; النظام الجمهوري أغلق 52 حزبًا منذ قيامه .. تركيا مقبرة «الأحزاب» | مجلة المجتمع

العنوان النظام الجمهوري أغلق 52 حزبًا منذ قيامه .. تركيا مقبرة «الأحزاب»

الكاتب أورخان محمد علي

تاريخ النشر السبت 07-يوليو-2001

مشاهدات 80

نشر في العدد 1458

نشر في الصفحة 24

السبت 07-يوليو-2001

كيف يمكن وفي أي منطق يتم إغلاق أكبر حزب معارض صوّت له في الانتخابات 4 ملايين مواطن لأن خمسة من أعضائه خالفوا القانون؟

رجائي قوطان رئيس الحزب: سنواصل طريقنا ضد النهب والسرقة والظلم وضد من يستهين بمقدسات الأمة وإيمانها

الشيء الغريب بل والعجيب والمضحك أن القرار شمل منع مروة قاواقجي من ممارسة العمل السياسي في تركيا ويبدو أن المحكمة نسيت أن مجلس الوزراء أسقط عنها الجنسية منذ عام!

كانت الساعة تقترب من الخامسة والنصف من عصر يوم الجمعة الموافق 22/6/۲۰۰۱م وأنظار الملايين في تركيا مصوبة ومشدودة إلى أجهزة التلفزيون تنتظر قرار المحكمة الدستورية حول حزب الفضيلة.

أوصت الحكومة المحكمة اختيار هذا اليوم (أي يوم الجمعة الذي تعقبه العطلة الأسبوعية ليومي السبت والأحد) واختيار هذه الساعة، أي بعد إقفال البورصة لتعلن قرارها؛ لأنها كانت على علم بماهية القرار، وعلى علم بأن قرار إغلاق حزب الفضيلة سيقلب البورصة وقيمة الليرة التركية رأسًا على عقب، وكان المطلوب لتخفيف الخسارة وجود فترة يومين تخف فيهما الصدمة وتمتص.

وصدر القرار.. وأعاد التاريخ نفسه.. وسد حزب الفضيلة مثلما سدت قبله الأحزاب الثلاثة التي شكلها البرفسور نجم الدين أربكان وهي: حزب النظام الملي (۱۹۷۰م -۱۹۷۱م)، ثم حزب السلامة (۱۹۷۳م- ۱۹۸۰م) وحزب الرفاه (۱۹۸۳م - ۱۹۹۸م) وكأن الدولة تقول: لا مكان لأي حزب يحمل طابعًا إسلاميًّا.

وبسد حزب الفضيلة يصبح عدد الأحزاب التي سدت طوال العهد الجمهوري ٥٢ حزبًا.... أي أصبحت تركيا بمثابة مقبرة للأحزاب السياسية. ولئن كان هناك عذر في سد بعض الأحزاب بسبب لجوئها إلى أعمال العنف والإرهاب والاغتيالات، فما العذر في سد حزب مسالم لم يلجأ إلى العنف أبدًا؟.. من المؤكد أن هذا ليس منظر بلد ديمقراطي في القرن الواحد والعشرين ومرشح للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. 

والآن ماذا كانت الأسباب أو الأعذار القانونية لهذا السد؟

كان المدعي العام السابق «وورال صاواش» قد تقدم في 6/5/1999 بطلب لغلق وسد حزب الفضيلة، وقدم سببين لهذا الطلب:

1- إن حزب الفضيلة امتداد واستمرار لحزب الرفاه، بينما تشير المادة رقم 69 من الدستور التركي إلى أنه: «لا يمكن لحزب تم سده بشكل نهائي الاستمرار تحت اسم آخر».

2- إن هذا الحزب أصبح بؤرة للنشاط وللفعاليات التي تستهدف تقويض النظام العلماني للدولة.

قبل مناقشة أدلة المدعي العام نود إلقاء نظرة على موضوع سد الأحزاب في تركيا وفي العالم المتمدن.

