العنوان تشويه التاريخ أخطر من العجز عن المواجهة
الكاتب محمد جمال عرفه
تاريخ النشر السبت 14-ديسمبر-2002
مشاهدات 85
نشر في العدد 1531
نشر في الصفحة 44
السبت 14-ديسمبر-2002
أزمة «فارس بلا جواد» تفضح خلل الدعاية الإعلامية العربية أمام الآلة الصهيونية
انتهت أزمة المسلسل الدرامي المصري فارس بلا جواد بعد أن أثيرت حوله ضجة كبيرة داخل مصر والعالم العربي، انتهى عرض المسلسل مؤخرًا دون أن يلتفت أحد الأخطر قضية واكبت المعركة التي دارت حول المسلسل داخليًا وخارجيًا. فرغم أن هذا المسلسل يبدو متواضعًا - من حيث المصداقية التاريخية - مقارنة بمسلسل مثل رأفت الهجان الذي عرض قبل أربع سنوات، إلا أن الضجة التي حظي بها في الأوساط الخارجية كانت جد مختلفة.
فالمفترض بمثل هذه المسلسلات أن تكون بمثابة طلقة في الحرب الإعلامية بين العرب والصهاينة من زاوية التثقيف الداخلي أولًا، ثم. وهو الأهم. تحقيق نوع من الانتصار الدعائي يخدم القضية العربية في المحافل الخارجية أمام الآلة الإعلامية الصهيونية والغربية النشطة التي تقذف لنا يوميًا حصيلة الأفلام الغربية من الافتراءات الصهيونية التي تؤثر في تربتنا الوطنية بشكل خطير.
فقد نجح الصهاينة والغرب في شحن العقول العربية بالعديد من القيم والأخلاقيات التي تتعارض تمامًا مع مثيلتها الوطنية بفضل آلة الدعاية والأفلام والمسلسلات الغربية حتى إن سلسلة أفلام مثل رامبو وجميس بوند ومسلسلات مثل الجري. والجميلات، وغيرها تركت آثارًا لدى المواطن العربي والمسلم بأكثر مما تركت نظيرتها العربية مما يعكس الخلل الخطير بين آلة الدعاية الغربية ومعها الصهيونية بالطبع وآلة الدعاية العربية تأثير الدراما أو الأفلام الغربية أكثر عمقًا، إذ ينبهر المشاهد بنموذج البطل القومي الأمريكي الذي يدافع عن بلده ويعتبره قدوة له، وبالمقابل تسعى الدراما العربية إلى التركيز على نماذج مشوهة من البطولات لتجار مخدرات أو شخصيات عاطفية أو حتى نصابين، وعندما يتطرق الأمر للمسائل التاريخية يلاحظ أن الشخصيات التي يجرى تخليدها في الذاكرة العربية هي لشخصيات مشبوهة.
فدراما رمضان المصرية هذا العام - التي أذيعت في ١٨ محطة فضائية عربية - ركزت على شخصيات تاريخية مثيرة للجدل مثل قاسم أمين الذي يقال: إنه حرر المرأة وأسقط الحجاب عن المصريات مع التأكيد على عبارة ترد في أغنية المسلسل تدور حول رفع الحجاب عن العيون. فيما ركز فارس بلا جواد على شخصية حافظ نجيب الذي تقول سيرته الذاتية (نشرتها مجلة روز اليوسف نقلًا عن أهله في عدد ٢٠ ديسمبر ٢٠٠٢ بالتفصيل إنه تنقل ما بين أديرة الأنبا بيشوي وانطونيوس والمحرق، وكان يسعى للرهبنة ثم خلع ثياب الرهبنة، ناهيك عن تأكيد أنه لم يكن بطلًا شعبيًا بل نصابًا ومحتالًا وجاسوسًا؟؟
وحتى رسالة المسلسل المتعلقة بفضح البروتوكولات جاءت مشوهة إذا قارنا بين ما شاهده الجمهور على القنوات الفضائية العربية وما شاهده في تليفزيون (المنار) مثلًا إذ عرضت الأولى المسلسل مشوها وناقصًا أهم ما فيه، في حين عرضه (المنار) بالغرض المستهدف منه وهو كشف مؤامرات الصهاينة وبروتوكولات حكماء صهيون والفارق بين الاثنين هو من أثر الضغط الصهيوني علينا.
