منذ زمن
بعيد في أعقاب الفترة الاستعمارية ولكنها عادت بقوة على إثر فوز الحزب اليميني
المتطرف «BNP» البريطاني- والذي حصل على بعض
الأصوات في مدن تقطنها أغلبية مسلمة، وبسقوط الاتحاد السوفيتي الذي قوى من النزعات
الانفصالية والعنصرية والقومية في بلدان أوروبا، إلى تدني الوضع الاقتصادي وازدياد
نسب البطالة وتدفق المهاجرين على إثر القلاقل السياسية والأزمات الاقتصادية في بعض
بلدان آسيا وأفريقيا.
وتيار آخر يرى بأن العنصرية لم تكن غائبة حتى تعود، فهي متجذرة في العقلية
والثقافة الأوروبية، ولكنها تمر بمراحل دورية تقوى وتضعف بحسب الأجواء العامة، فقد
كانت مرحلة الستينيات مرحلة ثورة على الظلم والاستغلال في مقابل العدل الاجتماعي
وتوزيع الثروات، أما مرحلة الثمانينيات وهي المرحلة التاتشرية، فقد كانت مرحلة
الاستهلاك والتنافس في الإنتاج، وقمة الرأسمالية والفردية كل هذه العوامل اجتمعت
ووفرت فرص النجاح لحزب "BNP"
العنصري وغيره.
نص القانون.. أم روح التطبيق؟
هناك مناوشات جارية في البرلمان البريطاني بشأن النظر في إمكانية وضع
عقوبات أشد على مرتكبي الجرائم العنصرية خاصة، وقد تبين أن مجرد مطالبة الجاني
بدفع غرامة أو تعويض مادي للمجني عليه لا يضع حدًّا للمشكلة العنصرية إضافة إلى أن
المجني عليه يريد -كأي إنسان- تطمينًا مبدئيًّا بأن ما حدث له لن يحدث مستقبلًا
لأطفاله، وهناك رأي عام في أن هذه القوانين غير عادلة «فقد يرفع «الأسود» على
«الأبيض» قضية ويكسبها في المحكمة، ولكنه- أي الأسود- يريد كسب قضية العنصرية خارج
المحكمة كذلك.
وهناك رأي ثالث يقول إن القوانين موجودة وكافية ولكن المشكلة في تطبيق
القضاة والشرطة لها، فهناك شواهد عدة على ثبوت التهم على بعض مجرمي الاعتداءات
العنصرية، ومع ذلك كان القضاة يخففون الأحكام أو يقضون بالبراءة، الأمر الذي شجع
على المزيد من طبيعة هذه الجرائم.
أما الشرطة فلا تقوم بدورها كما ينبغي، مع أن بعض الأقسام توكل إلى شرطتها
«البيات» في بيوت بعض الأجانب أو «غير البيض» لمدة قصيرة كنوع من الحماية، ومع أن
الشرطة نفسها قد تعرضت للاعتداء في سياق ذلك إلا أن هذا لم يغير أيضًا من مجريات
الأمور.. ويعزو البعض ازدیاد وتيرة العنصرية في بريطانيا إلى نجاح الأفارقة
والآسيويين والأجانب عامة في دراساتهم الأكاديمية، واحتلالهم لأرفع المناصب في
الوقت الذي تزداد فيه البطالة «البيضاء»، بسبب الكسل، أو الفشل في البحث عن عمل
مناسب.
ويشعر عدد قليل من الناس بتفاؤل من مستقبل العنصرية في بريطانيا إذ إنه يرى
الظاهرة هنا أقل سوءًا من بعض الدول كفرنسا وألمانيا حيث إن حزب "BNP"
أقل تأثيرًا.. من حزب جان لوبين المتطرف في فرنسا، أو أخف وطأة من فاشية إيطاليا
«الراديكالية»، أما السير «إيفان لورانس»- وهو رئيس لجنة الاعتداءات العنصرية–
فيرى المستقبل غامضًا ويوصي بما يلي:
1- تشديد العقوبات على مرتكبي الجرائم العنصرية.
2-
إعطاء الشرطة المزيد من
الصلاحيات لمواجهة مجرمي العنصرية.
3-
وضع عقوبات أخرى غير
مجرد دفع الغرامة.
والسؤال هو: هل تستطيع هذه القوانين- مهما كانت قاسية وعنيفة- أن تجتث العنصرية من عقلية الإنجليز من جذورها؟