يقدم الدستور التركي وكذلك قانون الأحزاب في تركيا ثلاثة أسباب لسد أي حزب، وهي:

 1- أن يكون الحزب بؤرة للفعاليات غير القانونية. وتسرد المادة 68 من الدستور هذه الفعاليات، ومنها العمل ضد النظام العلماني للدولة.

٢- أن يتلقى الحزب أموالًا أو مساعدات من الخارج.

3- أن يوجد في نظامه الداخلي أو في برنامجه الحزبي ما يعد مخالفة صريحة للقوانين السارية في البلد.

كما يمنع تشكيل أي حزب يعد امتدادًا لحزب سبق وأن سد من قبل محكمة الدستور.

 أما في الدول الأوروبية فينظر في موضوع سد الأحزاب إلى المادة رقم 11 من معاهدة حقوق الإنسان في الاتحاد الأوروبي، أي ينظر إليه من زاوية حرية التجمع وتكوين الأحزاب. وقد جاء في الفقرتين الأولى والثانية من هذه المادة ما يأتي:

1- يحق لكل إنسان القيام بعقد الاجتماعات وتكوين الجمعيات والأحزاب لغايات سلمية، وكذلك تكوين النقابات المدافعة عن حقوقهم. ويحق لكل شخص الانتساب إلى هذه التجمعات.

2- إن استعمال هذه الحقوق في أي مجتمع ديمقراطي يجب ألا يخل بالأمن العام أو النظام المؤسس أو السلام، وألا تكون وسيلة لاقتراف المخالفات القانونية أو ضد الصحة أو ضد الأخلاق العامة. ولا تحدد هذه الحقوق أو تقلص إلا بحدود القانون وعند صيانة حقوق الآخرين.

وكما يتبين أعلاه فهناك بعض التحديدات عند استعمال حقوق التجمع وتكوين الجمعيات والأحزاب ولكن هذه التحديدات تكون واردة عند سوء استعمال هذه الحقوق ضد مصالح وأمن وصحة وأخلاق المجتمع أو عند الحض على مخالفة القوانين أو على الجرائم، أي إن سد الأحزاب القائمة في الدول الأوروبية مسألة صعبة جدًّا.

فمثلًا يرد في ألمانيا الآن موضوع سد الحزب النازي الجديد، لكون هذا الحزب قد تورط في أكثر من ستة آلاف عملية إرهابية ضد الأقليات هناك أسفرت عن قتل 24 شخصًا وحرق عدة بيوت وجرح العشرات.

كما أن المبادئ التي تبنتها لجنة البندقية (لجنة فينيسيا) قلصت وصعبت سد الأحزاب فقد ورد في هذه المبادئ:

 «لا يجوز سد الأحزاب السياسية إلا عند قيام هذه الأحزاب باستعمال العنف أو التحريض على استعمال العنف أو عند قيامها باستعمال السياسة وسيلة للعنف.

ثانيًا: يجب أن يكون سد الحزب أو منعه آخر وسيلة يتم اللجوء إليها في الحيلولة دون الخطر الموجود. ويجب أن يكون هذا الخطر خطرًّا حقيقيًّا ضد النظام الديمقراطي، وألا يكون هناك حل آخر في الحيلولة دونه سوى سد الحزب».

إذن فلا يجوز في النظام الديمقراطي في الغرب سد أي حزب لم يلجأ إلى العنف وإلى الإرهاب، ولا يسمح بسد الأحزاب إلا عند وجود خطر حقيقي وليس وجود خطر موهوم. وهذا يشبه ما ورد في نصوص المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية التي وصفت هذا الخطر بأنه يجب أن يكون Clear and present danger»» أي خطر واضح وموجود فعلًا.