فقبل عرض المسلسل شن الصهاينة والأمريكان حملة لمنع عرضه، وعندما تم اتخاذ قرار العرض بناء على موقف سياسي ظهر أن الحملة الصهيونية حققت مع ذلك مكسبًا تمثل في تخفيف بعض المشاهد عن اليهود والحركة الصهيونية، وتردد أن عدد المشاهد المحذوفة ۳۱ مشهدًا. ومع بدء عرض الحلقات وتزايد الضغط لحد توجيه خطابات رسمية من الرئيس الصهيوني والمسؤولين الأمريكيين للرئيس المصري، ومناقشة الكونجرس الأمريكي مسألة خفض المعونات الاقتصادية لمصر بدعوى العداء للسامية، زادت التنازلات أكثر وتم تغيير مقدمة المسلسل كي يتضح للمشاهد أنه لا يهدف إلى إثبات صحة ما يسمى بكتاب البروتوكولات، كما لا يهدف إلى المساس بالأديان ولا بالعداء للسامية. أما الحلقة الأخيرة من المسلسل التي كانت تدور حول الصهاينة تحديدًا فقد انتهت نهاية غامضة أثارت حيرة النقاد، فقد ركزت الحلقات الأخيرة من المسلسل على الصراع بين الحركة الوطنية المصرية ومعها الحركة الوطنية الفلسطينية وبين اللوبي الصهيوني في مصر في ذلك الوقت وشددت الحلقة الأخيرة على أسلوب التصفية الجسدية الذي اتبعه الصهاينة الذين تم تصويرهم في شكل حاخامات بلحاهم الطويلة والطاقية لحد قتل أعضاء ما سمي لجنة مقاومة الصهيونية من المصريين والفلسطينيين وقتل بطلة العرض وزوجة حافظ نجيب.. الفارس المقصود في المسلسل. ولكن النهاية جاءت بشكل غريب دفع العديد من الكتاب للقول إن المسلسل حدد موقفًا ضد قتل المدنيين الصهاينة والعسكريين المحتلين. ومصدر الجدل أن البعض اعتبر هذه النهاية إسقاطًا على العمليات الاستشهادية الفلسطينية الحالية، وإدانة لها. فبعد أن قتل الصهاينة العشرات من أعضاء لجنة مقاومة الصهيونية في مقرهم، وسعى البطل للانتقام يفاجأ في اللحظة الأخيرة قبل الاستعداد لتفجير مقر الصهاينة بوجود أم يهودية تحمل طفلة صغيرة فيوقف التفجير ويسعى لإخراج الأم وابنتها من المبنى وعندما يهم مرة ثانية بالتفجير يصل للمقر عدد من الأطفال والنساء فيوقف التفجير مرة ثانية ويبلغ الأم اليهودية رسالة مفادها أن الصهاينة لم يتورعوا عن قتل الأطفال والنساء، ولكن المقاومة العربية لا تفعل ذلك لأن ديننا ينهانا عن قتل طفل أو أم أو تدمير شجرة... وعندما تتاح له فرص كثيرة لقتل القائد العسكري البريطاني المحتل لا يفعل رغم أن المسلسل يبدأ بعبارة تقول من يقاوم الاحتلال ليس إرهابيًا.
وقد اعترف محمد صبحي بطل الحلقات أن المسلسل الذي أقام عليه الصهاينة ضجة لا يتطرق إلى المؤامرات الصهيونية سوى بنسبة 1 فقط وأن كشف تفاصيل المؤامرة سيتم في الجزء الثاني منه.
