العنوان تساؤلات ورؤية لخطاب الرئيس الفرنسي (1من2)
الكاتب محمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 16-أبريل-1996
مشاهدات 112
نشر في العدد 1196
نشر في الصفحة 17
الثلاثاء 16-أبريل-1996
الخطاب الذي ألقاه الرئيس «جاك شيراك» رئيس الجمهورية الفرنسية في جامعة القاهرة، يوم الاثنين الثامن من إبريل الجاري يحمل دلالات إيجابية، فهو خطاب واثق وواعد للمنطقة العربية من وجهة النظر الفرنسية، إلا أنه في نفس الوقت يثير مجموعة من التساؤلات من جهة، ويعزز عند المراقبين السياسيين الرؤية عن سباق المصالح والصراع في تقاسم النفوذ السياسي والاقتصادي للمنطقة العربية «كأحد الأقاليم»، بين أوروبا والولايات المتحدة من جهة أخرى.
ويمكن أن نؤجل للعدد القادم الكلام عن نيابة فرنسا في التحدث عن قيادة أوروبا الموحدة كقطب مواز لنفوذ الولايات المتحدة في أقاليم متعددة من العالم، إلا أنه نود أن نثير التساؤلات على مجموعة من فقرات الخطاب الذي تلاه الرئيس «جاك شيراك»:
الأول: فقد أيد الرئيس «شيراك» اقتراح الرئيس «مبارك» أن تكون المنطقة منزوعة من سلاح الدمار الشامل، واقترح لذلك آليات للرصد والتحكم مع تدابير لبناء الثقة، وآليات لتسوية النزاعات.
والتساؤل هنا: إذا كانت فرنسا حريصة على ذلك ما الذي يمنعها من إلغاء اتفاقية التعاون الذري مع إسرائيل التي وقعت عام ١٩٥٣م، والتي من خلالها استطاعت إسرائيل أن تبني قوتها النووية في المنطقة، وتجعلها على شفير جهنم مدمر؟! ألا تشعر فرنسا بالذنب الذي اقترفته، وذلك بمساندة إسرائيل بوضع المنطقة تحت ضغط (200) صاروخ نووي إسرائيلي موجه ضد العرب؟! هذا من جهة، ومن جهة أخرى لماذا أعيد التعاون العسكري في العام الماضي بين إسرائيل وفرنسا بعد حظر الأسلحة الذي فرضه الجنرال ديجول؟! إن آلية بناء العدل والثقة التي ينادي بها الرئيس شيراك يفترض أن تهيئ الأجواء لتدمير أسلحة إسرائيل النووية لأنها الوحيدة التي تملكها في المنطقة، فهل حقًا تملك فرنسا وأوروبا الموحدة ذلك؟
الثاني: ما يعلنه الرئيس شيراك في خطابه أن يستعيد العراق مكانته في الأسرة الدولية عن طريق الالتزام بقرارات مجلس الأمن والدعوة إلى رفع العقوبات عند التزام العراق بها، ومع إصرار الرئيس شيراك في خطابه عن «المجتمع الدولي لا يمكنه أن يبقى مكتوف الأيدي أمام تدهور الأوضاع الإنسانية في العراق» إلا أننا نرى أن سباق النفوذ الاقتصادي الفرنسي في العراق يحكم سياسة فرنسا عمليًا، حيث تواصل الشركات النفطية الفرنسية مثل «توتال» و«ألف أکیتن» مساعيها في العراق، حيث تم الاتفاق مع (3) شركات نفطية كبرى لشراء النفط وشركة لنقل وتصدير البترول العراقي عن طريق الأنابيب، ويتسابق رجال الأعمال الفرنسيين لإبرام العقود التجارية المختلفة، وتساند الحكومة الفرنسية الجهود الصناعية الفرنسية لإعادة الاستثمار داخل العراق والسيطرة على أسواق العراق في مرحلة ما بعد رفع الحظر.
وقد وقعت العراق مع شركة «إيرباص»، وحدها عقدًا بقيمة (6 بلايين) دولار لشراء أسطول طائرات جديدة، بالإضافة إلى عقود إعادة بناء وإصلاح السنترالات العراقية وشبكة الهواتف، ومحطات الطاقة.
عدا ما أقدمت عليه فرنسا من فتح مكتب لرعاية المصالح الفرنسية وإعادة العلاقات الدبلوماسية مع العراق في يناير العام الماضي.
فإذا كان النظام العراقي يستفيد من هذه الفرص، فكيف يتسنى له أن يلتزم بالقرارات الدولية أو أن ينقذ حياة الإنسان في العراق؟
الثالث: تغزّل كثيرًا الرئيس شيراك بالعلاقات التاريخية بين مصر وفرنسا، وكذلك المنطقة العربية، خصوصًا منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، وأكد على دور مصر «ملتقى الطرق الكبرى للفكر والعقل والروح، التي ولدت فيه ديانات أهل الكتاب الثلاث»، وقد أكد الرئيس الفرنسي على مبادئ كبرى لرؤية العلاقات بين فرنسا وأوروبا والعالم العربي والبحر الأبيض المتوسط، فيما يتعلق بالاحترام المقبول لشخصية الآخر وهويته، لكننا بالرغم من الفكرة الإيجابية والروح التي أبداها الرئيس شيراك، إلا أننا نستغرب من واقع الحال التعليمي والفكري والإعلامي الذي يصبغ العقل الفرنسي ويرسم صورة الإسلام والعرب والإنسان العربي في المنهج الفرنسي، والتعليم الذي يتبناه العقل الفرنسي إلى مرحلة تخرجه في نهاية السلم التعليمي، حيث يبني حقائق سلبية وحاقدة ومدمرة على روح التعايش واحترام الهوية.
وقد سبق أن أشرت إلى هذا الموضوع في مقال سابق، فإنه بتحليل (٥٨) كتابًا مدرسيًا لمختلف المراحل الدراسية في فرنسا في مواد التاريخ، والقراءة والتربية المدنية، قامت بهذا التحليل الكاتبة «مادلين نصر»، وصدر عام ١٩٩٥م، حيث يُظهر العرب كفوضويين ومستعمرين، وأناس دونيين وعبيد شهوة، وناقصين في أخلاقهم، ومتخلفين، أما الدين الإسلامي وهو المرتكز الرئيسي للهوية التي نادى بها شيراك باحترامها، فإن هذا الدين في المنهج الفرنسي ما هو إلا دين التوسع العسكري والانقسامات السياسية والحروب بين الطوائف والخضوع والعبودية.
أما الدلالات الإيجابية التي أفرزها الخطاب، فإنها تحتاج إلى آليات حقيقية وواقعية قد تحقق مصالح فرنسا وأوروبا في المنطقة العربية في مرحلة مواجهة القطب الآخر «الولايات المتحدة» إلا أنها في الحقيقة لا تخلق تعايشًا حضاريًا متكافئًا.. وللحديث صلة في العدد القادم.