; عناصر آخر المؤامرات العلمانية ضد تركيا: تتريك الدين الإسلامي وتشكيل جبهة إسلامية لمواجهة الرفاه... وقرآن بديل للعلويين | مجلة المجتمع

العنوان عناصر آخر المؤامرات العلمانية ضد تركيا: تتريك الدين الإسلامي وتشكيل جبهة إسلامية لمواجهة الرفاه... وقرآن بديل للعلويين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1995

مشاهدات 60

نشر في العدد 1157

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 11-يوليو-1995

* دميريل يدعو لمنفستو إسلامي يستهدف تتريك الدين تحت شعار حقيقه الإسلام.

* العلمانيون يحاولون توظيف الطرق الصوفية والجماعات الإسلامية ضد الرفاه لتفتيت الأصوات الإسلامية.

* «آلترناتيف قرآن» نص عربي صحيح، وتفسير مغلوط يخدم الأهداف العلوية.

اسطنبول: محمد العباسي

معركة الدين والعلمانية في تركيا لا تنتهي أبدًا، وإن كانت تأخذ أشكالًا مختلفة، إلا أن هدفها واحد، وعلى الرغم من أن الدين يقف في موضع دفاعي في تركيا منذ تأسيس الجمهورية عام ١٩٢٣م، إلا أنه هزم الهجمات المدعومة بسلطة الدولة، وترسانات القوانين في كل المعارك السابقة، وهو بالقطع ما سيحدث هذه المرة أيضًا، رغم أن الهجوم الأخير يشن على ثلاث جبهات، ويقود سليمان دميريل- رئيس الجمهورية- جحافل القوى العلمانية على الجبهة الدينية ويستهدف تتريك الدين الإسلامي!!

أما تانسو تشيللر- رئيسة الوزراء- وباقي زعماء الأحزاب السياسية فيقودون الهجوم على الجبهة السياسية بهدف إضعاف حزب الرفاه الإسلامي بزعامة نجم الدين أربكان، الذي تشير كافة استطلاعات الرأي العام أنه سيفوز في الانتخابات البرلمانية المقبلة عام ١٩٩٦م، ولذلك لا يتورع الساسة الأتراك رغم علمانيتهم المفرطة عن السعي لتشكيل تحالف إسلامي من القوى الإسلامية الأخرى لمواجهة حزب الرفاه، وبالتالي تفتيت الأصوات الإسلامية، مما يعود بالنفع على الأحزاب العلمانية التي يمكنها الاستمرار في الحكم لحين نجاح دميريل في فرض الإسلام القُطْري، الذي يخدم السلطة العلمانية، أو البحث عن وسيلة أخرى لامتصاص قوة الزخم الإسلامي دون إسالة دماء، وهو ما نجح فيه الأتراك العلمانيون حتى الآن.

والجبهة العلوية هي الثالثة التي يتم تحريك القوى العلمانية عليها، إذ صدر مؤخرًا نسخة من القرآن الكريم أسموها القرآن البديل، أو وفقًا للنص التركي آلترناتيف قرآن «Al-Ternutif Kuraan»، وإذا كان النص العربي لم يتم تغييره، إلا أن التفسير كان مختلفًا بشكل كبير، وهو ما تم مناقشته في محطة تلفاز HBB وتناولته الصحف، وأحدث ردود فعل عنيفة، وإثارة ذلك الموضوع يستهدف الطعن في القرآن من ناحية، وإحداث فتنة سنية- علوية من ناحية أخرى تقتضي تدخل الجيش، وبالتالي تفويت الفرصة على حزب الرفاه من الوصول إلى السلطة، ومحاولة إقناع الجماهير بأن الدين أصبح عامل توتر بين الشعب التركي، وليس عامل توحيد كما هو المفروض.

الإسلامي العلماني

يأتي كل ذلك التحرك الخطير على أرضية مناقشة ملف الإصلاحات الدستورية، والذي تصر الدول الأوروبية على إنجازها قبل نهاية العام الجاري كشرط لإدخال تركيا الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي عام ١٩٩٦م.

ويعتبر حزب الرفاه ومجموعة من النواب الإسلاميين الآخرين المنتسبين لأحزاب أخرى هم العقبة أمام تحقيق ذلك؛ لإصررهم على إلغاء الفقرة الأخيرة من المادة 24 من الدستور، والتي تحمي العلمانية وتعادي الدين، وبالتالي فإن تلك الهجمات على مختلف الجبهات تعتبر نوعًا من الإرهاب السياسي والفكري ضد حزب الرفاه، وحليفه السري في مجلس الشعب التركي.

