العنوان تشريح الديمقراطية في اليمن «تفريخ أحزاب وآلية وتقسيم الأحزاب المشاكسة!»
الكاتب مالك الحمادي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يناير-1998
مشاهدات 1
نشر في العدد 1286
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 27-يناير-1998
تمثل المعارضة أركانًا أساسية في أي نظام ديمقراطي يقوم على مبدأ التعددية الحزبية السلمي للسلطة وقد شهدت اليمن- منذ إعادة توحيدها عام ۱۹۹۰م. ظهور أحزاب المعارضة إلى العلن لممارسة دورها بصورة شرعية لأول مرة منذ قيام النظام الجمهوري. وكان من الطبيعي أن يصاحب هذا الظهور العلني مظاهر غير متزنة بعد سنوات طويلة عانت فيها الأحزاب السياسية كثيرًا من العنت والتحريم وكان أبرز مظاهر ردة الفعل ظهور أو إعلان تأسيس. (٤٦) حزبًا... أغلبها كان انعكاسا لحقائق الماضي وتوازنات الحاضر ورغبة السلطة الجديدة في الاستفادة من ظهور الأحزاب لتحقيق منافع خاصة بها..... وبالطبع فقد كان للطموحات الشخصية دور في إعلان نسبة من هذه الأحزاب. ومع تطور الأوضاع السياسية التي أعقبت الوحدة: تقلص عدد الأحزاب إلى أقل من النصف. فيما برزت في الصف الأول ثلاثة أحزاب هي المؤتمر والإصلاح والاشتراكي. أما سائر الأحزاب فقد ظهرت على حقيقتها أحزابًا هامشية باستثناء الحزب الناصري والبعث والتي يمكن القول إنها أحزاب ظل ولا يمكن قياسها على الأحزاب الهامشية. أو وضعها في مصاف الأحزاب الثلاثة الكبرى. واتسمت السنوات الماضية بظاهرة تفريخ الأحزاب الموالية أو تقسيم الأحزاب المشاكسة... وهي مهمة كان يتولى القيام بها حزبا المؤتمر الشعبي والاشتراكي قبل فقدانه لنفوذه العسكري والمالي. إن استغل الحزبان قدراتهما المالية ونفوذهما في السلطة لتشكيل جبهة من الأحزاب الصغيرة تكون بمثابة حائط حماية لكل منهما من الآخر والإعلان مواقف لا يستطيع الحزب الكبير، أو لا يريد تحمل تبعات إعلانها. وعلى الرغم من الضجيج السياسي والإعلامي الذي مارسته المعارضة اليمنية في سنوات الفترة الانتقالية إلا أن حقائق القوة والنفوذ للحزبين الحاكمين آنذاك كانت تفرض المواقف المشتركة التي يتفقان عليها ولم تنجح المعارضة إلا في الحد من بعض رغبات الهيمنة التي كانت تطل بقرونها من بين ثنايا بعض القوانين كقانون الأحزاب وقانوني الصحافة والانتخابات استغلالا لثغرات الخلاف والتناقض بين الحزبين المهيمنين.
وفي أعقاب حرب ١٩٩٤م، انضم الحزب الاشتراكي إلى طابور المعارضة لكنه عجز عن تلبية رغبات الأحزاب الصغيرة الحليفة معه في تنظيم معارضة فعالة، وكانت أبرز ظاهرة في الوسط الحزبي آنذاك اختفاء عدد كبير من الأحزاب الهامشية. واختفاء أسماء مؤسسيها... بالإضافة إلى انقسام حزب البعث الموالي للعراق إلى حزبين متعاديين. ومع قوة الائتلاف الثنائي بين المؤتمر الشعبي وتجمع الإصلاح الإسلامي، الذي حكم اليمن ٩٤-۱۹۹۷م، ظلت المعارضة تمارس دور الضجيج الإعلامي والسياسي... واستمر عجزها عن أداء دور سياسي بسبب الحسابات الخاصة بكل حزب التي تجعلها عاجزة عن اتخاذ موقف عملي في أي قضية مهمة بل يمكن القول إن حزب المؤتمر الشعبي نجح. إلى حد ما - في أن يدفع أحزاب المعارضة إلى تخصيص جزء كبير من جهودها الإعلامية في التشهير بتجمع الإصلاح اعتمادًا على أن هذه الأحزاب كانت تعيش حالة قلق قصوى من تواجد الإسلاميين في الائتلاف الحاكم وريثًا لحليفها السابق: الحزب الاشتراكي.
خريطة معارضة في طور التكوين:
أفرزت انتخابات إبريل ١٩٩٧م وضعًا سياسيًا جديدًا في اليمن. فالسلطة صارت من نصيب حزب واحد هو المؤتمر الشعبي.... والإسلاميون انتقلوا إلى المعارضة بأسلوبهم الخاص الذي اختاروه بعيدًا عن أحزاب المعارضة الأخرى وهذه بدورها تمايزت في ثلاثة مجاميع:
١ - تجمع المعارضة الموالية لحزب المؤتمر الشعبي العام.
۲- أحزاب مجلس التنسيق الأعلى للمعارضة التي تضم الأحزاب الموالية للحزب الاشتراكي.... لكنها شاركت في انتخابات إبريل ١٩٩٧م.... وتضم الناصريين والبعث العراقي، وحزب الحق... وهو حزب صغير يمثل اتجاه المذهب الزيدي.
٣ - أحزاب تجمع سماء ويضم الحزب الاشتراكي والأحزاب التي قاطعت الانتخابات النيابية... وهو ما يزال في طور التأسيس ولم تتضح معالمه بعد. لكن هذه الأحزاب حرصت منذ الانتخابات على تمييز مواقفها عن مواقف حلفائها السابقين هذا الوضع غير المتجانس الأحزاب المعارضة هو نتاج للمرحلة الجديدة التي أعقبت الانتخابات... وربما لم تزل هذه المعارضة بحاجة إلى زمن معقول لتبدأ في ممارسة دور معارضة قوية قادرة على الحد من هيمنة الحزب الحاكم، وخاصة أنها. مجتمعة.
تمتلك نفوذًا قويًا في الشارع اليمني وإعلامًا صحافيًا قادرًا على إزعاج السلطة فيما لو توحدت أهدافه ويمكن القول إن أهم نقاط القوة لدى أحزاب المعارضة اليمنية تتمثل في:
أ- ضعف الأداء الحكومي والإداري والمالي واقتناع الوسط الشعبي بأن حزب المؤتمر يتحمل مسؤولية التدهور الحاصل في البلد نتيجة أن معظم مسؤولي الدولة ينتمون إليه. ويوفر هذا الأمر فرصة كبيرة لأحزاب المعارضة للتعريض بحزب المؤتمر وانتقاد سياساته غير الشعبية بصورة مستمرة
ب- خروج تجمع الإصلاح الإسلامي إلى المعارضة يضيف قوة شعبية هائلة لها.... في ضوء حقيقة أن الإسلاميين هم الأقدر على تحريك المعارضة الشعبية.... وعلى مقاومة الأساليب الإدارية السلطوية.
ج - قوة الإعلام الصحفي الذي تمتلكه المعارضة والذي يفوق إعلام الحزب الحاكم في قدرته على اجتذاب الجماهير... رغم ضعف إمكاناته الفنية والمالية.
د. معظم أحزاب المعارضة تمرست بالعمل السري قبل إعلان التعددية السياسية، واكتسبت خبرة في العمل الشعبي العام وفر لها كوادر كثيرة في مقابل اعتماد حزب الحكومة على الأداء الرسمي الوظيفي لكوادره المعتمد على إمكانات الدولة ونفوذ أجهزتها الأمنية والحكومية.
هـ - الإطار الدستوري يمنح أحزاب المعارضة افاقًا كبيرة في العمل العام ويحميها. نظريًا. من أي ممارسات تعسفية. وفي المقابل فإن أحزاب المعارضة تعاني من عيوب ونقاط ضعف لا يستهان بها. وتتلخص في:
أ- ضعف التوازن بين قوتي الدولة والمجتمع، مما يضعف من فاعلية التعددية السياسية المنصوص عليها في الدستور، وبالتالي يضعف من فاعلية الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني مثل النقابات والمنظمات الشعبية كما تنعكس حالة اللاتوازن هذه على أداء البرلمان ودوره الرقابي الذي يضمحل مع وجود الأغلبية الكاسحة بالإضافة إلى خضوع القضاء للدولة ومعاناته من تدخل الأجهزة التنفيذية في أعماله.