• الفشل مفيد:
ورغم هذا الفشل في آلة الدعاية العربية لحد الفشل في تسويق مسلسل درامي بصورة مؤثرة فقد اعتبر مثقفون وشباب جامعي أن المسلسل أسهم في إحياء الروح العربية والإسلامية ضد الصهيونية وتعريف الجيل الجديد ممن لا يعلمون شيئًا عن تاريخ الصهيونية بحقيقة العدو وبروتوكولات حكماء صهيون مما حقق استفادة كبيرة في المحصلة النهائية، تمامًا كما نجحت أحداث مثل انتفاضة الأقصى في توعية جيل السلام العربي بحقيقة قضية فلسطين. وفي هذا الصدد أكد زوار بعض ساحات الحوار على مواقع الإنترنت أن المسلسل مفيد وأنه وليد اللحظة. العرب مستفيدون بالطبع من عرضه لأن معظم شباب الجيل الحالي لم يكن يعرف بما يسمى برتوكولات حكماء صهيون وعرفوا ذلك من المسلسل وعرفوا أيضًا أن ما يحدث الآن لم يكن بل كان مخططًا له. منذ زمن للسيطرة على العالم بما فيهم حليفتهم أمريكا مشددين على أنه يكفي أن المسلسل قام بكشف مخطط اليهود أمام الشعوب التي تنادى بالتطبيع مع الصهاينة. وقد وصف آخرون المسلسل بأنه ديني من الدرجة الأولى ووضع يده على كلمتين كانتا متخفيتين على العالم العربي دون المثقفين وهما بروتوكولات صهيون، وقالوا: «رسالتك وصلت يا محمد صبحي.. ما في بيت الآن إلا وفيه هذا الكتاب أصبح الأطفال يقرأونه بشغف..».
• اقتناء البروتوكولات:
ومن مزايا الحملة المضادة أن مجرد الحديث عنه البروتوكولات، روج بشكل كبير لكتاب بروتوكولات حكماء صهيون الذي جرى توزيعه عبر الإنترنت بشكل غير عادي كما شهدت المكتبات المصرية إقبالًا شديدًا على اقتنائه خصوصًا من جانب الشباب، كما سعت مؤسسات صحفية مصرية لنشر البروتوكولات أو نشر تعليقات حولها فأصدرت دار أخبار اليوم كتابًا بعنوان بروتوكولات حكماء صهيون وأصدرت مؤسسة دار الهلال كتابًا آخر بعنوان الشخصية اليهودية الإسرائيلية والروح العدوانية غير عشرات الكتب التي تتناول البروتوكولات.
• تشويه التاريخ بدل تصحيحه:
أما أخطر ما تقع فيه هذه الآلة الدعائية العربية بحيث تصبح كالدية التي قتلت صاحبها، فهو تشويه التاريخ، فضلًا عن بث قيم دخيلة على التراث العربي غالبية مسلسلات رمضان ركزت على حق الفتاة في أن تحب أي فتى وتخرج معه بشرط أن يعلم الأهل بهذا فقاسم أمين جرى تصويره على أنه محقق وقاض عادل ينتصر للمستضعفين رقيق المشاعر يحب النساء ويرجو لهن كل الخير لكي تلقى دعوته الخلع الحجاب القبول لدى المشاهدين، ومقاومة الاحتلال مكانها الطبيعي داخل الخمارات والبارات.
• نضال البارات والخمارات:
وقد لفت أحد نواب الإخوان في البرلمان المصري إلى فارس بلا جواد. أن بعض أحداث مسلسل تشوه التاريخ خصوصًا تركيز المسلسل على أن مقاومة الاحتلال الإنجليزي كانت تنطلق من البارات والخمارات في ذلك الوقت.