وحتى يمكن فهم واستيعاب الصورة بشكل أدق، يجب تفكيك عناصرها على مختلف الجبهات، ففي الجبهة الأولى أصدر سليمان دميريل تعليماته إلى مجلس التعليم الأعلى لتشكيل لجنة من 6 علماء لإعداد «منفستو إسلامي»- على حد قوله- لشرح حقيقة الإسلام وطرحه للشعب، وتدريسه في مدارس الأئمة والخطباء الثانوية وكليات الإلهيات، وتم بالفعل- وبسرعة البرق- صدور الجزء الأول من الكتاب تحت اسم «حقيقة الإسلام»، وهو ما يستهدف- وفقًا لما أعلنه دميريل- شرح الدين الإسلامي الحقيقي، وينهى عن التشاحن بين الطرق والفرق والمذاهب، وتم طرح 125 ألف نسخة منه للبيع في طبعته الأولى.

الإسلام القُطْري

ويرى الكاتب الصحفي مصطفى أوزجان أن محاولة الرئيس دميريل ستفشل مثل غيرها، إذ إن محاولة شرح الدين وتفسير القرآن بما يتلاءم مع مصالح الدولة قد فشلت في الماضي، سواء في تركيا أو غيرها، ويضيف أوزجان في شرحه للموضوع لـ «المجتمع» أن سليمان دميريل يستهدف أن يكون لتركيا الدولة القومية الحالية دينها القومي، إذ إنه بعد سقوط الخلافة في العالم الإسلامي بدأت مرحلة الدولة القومية، ولم تنجح في معظمها بسبب الدين الجامع للمسلمين، لذلك يفكرون في الدين القومي، إذ أن الغرب يريد إسلامًا قطريًّا لا عالميًّا، حتى لا يكون هناك رابط بين الدول الإسلامية التي يخشى وحدتها.

ويقول أوزجان: «إن الإسلام السياسي القوي في تركيا اليوم يخيف الغرب، ولكي يتم منع تفاقم قوته يدفعون رجالهم لإيجاد إسلام بديل بملامح قطرية تلائم تركيا، وذلك بهدف إضعافها وإبعادها عن إطارها الإسلامي، خاصة بعدما فشلوا في علمنتها وتنصيرها خلال أكثر من ٧٠ عامًا». 

ويؤكد مصطفى أوزجان أن تلك المحاولات مصيرها الفشل، ودليل ذلك أن المبادئ الخمسة «بانشاسيلا» في إندونيسيا لم تنجح حتى الآن في أن تكون بديلًا عن الإسلام، وهو ما تحاول تركيا أن تقتفي أثره رغم فشل التجربة الإندونيسية، فالدين لا تصنعه الدول؛ لأنه منزل من عند الله.

وبالطبع فإن محاولة دميريل تستهدف في الأساس طلاب المدارس الثانوية الدينية، والتي كان حزب الرفاه عندما كان في الحكم في السبعينيات في ائتلاف حكومي، وكان يسمى آنذاك «حزب السلامة» وراء إنشاء تلك المدارس التي أحدثت نهضة دينية وصحوة إسلامية يمكن رصدها حاليًا، وكذلك طلاب كليات الإلهيات ليتخرج منها إمامًا تابعًا فكريًا وماديًا للدولة العلمانية، إذ إن الهدف من خطة «الإسلام الحقيقي» أو حقيقة الإسلام في رواية أخرى احتواء ثمار مشروع الرفاه وإفسادها، ومن خلالهم يمكن الترويج للبانشاسيلا التركية.

والعجيب في الأمر أن ردود فعل محاولات دميريل لا ترقى إلى خطورتها، بل إن الكثير من الساسة والمفكرين الإسلاميين يرفضون إعلان معارضتهم؛ حتى لا تقوى المحاولة، ويرون أنها ستنتهي مثل سابقتها إلى الفشل.

