; تساؤل مشروع عن مشروعية منظمة التحرير | مجلة المجتمع

العنوان تساؤل مشروع عن مشروعية منظمة التحرير

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-2000

مشاهدات 72

نشر في العدد 1408

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 11-يوليو-2000

 عندما ينشغل المجلس المركزي الفلسطيني لمنظمة التحرير الفلسطينية بقضية تحديد موعد لإعلان الدولة الفلسطينية قد ينخدع كثيرون بأن كل شيء أصبح جاهزًا لتفجير هذه القنبلة وأن المفاوضات مع الإسرائيليين تسير وفق ما يريده الفلسطينيون وهو استنتاج مفرط في التفاؤل لا تشير الوقائع إلى صحته. 

في الحديث عن المجلس المركزي الفلسطيني لا بد من الإشارة إلى حقيقة تتغاضى عنها فصائل المعارضة الفلسطينية المنضوية تحت راية منظمة التحرير، فضلًا عن حركة فتح والفصائل الأخرى التي انجرفت في مستنقع أوسلو، وهي مسألة حتى حركة حماس تفضل أن تتفاداها ربما لأسباب تكتيكية ومن ثم فهي تتعامل معها كأمر واقع. 

فمنظمة التحرير الفلسطينية التي تفرض نفسها اليوم ممثلًا شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطيني وتتحدث باسم أكثر من ستة ملايين فلسطيني تفتقر في حقيقة الأمر إلى هذه الشرعية إلا أن تكون شرعية عضلات واستقواء بالآخرين على الشعب الفلسطيني، فعندما تأتي منظمة التحرير اليوم وبعد حوالي عشرين عامًا على تخليها عن كفاحها المسلح ضد الاحتلال الصهيوني لكي تباشر إغلاق ملف القضية الفلسطينية المعقدة، فإنها بذلك تجني على تاريخها ونضالها وشعبها، فالشرعية التي تتغنى بها المنظمة كانت وليدة مرحلة لم تعد قائمة الآن وظهرت بعدها قوى فلسطينية وطنية هي الجديرة بالدفاع عن حقوق شعبها المغصوبة. 

المجلس المركزي الفلسطيني الذي تضخم عدد أعضائه ليصل اليوم إلى 129 عضوًا ليس المؤسسة الشرعية المخولة بالحديث عن مستقبل الشعب الفلسطيني وإقرار شكل حياته السياسية فيما بعد مرحلة التحرير الوطني التي ما زالت قائمة، فالشعب الفلسطيني لم ينتخب المجلس الوطني الفلسطيني الذي فرز المجلس المركزي وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، والكل يعرف أن رئيس المنظمة هو وحده الذي «انتخب» كل أعضاء المجلس فردًا فردًا، وحين رأيت صور الاجتماع الأخير للمجلس المركزي الفلسطيني في غزة لاحظت أن كثيرًا منها دخل المجلس الوطني ومن ثم المركزي بسبب تمثيلهم لاتحادات شعبية لم تجر فيها انتخابات منذ أكثر من عشرين عامًا، وهل يعقل أن يدخل المجلس الوطني ممثلون عن اتحاد الطلبة على سبيل المثال قبل عشرين عامًا ويحافظوا على عضويتهم كل هذه السنين وبالصفة نفسها حتى بعد أن تخرج أولادهم في الجامعات؟! على أن هذا لا ينبغي أن يكون وحده سببًا في تجريد المنظمة من شرعيتها، فتفريطها اللامحدود بحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف والذي تمثل باتفاقات مع الدولة العبرية تتناقض مع طموحات الشعب الفلسطيني كافٍ وحده لتجريدها من شرعية تمثيلها للشعب الفلسطيني.

 المثير للسخرية أن يختلف أعضاء المجلس المركزي حول تحديد تاريخ إعلان الدولة الفلسطينية حيث برزت ثلاثة اقتراحات بموعدها إما في السادس من سبتمبر المقبل أو بعد أسبوع (!) أي في 13 سبتمبر وهو الموعد المتفق عليه مع الحكومة الإسرائيلية لإبرام الاتفاق النهائي على بيع القضية الفلسطينية «وهو ما أقره المجلس أخيرًا» أو  15 نوفمبر المقبل الذي يصادف الذكرى 11 لإعلان الدولة الفلسطينية المستقلة، حيث تم ذلك الإعلان في اجتماع المجلس الوطني الذي عقد في الجزائر في نوفمبر 1988م، وكان تقديم الموعد أو تأخيره أسبوعًا أو شهرين سيقلب موازين القوى لصالح المفاوض الفلسطيني رأسًا على عقب!