وتقدم الدكتور محمد مرسى بطلب الرئيس البرلمان لمناقشة المسلسل في لجنة الثقافة بالمجلس وقال في الطلب الذي نشره موقع حقائق مصرية على الإنترنت إن المسلسل... بجانب إبرازه الشخصية، حافظ نجيب، رغم أن التاريخ لم يذكر له أي دور في المقاومة، جعل من الملاهي والبارات والكباريهات المرجعية والمحرك المقاومة المحتل، وهو ما يعد مخالفة صريحة وخطيرة في الوقت نفسه للمقاومة الشعبية الحقيقية. وأضاف أنه عندما شاهد المسلسل تبادرت إلى ذهنه أسئلة دارت كلها عن السر في هذا التشويه للتاريخ، وما المقصود من أن تكون البارات والخمارات وغرف النوم المغلقة هي خلفية المقاومة ومحركها، وهل يقصد بذلك تربية فكر الأطفال والشباب، بل وبعض الكبار على أن هذه الأماكن التي ينفرها الناس ولا يعرف روادها إلا بالمعربدين والسكارى الذين لا ينظرون إلى وطنهم على أنه وطنهم، هل يقصد بذلك محو هذه الصورة عن أذهان الناس من خلال ربط النضال الوطني بمجموعة من الراقصات والسكارى.
• أين الخلفية الدينية؟
وقال الدكتور مرسي في بيانه إن التاريخ لم يذكر أي حركة مصرية قاومت وناضلت المحتل منذ دخلت فرنسا بر مصر عام ۱۷۹۸م وحتى جلاء آخر جندي بريطاني عام سنة ١٩٥٤م إلا وربطها بخلفيتها الدينية، فالحملة الفرنسية لم يقاومها ويقف ضدها سوى علماء ومشايخ الأزهر الشريف وهو ما دفع الحملة الفرنسية إلى أن تنجس المسجد بخيولها ردا على مقاومة رجاله مما ألهب الحماس في نفوس الجماهير فخرجت تدافع عن هذا الرمز الإسلامي الذي ارتبطت به، ولم يذكر لنا التاريخ أن الجنود الفرنسيين اقتحموا ملهى أو مرقص أو خمارة أو حتى مقهى صغيرا بل إن الذي قتل القائد الفرنسي كليبر كان طالبًا أزهريًا وسليمان الحلبي السوري الجنسية الذي خلده التاريخ في وطنه الثاني مصر، كما أن من حمل لواء المقاومة كان الشيخ عمر مكرم والشيخان محمد السادات ومحمد الشرقاوي. وهو ومع الاحتلال البريطاني تحرك الزعيم مصطفى كامل من نفس المرجعية الدينية عندما ذهب ليفضح مجزرة دنشواي في فرنسا وأوروبا، ومن بعده الزعيم محمد فريد والكل يعرف مرجعيته الدينية ونشأته الإسلامية وأشار د. مرسي إلى أن كثيرًا من رموز المقاومة الإسلامية أعدموا لمقاومتهم المحتل والشهداء محمد فرغلى وعبد القادر عودة ويوسف طلعت وغيرهم دليل على ذلك، وفي حرب فلسطين كان الدافع الأساسي للمتطوعين هو التوجه والخلفية الإسلامية الدينية وهي نفس الخلفية التي حركت المظاهرات بالجامعات والمدارس ولم تسمع أن كبارية، خرجت منه مظاهرة أو أصدر بيانًا ضد الانتهاكات الصهيونية، وتساءل الدكتور مرسي - في ختام البيان - عن الهدف من هذا المسلسل الذي شوه الحقائق وبدل الأحداث وغير المفاهيم ولماذا هذا الإصرار على تعمية الشعب ومحاولة تشويه مرجعيته الدينية والإسلامية هذا الشعب الذي أكد بالتاريخ أنه جواد بلا فارس وإن كان له فارس فلن يكون محافظ نجيب القضية بالتالي أكثر من مجرد ضعف الآلة الإعلامية العربية عن مواجهة الأعداء ولكن الأخطر أن هذه الآلة تشوه التاريخ العربي والإسلامي المفترض أن تلمعه وتنشره، كما تشوه التراث والقيم وتسعى لإحلال القيم الغربية بدل الإسلامية عبر الدراما والأفلام العربية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل