العنوان تشاد.. وأزمة الاندماج الوطـني
الكاتب بدر حسن شافعي
تاريخ النشر السبت 11-أكتوبر-2003
مشاهدات 60
نشر في العدد 1572
نشر في الصفحة 45
السبت 11-أكتوبر-2003
badrshafei@hotmail.com
كان هدف الحكومة من الاتفاق إغلاق ملف هذه الحركة المسلحة التي تنشط في الشمال، خاصة في منطقة تبستي، على اعتبار أنها كانت الحركة الأكثر خطورة الآونة الأخيرة، من أجل التفرغ لباقي القوى المسلحة، فضلًا عن قوى المعارضة غير المسلحة، خاصة التي تلقى دعمًا خارجيًا، كما كان الرئيس إدريس ديبي ينشد من وراء الاتفاق زيادة حجم التأييد الشعبي لحزبه الحاكم «حركة الخلاص أو الإنقاذ الوطني» قبل الانتخابات الرئاسية التي جرت العام الماضي، وأسفرت عن فوزه.
وقد نجحت حركة العدالة والديمقراطية- التي أسسها وزير الدفاع الأسبق يوسف توجومي الذي قيل إنه اغتيل العام الماضي- في إعادة تنظيم صفوفها، وشن عدة هجمات على النظام، كان آخرها الاستيلاء على مطار بارادي في الشمال، على الرغم من الإخفاقات العديدة التي واجهتها العام الماضي سواء فيما يتعلق بالمواجهة العسكرية مع النظام، أو انحسار الدعم الخارجي المقدم لها خاصة من ليبيا.
مشكلة الاندماج الوطني
وتكشف الخلافات التي تشهدها تشاد عن عمق أزمة الاندماج الوطني - بأبعادها المختلفة، والمقصود بذلك عدم تكيف فئة أو فئات معينة في المجتمع مع النظام القائم، إما لأسباب اقتصادية مثل عدم عدالة التوزيع، أو لأسباب إثنية عرقية، أو لأسباب سياسية. وقد تتراوح مطالب هذه الفئة أو الفئات ما بين تحقيق أهدافها مع الحفاظ على النظام أو السعي إلى تغييره، وفي أسوأ الحالات السعي لانفصال إقليم معين تعيش فيه. وتتنوع وسائل تحقيق ذلك ما بين وسائل سياسية سلمية أو وسائل عسكرية وهي الأخطر، ومن هنا يمكن فهم أبعاد هذه الأزمة في إسقاطها على الواقع التشادي.. صحيح أنه لم تكن هناك مطالب انفصالية، إلا أن بقية أبعاد الأزمة كانت موجودة، مما جعل بعض المحللين يرى أن البلاد لم تشهد منذ استقلالها سوى عام واحد من الهدوء والاستقرار. فمنذ تولي تومبالباي وهو مسيحي جنوبي ذو توجهات غربية رئاسة البلاد، لم يعمل على تحقيق التوزيع العادل للثروة بين الشمال الفقير والجنوب الغني، بل قام بجباية الضرائب من الفقراء، وقصر توزيع الثروة على النخبة المحيطة به، الأمر الذي أدى إلى بروز جماعات المعارضة سواء الشمالية أو الجنوبية، بل إن أول بروز للمعارضة كان في الجنوب، حيث تم تشكيل جبهة التحرير الوطني التشادي بزعامة إبراهيم أباتشا، ويتضح من الاسم عمق الأزمة التشادية، إذ إن المعروف أن التحرر الوطني يكون من الاستعمار، وليس من النظم الوطنية، ولعل هذا يعكس أيضًا التوجه العسكري لهذه الحركة منذ بدايتها وهو ما حدث بالفعل. حيث لاقت الحركة تأييد ليبيا، بسبب توجهات الحركة الاشتراكية، ونتيجة لذلك عملت على فتح محاور لها في باقي الأقاليم، فأقامت محورًا لها في الشمال أطلق عليه الجيش الثاني، مما اضطر تومبالباي إلى الاعتراف بالثوار نهاية عام ١٩٧٠، ثم أنشئ الجيش الثالث عام ۱۹۸٦ في الغرب تحت اسم القوات المسلحة الغربية.
السمة الملاحظة إذن وجود معارضة سياسية ومسلحة ترفض الاندماج الوطني مع النظام، وتطالب بإسقاطه بالقوة، ولعل ما يساعدها على ذلك دعم القوى الخارجية لها ومن هنا يمكن فهم أسباب الإطاحة بتومبالباي واغتياله عام ١٩٧٥ ثم توالت السلطة على مالكوم «مسيحي» ثم جوكوني عويضي «مسيحي» ثم حسين حبري «مسلم» عام ۱۹۸۲ ثم إدريس ديبي «مسلم» بانقلاب عسكري عام ۱۹۹۰. ونتيجة لهذه التطورات، فإن البلاد لا تزال تعاني من أزمة الاندماج الوطني، والتي انعكست بوضوح في أول انتخابات نيابية تعددية شهدتها عام ۱۹۹٧، إذ اعترضت المعارضة على نتائجها ولجأت إلى العنف من جديد.