 هناك تساؤلان يطرحان نفسيهما في هذا المقام: هل انتهت كل مشكلاتنا مع العدو الإسرائيلي وقد أوشك شهر أغسطس على القدوم دون أن ينفذ العدو حتى المرحلة الثالثة من اتفاق وأي ريفر، ناهيك عن الخلاف الذي لن يتم حله معه حول قضايا المرحلة النهائية؟ ثم لماذا هذا الاختلاف السطحي حول إعلان الدولة وقد أعلنها المجلس الوطني الفلسطيني قبل 12 عامًا واعترف بها على الورق أكثر من مائة دولة في العالم؟!

 مشكلة الشعب الفلسطيني باتت الآن ليس مع الطرف الصهيوني بل مع رئيس السلطة الفلسطينية الذي - كما يبدو - يحاول الدخول في سباق مع الموت فراح يقدم التنازل تلو الآخر عن حقوق لا يملك هو ولا فصيله حق التنازل عنها في سبيل الظفر بلقب رئيس جمهورية مهما كلف ذلك الشعب الفلسطيني والأمة العربية والاسلامية من ثمن.

 المعادلة باتت واضحة وهي أن عرفات يريد دولة بأي ثمن ومهما تكن مواصفاتها، بينما باراك عازم على عدم القبول بأي اتفاق مع السلطة الفلسطينية إلا إذا كان ذلك يزيد من قوة كيانه الغاصب كما صرح بذلك، وانطلاقًا من هذه المعادلة تبدو تهديدات مسؤولي السلطة  الفلسطينية لإسرائيل تكتيكية هدفها حمل باراك على الموافقة على أمنيات مسؤولي السلطة، بينما تبدو تهديدات باراك للسلطة حقيقية حيث هدد بأن أي إعلان للدولة الفلسطينية من جانب واحد سيدفعه إلى ضم المستوطنات اليهودية وكذلك مناطق وادي الأردن في الضفة الغربية إلى الكيان الغاصب.

 لهجة التهديد طغت على الخطاب الرسمي في كلا الجانبين وهو ما لاحظه المعلق السياسي الإسرائيلي زئيف شيف في صحيفة «هاآرتس» وأسماها «ثقافة التهديدات»! وقد استغرب شيف وحق له أن يفعل من التهديدات التي أطلقها قادة فتح بالعودة إلى الكفاح المسلح إذا ما رفضت الحكومة الإسرائيلية السماح بإعلان الدولة الفلسطينية، فبعد حالة الانهيار السياسي التي أصابت منظمة التحرير الفلسطينية خلال العقد المنصرم على وجه التحديد وبعد أن أحرقت السلطة سفنها على شواطئ أوسلو واستكهولم وواي ريفر وبعد أن أخمدت انتفاضة شعبية دامت ست سنوات يأتي عرفات ليهدد إسرائيل بمعركة كرامة جديدة وبيروت جديدة وانتفاضة جديدة.

 وفي ظل المهاترات السياسية والمفاوضات السرية التي تدور، تبدو الدولة التي يريدها الفلسطينيون بعيدة المنال.

 أما دولة الرئيس عرفات بثلث الضفة الغربية والجيوب المتناثرة فيها وبثلثي قطاع غزة وبدون القدس ومع بقاء اللاجئين الفلسطينيين في منافيهم القسرية، دولة بدون حدود وبدون موارد وبدون سيادة، هذه الدولة وبهذه الصفات تبدو الآن مشروعًا إسرائيليًا أكثر من كونها فكرة قيادة السلطة الفلسطينية.

أخطر ما في التهديدات الإسرائيلية الفلسطينية المتبادلة أنها تولد شعورًا عاطفيًا فلسطينيًا نحو قبول الدولة الفلسطينية مهما كان شكلها بعد أن نجح الطرف الإسرائيلي في حمل السلطة على الموافقة على الحل النهائي وفق تصوراته، لكنه شعور مؤقت سينتهي عندما تنجلي حقيقة الدولة الفلسطينية والدور الذي تلعبه في قتل القضية الفلسطينية!

الرابط المختصر :