ب- عجز أحزاب المعارضة عن تجاوز خلافاتها في الماضي وسيطرة حالة الشك وعدم الثقة فيما بينها، مما يضعها في مواجهة الحكومة.
ج - العلاقة الغربية التي تجمع بين السلطة من جهة وكل حزب من أحزاب المعارضة من جهة أخرى. وتتقاسم هذه العلاقة الرغبة والرهبة والعجز، وهكذا فإن السلطة تستطيع استغلال هذا الوضع لمنع أي تضامن حقيقي بين الأحزاب يمكن أن يساعدها في اتخاذ موقف موحد تجاه أي أخطاء للسلطة أو ممارسات تتنافى مع الدستور والقوانين.
د. ومن مظاهر هذه العلاقة الغريبة ما تهم به أحزاب المعارضة من أنها تتسابق لإبعاد بعضها عن السلطة لتضمن مواقع أو مزايا لكوادرها... وهو ما يوفر لحزب المؤتمر حماية من أي موقف موحد ضد سياساته.
هـ. عدم اتفاق المعارضة على صيغة مناسبة للعمل المشترك تراعي حقائق الحجم الشعبي لكل منها، فالملاحظ أن زعامة المعارضة هم: القوى الصغيرة التي تعطي لنفسها أكبر من الحقيقة... كما أن بعض الأحزاب: على قصر صفة المعارضة، على ذاتها وترفض الاعتراف بأحزاب أخرى معارضة تختلف معها على بعض المواقف التحدي الذي يواجه المعارضة اليمنية هو الحاجة إلى تشكيل عامل ضغط حقيقي باتجاه السلطة باستغلال أوراقها الشعبية والإعلامية والبرلمانية مجتمعة لدفع السلطة نحو مراعاة المطالب الشعبية والحد من سلبيات الهيمنة على إمكانات الدولة ومواردها وأجهزتها التنفيذية، وبحيث ينتقل المجتمع تدريجيًا نحو حالة توازن معقولة تسمح لآليات الفعل الديمقراطي بأن تؤدي مفعولها في العملية السياسية. وتسمح - أيضًا - بقدر أكبر من حرية الحركة المؤسسات المجتمع المدني بعيدًا عن هيمنة السلطة وتداخلاتها.
أما إذا استمرت الحالة كما هي في الأعوام الماضية فمن المتوقع أن يسهم ذلك مزيد من تغول الحزب الحاكم ووضع العراقيل أمام ممارسة ديمقراطية سليمة.
التعدد الحضاري والخصوصية الحضارية
بقلم: منير شفيق «مفكر فلسطيني»
لنقرأ العبارة التالية التي تعبر عن رأي يشترك فيه كثيرون تقول: إن الأهم من ذلك كله ألا تتم أدلجة خطاب العزلة وتكريسه باسم التعددية وحق الاختلاف، ثمة تحذير من أن يُستخدم خطاب العزلة عن الحضارة الغربية شعار التعددية الحضارية وحق الاختلاف، ليحول نفسه إلى أيديولوجية ويتكرس من خلال هذا وذاك، وبهذا يصبح شعار التعددية الحضارية وحق الاختلاف الحضاري مكرسًا للعزلة الحضارية المرذولة والتي لا يقبلها عقل لأنها تعني حماية التخلف والغرق فيه أكثر فأكثر.
أولًا- ثمة فرضية يرددها الكثيرون كلما نوقش إشكال الداعين للاندماج الحضاري بالغرب، وهي وضعهم مقابل إشكال أخر يدعو أصحابه إلى العزلة عن الحضارة الغربية، فمن أين جاءت هذه الفرضية ولماذا لا يشار إلى الداعين إلى العزلة وتثبت دعواهم بشواهد من عند أنفسهم أم هي فرضية تفبرك لتنقذ الداعين إلى الاندماج، وذلك من خلال التعويم النظري ولتجعل الذين ينتقدونهم يحملون في طياتهم إشكال الدعوة للعزلة الحضارية بالضرورة؟ أي هي فرضية مستنسخة استنساخًا من ضرورة تعويم أحد طرفي المعادلة وتخطيئه، وليس من وقائع وأصول تسوغها.