هذه باختصار حقوق المواطنين وحرياتهم في تكوين الجمعيات والنقابات والأحزاب السياسية في الغرب. وهي كما ترى من النقاط الإيجابية ومن جوانب القوة في المجتمع الغربي وإن خلو مجتمعاتنا الإسلامية -أو معظمها على الأقل- من هذه الحقوق من أهم السلبيات والنواقص فيها- وهاكم بلدًا مثل تركيا أعلنت الجمهورية فيه منذ عام 1923م ودخل في النظام الديمقراطي وتعدد الأحزاب منذ عام 1946م، وانظر إلى حالها من هذه الزاوية تراها قد أصبحت مقبرة للأحزاب السياسية.

والآن لنرجع إلى مناقشة الاتهامين الموجهين إلى حزب الفضيلة من قبل المدعي العام:

أما الاتهام الأول وهو كونه امتدادًا لحزب الرفاه فلم تأخذ به المحكمة؛ لذا لن ندخل في تفاصيل تفنيده، ولكننا نود الإشارة إلى السبب الذي كان وراء هذا الموقف فنقول بأن حزب الرفاه راجع محكمة حقوق الإنسان في الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من سنتين وقدم الشكوى ضد قرار سده من قبل محكمة الدستور في تركيا وكان من المنتظر صدور قرار محكمة حقوق الإنسان حول هذا الموضوع في يونيو الماضي. وكان من المتوقع أن يكون هذا القرار تنديدا بإغلاق حزب الرفاه واعتباره مخالفًا لحقوق الإنسان وللنظام الديمقراطي. وقد خشيت محكمة الدستور التركية أن يعد أي تنديد بإغلاق حزب الرفاه تنديدًا في الوقت نفسه بسد حزب الفضيلة أي بالحزب الذي عد امتدادًا لحزب الرفاه. وكانت محكمة حقوق الإنسان قد أصدرت قرارها بالتنديد في موضوع سد ثلاثة أحزاب تركية في السابق. وجاء في أحد هذه القرارات ما يأتي:

«إن من أهم خصائص الديمقراطية هي تأسيس الحوار حتى مع الأفكار المعارضة، وذلك من أجل البحث عن الحلول المناسبة لمشاكل البلد ما دامت هذه الأفكار لا تلجأ إلى العنف».

أما الاتهام الثاني: وهو أن هذا الحزب أصبح بؤرة للعمل ضد النظام العلماني فهو نموذج للعقلية العلمانية المتعصبة، وهو يبرهن من جديد على أن التعصب الموجود في صفوف العلمانيين يفوق بكثير التعصب الذي تتهم به الجماعات الإسلامية.

ولمناقشة هذا الأمر سنلقي نظرة على ما ورد في هذا القرار الذي خرج بأكثرية الأصوات (ثمانية أصوات من أحد عشر صوتًا):

 1- إسقاط عضوية النائب بكر بوصطانجي والنائبة «نازلي إليجاك» (وهي صحفية مرموقة كذلك واشتهرت بفضح العديد من حالات سرقة البنوك والاتفاقيات المشبوه وسوء استغلال العديد من المسؤولين الكبار ومنهم بعض الوزراء لنفوذهم). 

2- منع خمسة أشخاص من حزب الفضيلة من ممارسة السياسة أو الاشتراك في الكادر الإداري لأي حزب أو تشكيل أي حزب سياسي لمدة خمسة أعوام، اثنان منهم هما النائبان اللذان تم إسقاط عضويتهما في البرلمان، وثلاثة أشخاص آخرين من كوادر الحزب.

خمسة مذنبين؟!

معنى هذا أن محكمة الدستور لم تجد سوى خمسة مذنبين فقط في حزب الفضيلة قاموا - في عُرف المحكمة- بأعمال مخالفة للقانون. وقبل أن نتناول ذنب هؤلاء نتساءل: كيف يمكن وفي أي منطق يغلق أكبر حزب معارض له 102 نائب في المجلس وصوّت له أكثر من أربعة ملايين شخص. 