الجبهة السياسية

أما ما يحدث على الجبهة السياسية فهو أكثر خطورة، ففتح الله جولان إمام جماعة النورسيين التي تضم الملايين من الأتباع، وهو زعيم القسم الأعظم من الجماعة التي انقسمت إلى ٤ مجموعات، وإن كانت تتبنى جميعًا مفاهيم وأفكار سعيد النورسي، الذي حفظ إسلام تركيا من الضياع، أصبح محجًا للزعماء السياسيين، ونجمًا ساطعًا يلتقطون الصور بجواره، وذلك بهدف الحصول على شرعية في الوسط الإسلامي من خلال التقرب من «جولان» صاحب التأثير القوي في تركيا، والذي بالطبع يستفيد من محاولات الساسة؛ لأنها تعني في النهاية قوة التوجه الإسلامي أيًا كان لونه في تركيا، وهو ما سيزيدها قوة على قوة، ويدفع أتباع السلطة الذين يتبعونها خوفًا منها إلى اتباع جماعته، مما سيزيد من شعبيته، ويتصارع حزب الطريق القويم والوطن الأم اليمينيين على نيل رضا «جولان»، وإن كان حكمت شتين- زعيم حزب الشعب الجمهوري- لم يترك الركب لهما.

وتحاول القوى العلمانية دعم محاولات الدكتور أسعد جوشان لتشكيل جبهة ديمقراطية إسلامية يتم جمع أتباع الطرق الصوفية والجماعات الإسلامية المختلفة تحت مظلتها، وإسناد مسؤوليتها السياسية، إما إلى كوركوت أوزال- شقيق الرئيس الراحل تورجوت أوزال- وكان من رجال أربكان السابقين، أو إلى محسن يازي أوغلي- زعيم حزب الوحدة الكبير «قومي ذو اتجاه إسلامي»- لتكون جبهة إسلامية في مواجهة حزب الرفاه، وبذلك يتم تفتيت الأصوات الإسلامية بين الحزبين، مما يعود بالنفع على الأحزاب العلمانية.

الجبهة العلوية

أما الجبهة العلوية، فقد تم طرح القرآن البديل عليها مثلما طرح دميريل الإسلام التركي على الجبهة السنية مع اختلاف المسميات، إذ صدر في الأسواق في شهر يونيو قرآن مكتوب عليه «آلترناتيف قرآن»، فإذا ما تصفحه القارئ سيرى أن النص الأصلي العربي كما هو- بدون أي تغيير- إذ إنه اعتمد على مصحف طبعته رئاسته الدينية، إلا أن هناك اختلافًا كبيرًا في التفسير والشرح بالتركية، وهو ما أدى إلى العودة لترديد مقولة «مصحف فاطمة» في الشارع التركي، إلا أن الدكتور حسن أونات- الأستاذ بكلية الإلهيات- رد على ذلك بأنه لا يوجد إلا قرآن واحد، ولا يوجد مصحف باسم مصحف فاطمة لا في المصادر الشيعية أو السنية.

وقال محمد نوري يلماظ- رئيس إدارة الشؤون الدينية- إن استخدام لفظ «آلترناتيف قرآن» خطأ عظيم، وأنه سيحيل الكتاب وما ورد فيه إلى لجنة تحقيق.

وجاء رد الفعل العلوي على الكتاب من حسن مشالي- رئيس لجنة التعريف بثقافة الوالي حاجي بكداش العلوية- إذ وصف عملية خروج أو إصدار قرآن من أجل العلويين، بأنه أمر خطير للغاية، وجزء من لعبة قذرة وسوداء لضرب العلويين، ويأتي في إطار الاستعدادات الجارية لإيجاد أرضية للصراع السني- العلوي، لأنه عندما تظهر ادعاءات مثل تلك، فإنها تعني أن العلويين خارجين عن الإسلام، وأشار إلى أن التناول الإعلامي للموضوع يمثل خطورة، كالقول بأن ذلك القرآن «المنشور» كتب من أجل العلويين، وأنه تم رفع الآيات المرتبطة بالإمام علي وآل البيت من القرآن الحالي، وهذا الأمر ليس صحيحًا، فكل ما في الأمر أن هناك وجهة نظر تفسيرية حول آل البيت لدى العلويين.