ثانيًا- هل النقد هنا موجه لدحض شعار التعددية الحضارية وحق الاختلاف الحضاري، أم موجه الخطاب العزلة الحضارية وقل هل يتضمن تأييدًا لجوهر الشعار المذكور لكنه ضنين بأن يستخدمه أصحاب الدعوة إلى العزلة أو العكس؟ علمًا بأن رد دعوى الداعين إلى العزلة الحضارية يجب أن تقوم على أسس أخرى تشكل أساس دعوتهم وليس على ما يمكن أن يستخدمونه من شعار هو ليس لهم من أجل دعم دعواهم ثم بعد ذلك يمكن أن يرفض هذا الاستخدام.
ثالثًا: ليس واضحًا هنا إن كان رفض دعوة العزلة الحضارية يتضمن رفضًا لدعوة الاندماج الحضاري كذلك، ومن ثم هنالك دعوة ثالثة مستبطنة أم هي دعوة للاندماج الحضاري لم يفصح عنها باعتبارها التحصيل الحاصل في حالة تسفيه دعوة العزلة الحضارية وإغراق شعار الخصوصية الحضارية، فالمسألة التي يجب الكشف عنها هي توضيح إشكال الاندماج الحضاري كيف وضمن أي حدودا، وهل هو بلا حدود؟ ثم إقامة ذلك على أسس وأركان متينة تسمح بالدفاع عن هذه الدعوة بالإنشاء والإيجاب وليس بالسلب وتخطيء الآخر.
نجد الداعين إلى الاندماج الحضاري لا يعبؤون كثيرًا بإقامة دعوتهم على حجج إيجابية تسوع هذا الاندماج وتوضح إمكانه ومداه وشروط نجاحه ونتائجه بغض النظر عن وجاهة أو عدم وجاهة دعوى الأطراف الأخرى، فكون رأيي خطأ لا يترتب عليه بالضرورة أن رأيك صواب، لأن من الممكن أن رأيك على خطأ كذلك، وهذا هو المقصود بإقامة دعوتك من خلال الإنشاء والإيجاب وليس السلب وتخطيء الآخر. أي عليك إثبات صواب رأيك أولًا وقبل كل شيء.
رابعًا: تشكل شعار التعددية الحضارية ومراعاة أو احترام الخصوصية الحضارية من واقع عالمي اتجهت فيه الحضارة الغربية لفرض هيمنتها الحضارية على كل العالم بكل وسيلة وسبيل، وأنكرت على الحضارات الأخرى حقها في الوجود باعتبارها قديمة، أو متخلفة، أو غير حداثية، وقد جاء هذا التوجه الاستبدادي في فرض الهيمنة الحضارية جزءًا مكملًا لفرض الهيمنة العسكرية والسياسية والاقتصادية على العالم، أي هو جزء تابع لهذه الهيمنة ونابع منها، بل هو من مكوناتها وشرط لتكريسها وإمدادها بأسباب من القوة والديمومة، وبهذا تكون الحاجة إلى الهيمنة الحضارية جزءًا لا يتجزأ من عملية الهيمنة العسكرية والاقتصادية والسياسية وتكريسها وتأبيدها. ومن ثم كان شعار احترام الخصوصية الحضارية واحترام التعددية الحضارية على مستوى العالم جزءًا من عملية رفض الهيمنة العسكرية والسياسية والاقتصادية أي جزءًا من حركة التحرر والاستقلال والانعتاق وتحقيق شراكة عالمية متكافئة.
فالمسألة إذًا ليست إما اندماج حضاري وإما عزلة حضارية. إنها في جوهرها إما القبول بهيمنة شاملة والنزول إلى أسفل درك تقرره لك تلك الهيمنة وإما نقد الهيمنة ورفضها والدعوة إلى احترام خياراتك واستقلالك وإقامة الشراكة العالمية بصورة متكافئة أي شراكة لا تقوم على الاندماج. اندماج المستعبدين في عالم الأسياد، ولا تقدم على العزلة والعداوة والانكماش، وإنما على التفاعل الإيجابي في المستويات المختلفة السياسية والاقتصادية والحضارية بعيدًا عن القسر والفرض، ونأيًا عن العزلة والرفض، وهذا وذاك لا يتم من غير الإقرار بالتعدد الحضاري واحترام الخصوصية الحضارية، أو قل إن ذلك الإقرار وهذا الاحترام شرط من الشروط الضرورية إلى ذلك.
ت