.. كيف يمكن غلق مثل هذا الحزب الكبير بسبب تصرفات خمسة أفراد منه؟ علمًا بأن القانون التركي يُوصي بإنذار الحزب أولًا قبل تقديمه إلى المحكمة، أو أن يغرم بغرامات مالية معينة كإنذار له. فلماذا لم ينذر الحزب عقب أي تصرف خاطئ لمنتسب من منتسبيه؟ لقد سد حزب الرفاه بالاتهام نفسه أي لكونه «بؤرة» للعمل ضد النظام العلماني، والشيء الخاطئ هنا أن مصطلح «البؤرة» غير معرف من الناحية القانونية، ولم توضع له الشروح والضوابط أي بقي مصطلحًا مرنًا ومطاطًا يمكن جره إلى أي ناحية ويمكن استغلاله استغلالًا خاطئًا. وسبق لحزب الفضيلة أن قدم اقتراحًا إلى الحكومة لشرح هذا المصطلح وبيان أبعاده وما هي المقاييس التي يعد معها نشاط أي حزب بأنه أصبح «بؤرة» للنظام القائم. وفعلًا قامت لجنة في المجلس النيابي -بعد مناقشات مستفيضة- بوضع شرح وإطار قانوني لهذا المصطلح الغامض ولكن محكمة الدستور-وهنا العجب- رفضت هذا الشرح القانوني وألغت الفقرة القانونية بصدده وقد تجاوزت محكمة الدستور بعملها هذا حدود صلاحياتها، لأنها لا يمكن أن تكون بديلة عن المجلس النيابي في سن القوانين، وتنحصر صلاحيتها في هذا الصدد في النظر إلى الطلب المقدم لها حول النظر في مخالفة أو عدم مخالفة أي مادة قانونية للدستور إن تمت مراجعتها في هذا الخصوص.

والقناعة المنتشرة اليوم بين المحللين السياسيين والصحفيين والأكاديميين القانونيين أن هذا القرار كان قرارًا سياسيًّا ولم يكن قرارًا قانونيًّا. وكان نائب رئيس محكمة الدستور السيد «هاشم كلج»- الذي عارض من قبل سد حزب الرفاه وعارض الآن سد حزب الفضيلة - قد صرح قبل أيام قليلة من صدور القرار أن المحكمة تفتش عن صيغة قانونية لمسألة سياسية. في إشارة من طرف خفي إلى أن المحكمة تتناول هذا الموضوع من جانبه السياسي وليس القانوني.

والشيء الغريب بل المضحك، أن القرار شمل منع السيدة «مروة قـاواقـجـي» -النائبة السابقة في حزب الفضيلة - من ممارسة العمل السياسي في تركيا. والظاهر أن المحكمة نسيت أن مجلس الوزراء كان قد أسقط عنها الجنسية التركية قبل أكثر من سنة وأنها لا تعد الآن مواطنة تركية بل مواطنة أمريكية. فما معنى صدور قرار يمنع مواطنًا غير تركي من ممارسة العمل السياسي في تركيا؟ هل يعقل أحد هذا الأمر؟! لقد قالت صحيفة تركية إن هذا القرار قرار كوميدي ويجلب الضحك أكثر من العديد من المسرحيات الكوميدية والهزلية.

هيبة محكمة الدستور

إن هذا القرار قد أضر بمكانة وهيبة محكمة الدستور إلى درجة أن صحفيًّا مرموقًا وهو الصحفي «فهمي قورو» وشخصيات أخرى بدأت تطالب بإلغاء هذه المحكمة. وقد أورد هذا الصحفي أدلة على قيام هذه المحكمة بخرق الدستور بشكل فاضح مع أن من المفروض أن مهمتها هي صيانة هذا الدستور والمحافظة عليه. وقد أورد عدة أمثلة على هذا منها:

1- من المعروف حسب المواد 2، 6، 11، 153 من الدستور وكذلك حسب التقاليد الجارية منذ أربعين سنة أن قرار المحكمة لا يكون نافذًا بصورة قانونية إلا بعد نشره في الجريدة الرسمية. ولكن هذه المحكمة قررت إلغاء الشخصية المعنوية للحزب في يوم صدور القرار. وحتى عندما سد حزب الرفاه ظل الحزب قائمًا حتى نشر القرار في الجريدة الرسمية، أي بعد شهرين تقريبًا من نشر القرار.