وتزداد أزمة الاندماج ضراوة إذا ما أضفنا إليها البعد القبلي، حيث يوجد بتشاد أكثر من مائتي قبيلة، وهناك تقاطعات وتداخلات إقليمية ودينية بين هذه القبائل وبعضها البعض، وقد ظهر أثر هذا البعد القبلي بعد تولي ديبي الحكم خلفًا لحبري، فديبي ينتمي إلى قبيلة الزغاوة ذات الامتدادات في السودان «70% في السودان، 30% في تشاد» وعندما وصل إلى الحكم، وعمل على ضم عناصر من الزغاوة السودانيين إلى حکمه، ثارت عليه القبائل الأخرى خاصة قبيلة الجرعان التي ينتمي إليها حبري، وتشكلت بعض القوى المسلحة ضده، كما أن البعد الديني يلعب دورًا مهمًا في هذا الشأن، إذ إن الغالبية العظمى من المسلمين يتركزون في الشمال، بالإضافة إلى أن الرئيس الحالي ينتمي إلى الشمال، الأمر الذي أثار حفيظة الجنوبيين وفيهم نسبة كبيرة من المسيحيين.
أزمة الهوية: كما تشكل هوية البلاد أزمة للنظام، فبالرغم من أن تشاد دولة عربية الجذور، إسلامية العقيدة يدين قرابة 85% من سكانها- الذين يقدر عددهم بحوالي 7 ملايين نسمة- بالإسلام، إلا أنها تعاني من أزمة الهوية هل هي ذات توجهات عروبية إسلامية، أم إفريقية، أم ذات هوية فرنسية في إطار إفريقي؟ فالنظم الحاكمة المتعاقبة لم تعترفباللغة العربية لغة رسمية في البلاد بدلًا منالفرنسية، بالرغم من أن حركة التحرير التشادية - منذ ظهورها قبل الاستقلال - عملت على مقاومة الاستعمار الذي سعى لطمس الهوية العربية الإسلامية للبلاد. ولعل هذا ما يفسر عدم انضمام تشاد للجامعة العربية حتى الآن. ويبدو أن الرئيس ديبي فطن إلى أزمة الهوية هذه، فعمل على إدخال بعض التعديلات في الدستور الذي تم إقراره عام ١٩٩٥، حيث نصت المادة التاسعة على مساواة اللغة العربية باللغة الفرنسية، لكن الأقوال شيء، والممارسات شيء آخر، فلايزال المتحدثون بالعربية لا يشغلون المناصب العليا في البلاد ما لم يكونوا يتقنون الفرنسية، كما أن اللغة العربية ليست إلزامية في المدارس العامة ومعظم ساعات البث الإذاعي تتم باللغة الفرنسية.
الأزمة الاقتصادية
وهي ثالثة الأسافي، إذ إن الحروب الأهلية الطويلة أنهكت البلاد بصورة كبيرة، الأمر الذي جعلها من أفقر البلدان الإفريقية «إجمالي الدخل السنوي للفرد ۸۸۰ دولار فقط» كما أن حجم المعاملات التجارية ضئيل للغاية، فقد بلغ حجم صادراتها ۲۸۸ مليون دولار عام ۱۹۹۸، مقابل واردات بـ ٢٥٩ مليون دولار في العام نفسه، وبلغ حجم الدين الخارجي عام ١٩٩٩ قرابة مليار دولار، وساعد على تردي الأوضاع الاقتصادية أن تشاد بلد زراعي بالأساس، خاصة زراعة القطن فهي ثالث دولة إفريقية في إنتاجه لكن فرنسا تحصل عليه بثمن بخس.
ولعل النظام يراهن الآن على إنتاج البترول من حقل دوبا غرب البلاد، حيث تم التوقيع على عقد جديد لإنتاج واستثمار النفط هناك بين شركة بتروناس الماليزية وشيفرون واسو الأمريكيتين بقيمة قدرها ٣,٥ مليار دولار بعد انسحاب شركة الفاكتيل الفرنسية عام 1999، وسيتم نقل البترول المستخرج عبر خط أنابيب يبلغ طوله ١٠٥٠كم إلى موانئ الكاميرون على الساحل الأطلسي. وحسب تقديرات البنك الدولي تحصل تشاد من هذا المشروع على ملياري دولار مقابل ٥٠٠ مليون دولار للكاميرون ويساهم المشروع في حال انتهائه في إعطاء دفعة قوية للاقتصاد التشادي وللنظام الذي كان هذا شعاره في الانتخابات الماضية.. وقد يساهم في حل أزمة الاندماج الوطني، خاصة إذا ما اقترن بالتوزيع العادل للعوائد.
(*) باحث في الشؤون الإفريقية- القاهرة