العنوان تركيا.. و«طريق الأشواك» إلى الاتحاد الأوروبي
الكاتب أورخان محمد علي
تاريخ النشر السبت 29-أكتوبر-2005
مشاهدات 77
نشر في العدد 1675
نشر في الصفحة 32
السبت 29-أكتوبر-2005
■ التخلص من هيمنة العسكر على الحياة السياسية أهم المكاسب التي ستحققها تركيا من الانضمام.
■ الخوف من فقدان الأصالة والتخلي عن التقاليد والأعراف والذوبان في مستنقع الحياة الأوربية.
■ خشية أوربية من النمو السكاني التركي المتزايد ومن هجرة عمالية كبيرة إلى الاتحاد مما سيؤدي إلى تفاقم مشكلة البطالة.
■ يقبع حاليًا في سجون فرنسا وألمانيا وبريطانيا عشرات الآلاف من العمال الأتراك.
بعد ٤٢ عامًا من المسيرة الطويلة لتركيا وطرقها باب الاتحاد الأوربي وبعد أطول ليلة مرت عليها في الثالث من أكتوبر الجاري، قبل الاتحاد الأوربي الجلوس معها على مائدة المفاوضات على أساس العضوية الكاملة وليس على أساس الشراكة المتميزة، بينما عاندت النمسا طوال تلك الليلة وحاولت وضع العراقيل أمام العضوية الكاملة لتركيا مع أن دول الاتحاد الأخرى ٢٤ دولة أوربية كانت في صف تركيا لا سيما بريطانيا التي هي رئيسة هذه الدورة، ولما كان اتخاذ القرارات يجب أن يتم بالإجماع وليس بأكثرية الأصوات استطاعت النمسا وحدها العناد وأخرت إعطاء موافقتها ولكنها لم تستطع في اليوم الثاني تحمل الضغوط الدولية عليها فوافقت مضطرة.
وقفت النمسا وحدها وهي دولة صغيرة يبلغ عدد سكانها ٨ ملايين نسمة أمام جميع دول الاتحاد التي يقارب مجموع سكانها ٥٠٠ مليون نسمة فلماذا؟ قيل إن السبب يعود إلى رغبة النمسا في ابتزاز دول الاتحاد لكي تلغي قرارها بتأجيل التفاوض مع كرواتيا حول انضمامها للاتحاد إلا بعد قيامها بتسليم جنرال كرواتي متهم بمذابح جماعية ضد الصرب لكي تتم محاكمته كمجرم حرب أي أن النمسا استغلت ورقة تركيا كورقة ضغط، وقيل إن السبب يعود إلى رغبة رئيسة الوفد النمساوي في كسب شعبية لحزبها وقيل إن النمسا لم تنس بعد أن الأتراك طرقوا باب فبيينا وحاصروها مرتين وأن آثار كراهية الأتراك لا تزال عالقة في لا شعورها.
دخول الاتحاد: يقول المسؤولون الأتراك إن تركيا بلد آسيوي وأوربي في الوقت نفسه وأنها بموقعها الجغرافي الفريد القريب من البلقان والشرق الأوسط تعد جسرًا بين الشرق والغرب، وأنها بدخولها إلى الاتحاد الأوربي ستلعب دورًا مهمًا في ترسيخ التعاون بين الحضارات، لأن صراع الحضارات، سيكون بلاء على الإنسانية، كما ستقضي على شبهة أن الاتحاد الأوربي مجرد ناد مسيحي! أي سترفع عن دول الاتحاد الأوربي شبهة العنصرية الدينية التي لا تليق بأي دولة حديثة متحضرة مما سيقرب الاتحاد الأوربي من العالم الإسلامي ويزيد من الروابط بينهما.
ثم إن دخول تركيا لمثل هذا الاتحاد المهم بدوله التي ستقارب الثلاثين دولة بعد بضع سنوات سيزيد من وزنها السياسي في المنطقة وفي العالم أجمع. كما أن قيام تركيا بمساعدة من دول الاتحاد بتطبيق وتنفيذ المعايير الأوربية سيرفع من مستوى الحياة في تركيا في كل مفصل من مفاصل الحياة.
ومن أهم المشكلات التي ستواجه تركيا في تطبيق المعايير الأوربية: البيئة والقطاع الزراعي، إلا أن هناك تحليلات اقتصادية تشير إلى أن إصلاح البيئة في تركيا يتطلب ٢٢ مليار دولار على الأقل، لأن هناك معايير كثيرة في مسألة البيئة منها تأمين نظافة البحار والبحيرات والأنهار والجو والمحافظة على الغابات والمساحات الخضراء ونظافة القرى والمدن... إلخ على تركيا القيام بها قبل قبولها في الاتحاد.