البعد التاريخي والسياسي للمشكلة العلوية

وعمومًا ترجع خطورة المشكلة العلوية في تركيا إلى كونها ذات بعد تاريخي في تركيا، وإلى توظيف القوى المعادية لتركيا لتحريك العلويين ضد الدولة التي يرونها تدافع عن المصالح السنية، إذ إن العلويين لعبوا دور القوى المعارضة للسلطة العثمانية، وقادها بير سلطان عبدال قبل أكثر من ٤٠٠ سنة، وكان السلطان سليم قد أصدر أمرًا بتصفيتهم جسديًا بناء على فتوى دينية، وهو ما يشكل جرحًا وجدانيًا لدى العلويين حتى الآن، ولم يشعر العلويون براحة إلا مع مجيء أتاتورك الذين تعاونوا معه، خاصة بعد زيارته لقبر حاجي بكداش عام ١٩١٩م، بل إنه تم اختيار شلبي جمال الدين أفندي «علوي» نائبًا لرئيس مجلس الأمة الكبير في إبريل عام ١٩٢٠م، وظل العلويون حتى عام ١٩٥٠م في حالة هدوء، لحين وصول عدنان مندريس للسلطة، وكان ذا توجه إسلامي مما أثار قلقهم، وعند حدوث انقلاب عام ١٩٦٠م، انخرطوا في حزب الشعب الجمهوري الذي كان أتاتورك قد أسسه، وفي عام ١٩٦٦م جربوا حظهم بتشكيل حزب طائفي تحت اسم الوحدة، إلا أنه لم يحصل إلا على ١٥ مقعدًا، مما دفعهم إلى العودة إلى الشعب الجمهوري، والذي له حاليا ٦٥ نائبًا منهم ١٦ علويًا أيضًا، وهو الأمر الذي يثيرهم سياسيًا، خاصة وأنهم يقدرون تعدادهم بـ۲۰ مليونًا معظمهم من العرق التركي من عدد سكان تركيا البالغ ٦٠ مليونًا، وإن كان التقدير الصحيح لهم ما بين ۱۰- ۱۲ مليونًا فقط، وخطورة الموقف تكمن حاليًا في وجود منظمة تدعى كيزل يول «الممر الأحمر» تدعو إلى إقامة دولة علوية مستقلة مثلما يفعل الأكراد، إلا أن ذلك أمر صعب، ولذلك يستغل العلويون أي حادث يصاب فيه علويٌّ للقيام بشغب بهدف إبراز أنفسهم كمضطهدين مثلما يحدث في قهرمان مرعش ۱۹۷۸م، وفي سيواس ۱۹۹۳م، ومحلة غازي في اسطنبول ١٩٩٥م، ويتم حاليًا تداول إنشاء حزب علوي.

ويطالب العلويون حاليًا بالاعتراف بهويتهم في برامج الأحزاب التركية والقرارات الحكومية، والمشاركة في رئاسة شؤون الديانة التي تقتصر على السنة، ومنع إقامة المساجد في القرى العلوية، مع تخصيص أماكن في المدن الكبرى للعلويين لإقامة معابدهم المعروفة باسم «بيت الجمع»، وإقامة معاهد للدراسات العلوية، وإلغاء أيديولوجية الدولة السنية، ورفع يد الدولة عن دعم الديانة، وقيام الجماعات المختلفة بالإنفاق على أنشطتها الدينية، وتطبيق كل المفاهيم العلمانية، ومعاقبة كل من يخرج عليها أو على المبادئ الديمقراطية، وإلغاء التعليم الديني السني، بهدف تحقيق السلام الاجتماعي، وتغيير المواد الدستورية في دستور ۱۹۸۲م، التي تعرقل العلمانية، وتوسيع حقوق المواطنة، ووضع حد للحاكمية العرقية، وتطبيق كل المعاهدات الدولية في تركيا من دون قيد أو شرط.

وبالطبع فإن معظم هذه المطالب والمدعوم بعضها من جانب الرئيس دميريل، والمدعومة سياسيًا من حزب الشعب الجمهوري الشريك الأصغر في الحكومة والرئيس دميريل، ويدعمها كذلك ۳۰۰ جمعية علوية في الداخل والخارج، تؤكد أن أية مصادمة طائفية ممكن أن تعرض تركيا لمذبحة سنية- علوية، وحريق طائفي لا يمكن إخماده، ومن الممكن أن يكون الآلترناتيف قرآن عود الثقاب الذي يشعل ذلك الحريق، خاصة وأن الأعواد قد جفت رغم ما سكب عليها من مئات البراميل من النفط عبر الأحداث الأخيرة.

الرابط المختصر :