فما السبب الذي ساق المحكمة إلى مثل هذا القرار المخالف للدستور؟ وما السر في هذه العجلة في إلغاء الشخصية المعنوية للحزب؟.. يعود السبب إلى أن الحكومة تدرس منذ مدة تعديل 37 مادة من مواد الدستور التركي ومنها الفقرات المتعلقة بسد الأحزاب، وتريد -نتيجة ضغط الاتحاد الأوروبي - تضييق حالات سد الأحزاب وجعله أكثر صعوبة؛ لذا فقد خشيت المحكمة أن يتم صدور هذه التعديلات في المجلس النيابي قبل نشر القرار في الجريدة الرسمية فيكون من حق الحزب آنذاك المطالبة بإعادة المحاكمة في ضوء التعديلات الجديدة في الدستور. وهذا ما لا تريده القوى المطالبة بسد هذا الحزب.

2- إن المحكمة قامت بإلغاء مادة قانونية تحتوي شرحًا لمصطلح «البؤرة»، أي وضعت نفسها موضع من يملك آلية سن القوانين بينما هذا من حق مجلس النواب فقط.

3- إن المحكمة قدمت الخطب التي ألقتها النائبة «نازلي إليجاك» والنائب «بكر بوصطانجي» أدلة ضدهما، مع العلم بأن خطب النواب في المجلس النيابي تكون مصانة من أي تحقيق أو محاكمة، ولا يجوز لأي جهة إبرازها كأدلة ضدهم والشيء نفسه ورد بالنسبة للسيد «محمد صلاي» فقد منع من ممارسة العمل السياسي مدة خمس سنوات بسبب كتابه المعنون «خبر من البرلمان» أورد فيه مقتبسات من خطب النواب في المجلس، علمًا بأن هذه الخطب -كما ذكرنا - مصانة من أي تحقيق أو مساءلة.

4- ومن الذين صدر بحقهم قرار المنع السياسي لمدة خمس سنوات السيد «رمضان يني دده» بسبب ما صرح به في أحد المؤتمرات الصحفية، علمًا بأن هذا الشخص قد تم تقديمه إلى محكمة أمن الدولة حول تصريحاته هذه ولكن المحكمة أصدرت حكم البراءة في حقه، أي إن محكمة الدستور عاقبت شخصًا على تهمة سبق وأن برأته محكمة أمن الدولة منها. 

ولا ننسى أن نذكر هنا أن أهم سبب في مُعاقبة هؤلاء الأشخاص الخمسة يعود إلى وقوفهم مع النائبة «مروة قاواقجي» التي سببت ضجة كبيرة عندما دخلت إلى البرلمان بحجابها.

 كما كان سبب اتهام بعض هؤلاء هو وقوفهم مع الطالبات الجامعيات المحجبات اللائي حرمن من حق الدراسة في الجامعة بسبب حجابهن.

 أي إن الدفاع الديمقراطي لهذا الحزب عن حجاب المسلمات ووقوفه بجانبهن هو الذنب الكبير الذي فسر بأنه عمل ضد النظام العلماني للدولة، وهو الذنب الذي لم يغتفر لهذا الحزب.

ردود الأفعال داخليًّا وخارجيًّا

بعد صدور القرار بمدة قصيرة اجتمع النواب والكادر المتقدم لحزب الفضيلة حيث ألقى فيهم السيد «رجائي قوطان» رئيس الحزب كلمة مؤثرة نقتطف فقرات منها.. قال:

«إن قرار إلغاء حزب الفضيلة قد جرح مشاعر وضمائر الشعب سواء أكانوا من الحزب أم لم يكونوا، وهو قرار مغاير لمبادئ الاتحاد الأوروبي الذي تريد تركيا الانضمام إليه».