أما في القطاع الزراعي فإن ٣٤% من سكان تركيا (۷۲ مليونًا) يعملون في هذا القطاع وهي نسبة كبيرة يجب تقليلها. ويبلغ معدل هذه النسبة في دول الاتحاد ٥% فقط. وعلى أنقرة زيادة الميكنة الزراعية واستخدام الطرق الحديثة في الزراعة لكي تخفض هذه النسبة لأن الاتحاد الأوربي لا يستطيع مساعدة القطاع الزراعي في تركيا وفيها هذا الجيش الجرار من الفلاحين.
وفي هذا الصدد تقول جريدة «دي فيلت الألمانية أنه لكي يمكن رفع مستوى الفلاحين الأتراك الفقراء وتحسين القطاع الزراعي نوعًا ما يجب صرف ۲۲ مليون يورو وهذا خارج قدرة الاتحاد حاليًا.
لذا فإن من المتوقع استمرار المفاوضات بين تركيا والاتحاد الأوربي لمدة ١٠ - ١٥ سنة تقوم تركيا خلالها بإصلاحات تقربها من المعايير الأوربية في القطاعات. لأن هذه المعايير جميع لا تنحصر في النواحي القانونية فقط مثل الحقوق الإنسانية وتوسيع الديمقراطية وحظر التعذيب... إلخ، بل يجب القيام بالإصلاحات الاقتصادية كذلك ورفع مستوى الشعب في جميع القطاعات ولا سيما في القطاع الزراعي وهو القطاع الأبعد عن المعايير الأوربية والأكثر حاجة إلى التمويل. لذا فإن وزارة الزراعة قامت بإنشاء ٤٨ مركزًا للبحوث الزراعية يعمل فيها ١٥٨ من حاملي شهادة الدكتوراة والماجستير المختصين في القطاع الزراعي وكيفية النهوض به ويعمل معهم ٢٨ مختصًا. وسيزيد هذا العدد. وهم يقومون بدراسات وجمع مختلف الإحصاءات حول الوضع الزراعي في تركيا ويقومون بالتخطيط لرفع مستوى الزراعة، لذا فإن مهمة تركيا صعبة جدًا، وتحتاج إلى مساعدة دول الاتحاد، وقد قام الاتحاد الأوربي بعد يد المساعدة لها في المشكلة الأخيرة التي أصابت تركيا وهي انتشار مرض أنفلونزا الطيور وأرسلت مختصين لتقديم العون العلمي وكيفية القضاء على هذا المرض.
الفائدة الأهم..
ولا تقتصر فائدة تركيا من الاتحاد على زيادة وزنها السياسي وقيام الاتحاد بمساعدتها في تحسين أوضاعها الاقتصادية فقط، بل الفائدة الأهم هي أنه سيساعدها في توسيع الديمقراطية فيها:
فكما هو معلوم فإن جنرالات الجيش التركي لهم هيمنة كبيرة على سياسة البلد داخليًا وخارجيًا، وقد قاموا منذ عام ١٩٦٠ وحتى الآن بثلاثة انقلابات عسكرية مما أضر بمسيرتها الديمقراطية وآخر خططها التنموية ودفع بها إلى الوراء. ومن شروط الاتحاد تحجيم هذه الهيمنة بل إزالتها ووضع العسكر تحت هيمنة الحكومات المدنية وذلك بربط رئاسة هيئة الأركان العامة التركية بوزارة الدفاع، علما بأنها غير مرتبطة حاليًا مثل سائر الجيوش في العالم بوزارة الدفاع بل برئاسة الوزراء وبشكل رمزي فقط وإلا فهي مستقلة في كل شؤونها.
ولا تستطع أي حكومة في تركيا إجراء مثل هذا التعديل الخطير والضروري، ولكن هذه الحكومة تأمل في تنفيذ هذه الخطوة المهمة وذلك بالاستناد إلى الاتحاد الأوربي المطالب بهذا التعديل، ولو حصل هذا لكان انقلابا خطيرًا في الحياة السياسية التركية ربما فاق في أهميته جميع الفوائد الأخرى التي تنتظرها تركيا من الاتحاد ولا يستطيع العسكر الآن معارضة هذا التوجه لأن مثل هذه المعارضة ستكون مخالفة صريحة لأفكار أتاتورك الذي يعدونه مرشدهم وزعيمهم ويتبنون أفكاره في ضرورة التوجه نحو الغرب وأخذ حضارته هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن ٧٦٪ من الشعب التركي يقف مع انضمام تركيا للاتحاد الأوربي وليس من السهل الوقوف أمام رغبة أكثرية الشعب. لذا فلو لم يكن لتركيا كسب سوى التخلص من هيمنة العسكر على الحياة السياسية في تركيا لكان هذا مبررًا كافيًا لدخول تركيا إلى الاتحاد. ولم يقتصر ضرر الهيمنة العسكرية على الحياة السياسية، بل تعداه إلى العديد من النواحي الأخرى فهم الذين وقفوا ويقفون الآن وراء منع العديد من النشاطات الإسلامية بحجة الرجعية. ولا ننسى أنهم قاموا بالضغط على حكومة نجم الدين أربكان الذي كان له توجه إسلامي واضح حتى اضطروها إلى الاستقالة، كما كان لهم دور واضح في إعاقة أحزاب إسلامية مثل حزب الرفاه وحزب الفضيلة بحجة أنها أحزاب رجعية تريد إقامة الشريعة الإسلامية في تركيا!
وقد يبدو أن مدة المفاوضات (التي ستستغرق ١٠- ١٥ سنة) مدة طويلة ووضعت أمام تركيا كشرط تعجيزي، لأن دول الاتحاد الأخرى واجهت أيضًا مثل هذه المفاوضات الطويلة، فلم يتم قبول إسبانيا إلا بعد مفاوضات صعبة استغرقت ثماني سنوات، أما بريطانيا فقد واجهت الفيتو مرتين أي رد طلب انضمامها إلى الاتحاد مرتين مع أنه لا يمكن تصور الاتحاد الأوربي دون وجود بريطانيا فيه واستغرقت المفاوضات معها ١٢ سنة.
المعارضون الأتراك:
هناك معارضة داخلية في تركيا حول انضمام تركيا إلى الاتحاد ولا سيما في أوساط القوميين الأتراك وبعض المثقفين والكتاب اليساريين، ويمكن تلخيص حجج هؤلاء في هذه المعارضة كما يأتي:
. لن تكسب تركيا شيئًا من هذا الانضمام، لأن الاتحاد الأوربي لا يستطيع الآن كما فعل في البداية. تقديم المساعدات الاقتصادية ولاسيما بعد أن زاد عدد هذه الدول. بينما بلد كبير مثل تركيا يحتاج إلى مساعدات اقتصادية كبيرة للنهوض به والوصول إلى المعايير الأوربية.
إن تركيا ستفقد أصالتها وتضطر للتخلي عن تقاليدها وأعرافها وتذوب في مستنقع الحياة الأوربية الفاقدة للروح والمعاني الإنسانية.
إن الاتحاد سيستغل الرغبة الشديدة لتركيا في الانضمام إلى الاتحاد في الحصول منها على تنازلات مضرة بمصالحها مثل الاعتراف بوقوع مذبحة وتطهير عرقي للأرمن عام ۱۹۱٥ وكذلك الاعتراف بجمهورية قبرص الجنوبية وفتح موانيها ومطاراتها أمامها، وهذا يعني خيانة للقضية القبرصية وتخليًا عن جمهورية قبرص الشمالية (التركية) علمًا بأن القضية القبرصية تعد القضية الوطنية الأولى في تركيا.
وبالنسبة للاعتراض الأول فهو غير صحيح، لأن تركيا ستحصل دون شك على وزن سياسي كبير بعد الانضمام للاتحاد. وستحصل على مكاسب اقتصادية وعلمية وتكنولوجية وتتيسر لديها سهولة نقل التكنولوجيا إلى الصناعة التركية.
بالنسبة للاعتراض الثاني فيكفي أن نورد هنا وجهة نظر الحكومة التركية في هذا الصدد، وقد عبر عنها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان عندما رد على تصريحات الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي قال: «إن تركيا لكي تنضم إلى الاتحاد الأوربي تحتاج إلى ثورة ثقافية، بمعنى أن عقلية الشعب التركي وثقافته وتقاليده يجب أن تتغير لكي تنسجم مع الثقافة الأوربية ومع نمط التفكير والسلوك الأوربي، فقال رجب طيب ردًا على هذا التصريح: إننا نحترم الثقافة الأوربية ونحترم الحضارة الأوربية ونحن نؤيد التعاون بين الثقافات والحضارات ولكننا لا نؤيد وليس في نيتنا الذوبان في حضن أي حضارة أخرى لأن لنا حضارة أصيلة ومتميزة وثقافتنا الخاصة بنا وتقاليدنا وعاداتنا، فلا يجوز أن يطلب منا أحد التخلي عنها والذوبان في حضارة وفي ثقافة أخرى.
وقال في لقاء تليفزيوني: «إن الذين يخشون من ذوباننا في الكيان الأوربي هم الذين لا يثقون بأنفسهم وبدينهم وبثقافتهم، أما نحن فواثقون من أنفسنا ولا نخشى أي شيء في هذا الصدد.
وبالنسبة للاعتراض الأخير فقد صرح المسؤولون الأتراك أن وضع قضية قبرص کشرط مسبق للانضمام إلى الاتحاد ليس منطقيًا فهذه مشكلة سياسة يجب حلها في الأمم المتحدة، أما قضية الأرمن فإن العديد من المؤرخين المعروفين عالميًا ينفون وقوع مثل هذا التطهير العرقي للأرمن، وقد صدر بيان عام ١٩٤٨ في الولايات المتحدة الأمريكية وقع عليها أكثر من ستين مؤرخًا عالميًا منهم برنار لويس نفوا وقوع هذا الأمر، وقالت الحكومة التركية إن هذا موضوع تاريخي يجب أن يبحثه المؤرخون وليس رجال السياسة وأبدت استعدادها لفتح جميع الوثائق العثمانية حول تلك الفترة (۱۹۱۵ - ۱۹۱۸) أمام جميع المؤرخين والباحثين وطالبت بإنشاء لجنة مشتركة يحضرها المؤرخون الأتراك والأرمن وأي مؤرخين آخرين لبحث هذا الأمر، فإن تبين بعد البحث والتدقيق في الوثائق وقوع مثل هذا التطهير العرقي فستقوم تركيا بالاعتراف به والاعتذار عنه ولكنها متأكدة من نظافة تاريخها ومن عدم وقوع هذا الأمر، ثم هي تضيف وتقول بأن تركيا مسؤولة فقط عن تحقيق المعايير الأوربية التي سجلت بشكل رسمي في ١٧ ديسمبر ٢٠٠٤ ولا توجد ضمنها لا قضية الأرمن ولا قضية قبرص ولا يستطيع الاتحاد الأوربي ولا يجوز لها مطالبة تركيا بشروط إضافية أخرى.
مخاوف الدخول:
يمكن تلخيص مخاوف بعض الأحزاب الأوربية من انضمام تركيا للاتحاد في النقاط الآتية:
أن تركيا بلد كبير:
من ناحية تعداد السكان وهي حاليًا البلد الثاني من ناحية النفوس بعد ألمانيا وستكون البلد الأول بعد عشرين عامًا. وهذا يعني أن عدد النواب الأتراك في البرلمان الأوربي الذي يقرر سياسة دول الاتحاد سيكون كبيرًا وستملك تركيا قوة سياسية كبيرة مع أن تركيا بلد مسلم أي بلد دخيل إلى أوربا ولو قامت تركيا بإنشاء محور سياسي مع ألمانيا أو مع بريطانيا داخل الاتحاد الملكي قوة سياسية كبيرة جدًا. وهذا ما لا يمكن قبوله فهو أمر خطير جدًا..
تخشى هذه الأحزاب من وقوع هجرة عمالية كبيرة من تركيا بعد انضمامها إلى الاتحاد مما سيؤدي إلى تفاقم مشكلة البطالة الموجودة حاليًا في معظم الدول الأوربية.
يخشون من ارتفاع معدلات الجرائم إن تمت مثل هذه الهجرة الواسعة فهناك حاليًا في سجون فرنسا وألمانيا وبريطانيا عشرات الآلاف من العمال الأتراك والعرب تورطوا في عمليات السرقة وبيع المخدرات والشجار والاعتداء على الآخرين..
تخشي هذه الأحزاب من تغير صبغة الحضارة الغربية بعد التحاق تركيا المسلمة إلى الاتحاد الأوربي بملايينها التي تزيد على السبعين مليونًا، فهي ترى أن العادات والتقاليد الإسلامية لا تتماشى مع فلسفة ونظرة الحضارة الأوربية التي يعد الدين المسيحي إحدى ركائزها، وهذا هو السبب وراء معارضة الفاتيكان وكثير من الأحزاب المسيحية لدخول تركيا للاتحاد.