العنوان تساؤلات وإجابات_ حق القرآن العظيم
الكاتب الشيخ عبد العزيز بن باز
تاريخ النشر الثلاثاء 18-مايو-1982
مشاهدات 70
نشر في العدد 571
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 18-مايو-1982
يتردد على ألسنة الكثير من المسلمين سؤال حول جواز استعمال أوراق الصحف والمجلات، التي تحوى بين جنباتها أحيانًا بعض آيات القرآن الكريم أو بعض الأحاديث النبوية، أو أي كلام فيه ذكر الله أو بعض أسمائه على سفرة الطعام، ثم رميها بين النفايات.
في هذا المقال «حق القرآن العظيم» يجيب فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية، على كل ما يدور حول هذا السؤال مبينًا رأي الشرع الحنيف فيه..
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين نبينا محمد، وعلى آلة وأصحابه أجمعين. أما بعد:
فإن القرآن كلام الله -تعالى- أنزله على عبده ورسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- ليكون هدى ونورًا للعالمين إلى يوم القيامة، وقد أكرم الله صدر هذه الأمة بحفظه في الصدور، والعمل به في جميع شئون الحياة، والتحاكم إليه في القليل والكثير، ولا يزال فضل الله -سبحانه- ينزل على بعض عباده، فيعطون القرآن حقه من التعظيم والتكريم حسًا ومعنى، ولكن هناك طوائف كبيرة وأعدادًا عظيمة ممن ينتسبون إلى الإسلام، حرمت من القيام بحق القرآن العظيم وما جاء عن الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأخشى أن ينطبق بحق كثير منهم قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا﴾ (الفرقان: 30)، إذ أصبح القرآن لدى كثير منهم مهجورًا، هجروا تلاوته وهجروا تدبره والعمل به، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولقد غفل كثير منهم عما يجب عليهم من تكريم كتاب الله وحفظه، إذ قصروا في مجال الحفظ والتدبر والعمل كما لم يقوموا بما يجب من التعظيم والتكريم لكلام رب العالمين، ولقد عمت بلاد المسلمين المنشورات والصحف والمجلات، وكثيرًا ما تشتمل على آيات من القرآن الكريم في غلافها أو داخلها، لكن قسمًا كبيرًا من المسلمين يقرأون تلك الصحف ثم يلقونها، فتجمع مع القمامة وتوطأ بالأقدام، بل قد يستعملها بعضهم لأغراض أخرى حتى تصيبها النجاسات والقاذورات، والله -سبحانه وتعالى- يقول عن كتابه الكريم: ﴿إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانٞ كَرِيمٞ فِي كِتَٰبٖ مَّكۡنُونٖ لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ (الواقعة: 77 - 80)، والآية دليل على أنه لا يجوز مس القرآن إلا إذا كان المسلم على طهارة، كما هو رأي الجمهور من أهل العلم، وفي حديث عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله -صلى الله عليه وسلم: أن «لا يمس القرآن إلا طاهر»، ويروى عن إبن عمران أن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر» وروى سلمان -رضي الله عنه- أنه قال: «لا يمس القرآن إلا المطهرون، فقرأ القرآن ولم يمس المصحف حين لم يكن على وضوء» وعن سعد أنه أمر ابنه بالوضوء لمس المصحف، فإذا كان هذا في مس القرآن العزيز، فكيف بمن يضع الصحف التي تشتمل على آيات من القرآن العزيز سفرة لطعامه، ثم يرمي بها في النفايات مع النجاسات والقاذورات، لا شك أن هذا امتهان لكتاب الله العزيز وكلامه المبين.
فالواجب على كل مسلم ومسلمة أن يحافظوا على الصحف والكتب، وغيرها مما فيه آيات قرآنية أو أحاديث نبوية، أو كلام فيه ذكر الله، أو بمعنى أسمائه -سبحانه- فيحفظها في مكان طاهر، وإذا استغنى عنها دفنها في أرض طاهرة أو أحرقها، ولا يجوز التساهل في ذلك، وحيث إن الكثير من الناس في غفلة عن هذا الأمر، وقد يقع في المحذور جهلًا منه بالحكم. رأيت كتابة هذه الكلمة تذكيرًا وبيانًا لما يجب على المسلمين العمل به تجاه كتاب الله وأسمائه وصفاته، وأحاديث رسوله -صلى الله عليه وسلم- وتحذيرًا من الوقوع فيما يغضب الله، ويتنافى مع مقام كلام رب العالمين من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأن يمنحنا جميعًا تعظيم كتابه وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، والعمل بهما وصيانتهما عن كل ما يسيء إليهما من قول أو فعل، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وآلة وصحبه وسلم.
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
ليلة القدر والإسراء والمعراج
هناك الكثير من المسائل الفقهية ترد «المجلة»، والملاحظ عليها أنها كانت تثار من قبل، ولا تزال تثار، وهي قريبة من الأسئلة التي وجهت لشيخ الإسلام «إبن تيمية» وهو الإمام المجاهد تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني الدمشقي، ناصر السنة وقاوم البدعة، مفتي الأمة وعلم الزهاد، صاحب التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها، حتى زادت مؤلفاته على ثلاثمائة مجلد، وكان سيفًا مسلولًا على المخالفين من الكفار وأهل الأهواء، وكانت وفاته -عليه رحمة الله- في قلعة دمشق سنة ٧٢٨ هـ.
وهذه بعض الأسئلة التي أجاب عليها:
سئل الإمام -رحمه الله- عن: «ليلة القدر» وليلة الإسراء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- أيهما أفضل؟
فأجاب: بأن ليلة الإسراء أفضل في حق النبي -صلى الله عليه وسلم-، وليلة القدر أفضل بالنسبة إلى الأمة، فحظ النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي اختص به ليلة المعراج منها أكمل من حظه من ليلة القدر.
وحظ الأمة من ليلة القدر أكمل من حظهم من ليلة المعراج، وإن كان لهم فيها أعظم حظ، لكن الفضل والشرف والرتبة العليا إنما حصلت فيها، لمن أسرى به -صلى الله عليه وسلم-.
هل تفطر المرأة الحامل؟
سئل رحمه الله: عن امرأة حامل رأت شيئًا شبه الحيض والدم مواظبها، وذكر القوابل أن المرأة تفطر لأجل منفعة الجنين، ولم يكن للمرأة ألم: فهل يجوز لها الفطر أم لا؟
فأجاب: إن كانت الحامل تخاف على جنينها فإنها تفطر وتقضي عن كل يوم يومًا، وتطعم عن كل يوم مسكينًا، رطلًا من خبز بأدمه، والله أعلم.
هل الاجتماع للذكر مع الجهر به بدعة؟
سئل رحمه الله عن: رجل الذكر على أهل الذكر يقول لهم: هذا الذكر بدعة وجهركم في الذكر بدعة، وهم يفتتحون بالقرآن ويختتمون، ثم يدعون للمسلمين الأحياء والأموات، ويجمعون التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والحوقلة، ويصلون على النبي -صلى الله عليه وسلم-..
فأجاب: الاجتماع لذكر الله واستماع كتابه والدعاء عمل صالح، وهو من أفضل القربات والعبادات في الأوقات، ففي الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض، فإذا مروا بقوم يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم» وذكر الحديث، وفيه «وجدناهم يسبحونك ويحمدونك» لكن ينبغي أن يكون هذا أحيانًا في بعض الأوقات والأمكنة، فلا يجعل سنة راتبة يحافظ عليها إلا ما سن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المداومة عليه في الجماعات: من الصلوات الخمس في الجماعات، ومن الجمعات والأعياد ونحو ذلك.
وأما محافظة الإنسان على أوراد له من الصلاة أو القراءة أو الذكر، أو الدعاء طرفي النهار وزلفًا من الليل وغير ذلك: فهذا سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والصالحين من عباد الله قديمًا وحديثًا، فما سن عمله على وجه الإجتماع كالمكتوبات: فعل كذلك، وما سن المداومة عليه على وجه الانفراد من الأوراد عمل كذلك، كما كان الصحابة -رضي الله عنهم- يجتمعون أحيانًا: يأمرون أحدهم يقرأ والباقون يستمعون، وكان عمر بن الخطاب يقول: يا أبا موسى ذكرنا ربنا، فيقرأ، وهم يستمعون، وكان من الصحابة من يقول: اجلسوا بنا نؤمن ساعة، وصلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بأصحابه التطوع في جماعة مرات، وخرج على الصحابة من أهل الصفة وفيهم قارئ يقرأ فجلس معهم يستمع.
وما يحصل عند السماع والذكر المشروع من وجل القلب ودمع العين واقشعرار الجسوم، فهذا أفضل الأحوال التي نطق بها الكتاب والسنة.
مجموع فتاوى ص ٥٢٠ – ٥٢١ - المجلد ۲۲
شيخ الإسلام أحمد بن تيمية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل