العنوان يوم عاشوراء في الدين الإسلامي
الكاتب محمد عبدالقادر محمد
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أكتوبر-1983
مشاهدات 57
نشر في العدد 640
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 11-أكتوبر-1983
هل ليوم عاشوراء اهتمام في الدين الإسلامي؟ وما هي الأمور التي يطالب بها المسلم في هذه المناسبة؟
محمد أحمد سالم- الكويت
وبعد إحالة السؤال إلى فضيلة الأستاذ الدكتور محمد عبد القادر رد بهذه الإجابة الوافية:
تتفاضل الأيام بما تحمله في جيوبها من أحداث وبمقدار جسامة الأحداث وشرفها، يكون شرف الأيام.
فيوم عرفة -مثلًا- يعتبر من أشرف الأيام. فالحج عرفة -كما ورد- وأكبر مجمع للمسلمين في الدنيا في يوم عرفة، والمولى -تبارك وتعالى- يتجلى على عبادة الحجاج يوم عرفة، ويباهي بهم الملائكة. ويشهدهم أنه قد غفر لهم.
وكذلك يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشر من المحرم هو يوم شريف فاضل، خلد ذكريات دينية على مدى الزمن، وتعاقب السنين، فمن مآثره:
١- أن الله -سبحانه وتعالى- نجي فيه سيدنا نوحًا -عليه السلام- ومن آمن معه من القليل من قومه، من الطوفان بالسفينة التي استوت بهم على جبل الجودي، وأغرق الذين كفروا برسالته من قومه وفيهم ابنه وزوجته.
ووردت قصة نوح مع قومه أكثر من مرة في القرآن الكريم، وكانت الإشارة بنجاته، وإغراق الظالمين بؤرة العبرة في القصة، وذلك لترسيخ العظة، وتأكيد الدرس: ﴿فأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الشعراء: ١١٩: ١٢٢).
١- ومن مآثر يوم عاشوراء، أنه هو اليوم الذي نجي الله تعالى فيه سيدنا موسى عليه السلام وقومه من عدوهم فرعون هذا الذي تبعهم ليستأصلهم، إذ كانوا شرذمة قليلة -كما وصفهم- وأشفق موسى وقومه منهم لما رأوهم. وطمأنهم موسى بنصر الله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ، وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الشعراء: ٦٣: ٦٨).
٢- بل إن قريشًا -في جاهليتها- كانت تكبر من يوم عاشوراء، وتعظمه، فتكسو فيه الكعبة المشرفة، ولعل ذلك مما انحدر إليها من شرائع السلف، من تعظيم هذا اليوم.
وبلغ من تعظيمها هذا اليوم، أنها كانت تصومه، ويروى عن عكرمة، أنه سئل عن ذلك، فقال: «أذنبت قريش ذنبًا في الجاهلية، فعظم في صدورهم، فقيل لهم: صوموا عاشوراء، يكفر ذلك».
وما كان سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بدعًا من الرسل، ففي شريعته تركزت شرائعهم، وفي دينه اكتملت الأديان، وكان الإسلام هو دين الله إلى يوم القيامة ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩).
وإن نجاة نوح وموسى -عليهما السلام- وإغراق قوم نوح، وفرعون ومن معه، وانتصار النبوة في شخص نوح وموسى، هو انتصار للدين كله، واندحار وإذلال للكفر وأهله، فلا غرابة في أن يشيد النبي -صلى الله عليه وسلم- بيوم عاشوراء، ويحيي ذكراه ويفيض عليه من الاهتمام والتنويه ما يليق به ويخصه بما يبرزه في الأيام، ويظهر فيه الفرح والسرور بنصرة الإسلام وأنبياء الله.
فمما شرع في يوم عاشوراء: التوسعة على الأهل والعيال والزيادة في وظائف المعاش، من الغذاء والكساء. وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أغرق الدنيا بالطوفان، ولم يبق إلا سفينة نوح -عليه السلام- بمن فيها، فرد الله عليهم دنياهم يوم عاشوراء، وأمروا بالهبوط للتأهب للعيال، في أمر معاشهم بسلام وبركات عليهم وعلى من في أصلابهم من الموحدين.
فجاء في الحديث: «من وسع على عياله في يوم عاشوراء، وسع الله عليه في سنته كلها». وأشار السيوطي في الجامع الصغير إلى أنه حديث صحيح. رواه الطبراني في الأوسط، والبيهقي في شعب الإيمان.
وروي عن جابر -رضي الله عنه- أنه قال: «جربته أربعين عامًا فلم يتخلف». ويقول ابن عابدين -رحمه الله- فيما ينقله عن صاحب النهر في حاشيته المشهورة المعروفة: (٢/ ١١٤): «وأما حديث التوسعة فرواه الثقات، وقد أفرده ابن القرافي في جزء خرجه فيه». ثم قال بعد ذلك: «حديث التوسعة ثابت صحيح كما قاله الحافظ السيوطي في الدرر».
ويسن الصوم في يوم عاشوراء، عند جميع الفقهاء، لم يخالف في سنيته أحد، إذ ثبت في الحديث الصحيح المتفق عليه، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- «المدينة» فرأى اليهود تصوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: يوم صالح، نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، فقال: أنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه».
وفي حديث ابن عمر المتفق عليه أيضًا -رضي الله عنهما- أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صامه والمسلمون، قبل أن يفرض رمضان، فلما فرض رمضان قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «إن يوم عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه».
وهناك أحاديث أخرى أيضًا، كلها - كما يقول الشيخ الإمام ابن تيمية - رحمه الله - «وأكثرها يدل على أن صومه وجب، ثم نسخ، وقد يُقال: كيف يرجع النبي -صلى الله عليه وسلم- في صوم يوم عاشوراء إلى اليهود وهو يوحى إليه، وهم من هم في التحريف وعداء المسلمين؟
والجواب عن هذا من وجوه:
الأول: أنه -عليه الصلاة والسلام- أوحي إليه في هذا أنهم كانوا صادقين.
الثاني: أنه تواتر الخبر عنده في شرعية صومهم عاشوراء.
الثالث: أنه أخبره بذلك من أسلم منهم، كابن سلام.
الرابع: أن في حديث عائشة الصحيح: «كان يوم عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصومه؟ فلما قدم المدينة صامه وأمر الناس بصيامه...» ما يدل على أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يبدأ صوم عاشوراء في المدينة، بل كان يصومه قبل ذلك، فلم يحدث له بقول اليهود حكم جديد، ولا تشريع جديد.
وفي هذا يقول القرطبي -رحمه الله- «وعلى كل حال، فلم يصمه اقتداء بهم، فإنه كان يصومه قبل ذلك، وكان ذلك في الوقت الذي يجب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه».
وقرر الشوكاني -رحمه الله- أنه «يؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبًا، لثبوت الأمر بصومه».
ويرى شيخ المفسرين الإمام محمد بن جرير الطبري -رحمه الله- أن أول ما فرض الصوم، أيامًا من كل شهر، وصوم عاشوراء، لكن المسلم كان مخيرًا فيه بين الصوم، وبين الفطر وإخراج الفدية، وهذا قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (البقرة: ١٨٤).
حتى إذا ألف المسلمون الصوم، فرض عليهم صوم رمضان، ولم يستثن منه إلا المريض والمسافر. فهذا قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة: ١٨٤).
وهذا بلا ريب فهم سديد وتأويل سليم للتعارض الظاهر بين الآيتين. وهو مروي أيضًا عن بعض الصحابة.
وقطعًا لشبهة التأسي باليهود، أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- مع ذلك، بصوم يوم قبل عاشوراء ويوم بعده.
وجاء في حديث الإمام أحمد -رضى الله عنه- ومسلم أيضًا: «... لئن بقيت إلى قابل لأصومن من التاسع».
وفي رواية أحمد: «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود، صوموا قبله يومًا، وبعده يومًا».
فهذا يدل على مشروعية صوم يوم قبل عاشوراء ويوم بعده، ونص الحديث على أنه مخالفة لليهود الذين لا يصومون إلا عاشوراء فقط.
وهناك كلمة أخرى في زيادة اليومين، وهي التأكد من صوم يوم عاشوراء لاحتمال زيادة الشهر ونقصه فيصوم الثلاثة الأيام، يحصل التأكد والقطع من صوم يوم عاشوراء، مع احتمال الزيادة والنقص في الشهر.
ويمكن القول: إن صوم عاشوراء له ثلاث مراتب:
أولها: صومه، وصوم يوم قبله ويوم بعده، وهذا هو الأفضل والأتم.
الثاني: صوم عاشوراء، ويوم التاسع معه، وهذا هو السنة التي همّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يفعلها، لولا أن وافاه الأجل.
الثالث: صوم يوم عاشوراء فقط بدون يوم قبله أو بعده، وقد صرح الحنفية بكراهته تنزيها، وعلله صاحب المحيط منهم -كما نقله عنه ابن عابدين- رحمه الله- (2/ 84) بأنه تشبه باليهود.
وبالجملة، فقد ورد في صيام يوم عرفة حديث: «إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده» وورد في صيام يوم عاشوراء: «إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله».
فقال الشيخ الإمام القليوبي من كبار الشافعية في حاشيته على شرح المحلى (٢/ ٧٣): «وحكمة كون عرفة تكفر سنتين، لأنه من خصائص هذه الأمة، بخلاف عاشوراء، لمشاركة قوم موسى -صلى الله عليه وسلم-».
والتكفير للذنوب الصغائر التي لا تتعلق بالآدمي.
ویری ابن المنذر تعميم التكفير في الكبائر أيضًا، وهو قول صاحب الذخائر، إذ قال: التخصيص بالصغائر تحكم، وعفو الله واسع. وهذا أيضًا مختار الإمام الشيخ الرملي. هذا ومن عجيب المقادير أن يقع مقتل سيد الشهداء الإمام أبي عبد الله الحسين -رضي الله تعالى عنه- يوم عاشوراء، ويتخذ بعض أهل الفرق المسلمة من هذا اليوم، مناحة وأسفًا، وربما وقع بعض العوام، في مخالفات محرمة، وبدع منهي عنها: من لطم الخدود، وشق الجيوب، وضرب الصدور، وهذه كلها من المحدثات، ورواسب الجاهلية. نسأل الله الهداية والتوفيق لتطبيق السنة، التي لا تتجاوز حزن القلب، ودمع العين.
وإنا لنأسف بالغ الأسف لإراقة دماء المسلمين الزكية، في الماضي والحاضر، ونستنكر هذه الحروب الدامية في الماضي والحاضر، للتشبث بالحكم، أو الحرص على الإمارة، والتي كانت في السلف عن اجتهاد ودين، ولا نعرف لها وصفًا، ولا نجد لها طعمًا، ولا نحس لها مذهبًا في أيامنا، سوى إضعاف المسلمين. وإتلاف قدراتهم وإمكاناتهم، وإرضاء الكفار، وإنعاش العدو، وتنفيذ مخططات الشرق والغرب لإبادة الموحدين...
ونذكر بمناسبة عاشوراء وشهيدها الخالد التالد، وأرواح شهداء مذابح وحروب المسلمين بموقف السبط الإمام الحسن -رضى الله عنه- من الإمامة وخلافة المسلمين، ذلك الموقف التاريخي المشهود المخلد، فقد بويع بالخلافة بعد مقتل أبيه الإمام علي -كرم الله وجهه- فصعد المنبر، وحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس: إن كان هذا الأمر، يعني الخلافة، حقًا لمعاوية فهو أحق به مني، وإن كان حقًا لي، فإني تنازلت له عنه رغبة في صلاح الأمة، وحقن دمائها ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾ (الأنبياء: ١١١).
ثم نزل وظهرت المعجزة النبوية، في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين».
رضي الله عن موالينا الحسن وأخيه، وأمه وأبيه وعن الصحابة أجمعين، وصلى الله وسلم على خير خلقه سيدنا محمد رسول الله وإخوانه من الأنبياء ورسل الله، صفوة خلقه، وخيرة عباده، ومن اهتدى بهديهم. وسار على طريقتهم، واتبع سنتهم إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.