«إن الأحزاب السياسية والأفكار السياسية المختلفة شرط ضروري للنظم الديمقراطية. والدول الديمقراطية هي الدول التي تسمح بتعدد الآراء وبتعدد الاتجاهات للأحزاب السياسية. دعونا نتذكر بصراحة وبوضوح، ولا يخدعن أحدنا الآخر: لا توجد ديمقراطية في تركيا بوضعها الحالي.. هناك من جانب من يلعب لعبة الديمقراطية خداعًا، وهناك من جانب آخر من يناضل في سبيل إرساء الديمقراطية وهؤلاء هم منتسبو حزب الفضيلة فقط، لقد سعى حزب الفضيلة لإرساء الحقوق الديمقراطية والإنسانية في جميع المجالات والساحات دون أي تمييز بين الناس، وأخذ في نظره واعتباره الخطورة الموجودة في هذا المسعى. واستعداده لدفع ثمن هذا السعي، لو لم يكن هناك حزب الفضيلة لبقي عهد ملوث بكل أنواع الرذائل والسرقات والنهب في الساحة الاقتصادية والسياسية طي الكتمان وفي الظلام.. ولا شك إن ما نعانيه الآن هو ضريبة هذا الموقف المشرف.

سنواصل طريقنا ضد النهب والسرقة وضد الظلم.. سنواصل هذا الطريق - ومعنا الملايين - ضد من يستهين بمقدسات هذه الأمة وبقيمها وعقائدها وإيمانها لأنها تشكل روح هذه الأمة. لقد سعى هؤلاء إلى التضييق على ديناميكية هذه الأمة وروحها المحرك لها، وسنناضل ضد من يسعى لنشر مفهوم الحزب الواحد».

المحكمة الأوروبية

وذكر أنهم سيراجعون محكمة حقوق الإنسان الأوروبية، ثم خاطب جميع أفراد الحزب: «إن غايتنا ودعوتنا هي من أجل سعادة أمتنا... لقد سعينا في هذه السبيل وسنواصل سعينا أجل!... لقد سدوا حزبنا، ولكن ليس من شيمتكم روح الهزيمة والخُذلان. إن الهزيمة تتحقق عندما يفقد الإنسان كرامته. ولا تنسوا أن أصحاب المبادئ الكبرى هم الذين يستطيعون صيانة كرامتهم ووقارهم. إن دعوتنا غير مرتبطة أبدا بقرارات صادرة من المحاكم، ولن تكون كذلك أبدًا».

ولم يقتصر استنكار هذا القرار على أنصار حزب الفضيلة ومنتسبيه، بل قام العديد من المثقفين باستنكاره؛ فمثلا صرح البر فسور الدكتور «أركون أوزبودون» محامي تركيا لدى محكمة حقوق الإنسان الأوروبية: «لن أدافع عن تركيا في هذا الموضوع».

ووصف الصحفي المعروف «محمد بارلاس» «هذا القرار بأنه ضربة قانونية ضد الديمقراطية.

وقال الصحفي «عمر جليك»: «لقد خطت تركيا خطوة إلى الوراء».

وقال السيد بلند أجويد رئيس الوزراء وكذلك نائبه السيد دولت باهجلي بأنهما حزنا وأسفا على سد حزب الفضيلة، وقالت السيدة «تانسو تشيللر» رئيسة حزب الطريق القويم: إن ما حدث يعد عيبًا كبيرًا للنظام الديمقراطي في تركيا. 

ونرى الانطباع نفسه في وسائل الإعلام العالمية؛ فقد نقلت وكالة الأنباء الفرنسية AFP قرار المحكمة قائلة بأنه يشكل سدًّا أمام رغبة تركيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وذكرت بأن موضوع سد الأحزاب أمر سهل في تركيا بينما يُعد أمرًا غير مقبول في الحياة الديمقراطية في الغرب. وأشارت إلى أن الأحزاب لا تُسد في تركيا لجرائم اقترفتها بل لجرائم يتوقعون اقترافها من قبل هذه الأحزاب. كما أشارت إلى دور المؤسسة العسكرية في هذا الأمر.

أما وكالة أنباء رويتر فقد نقلت الخبر دون تعليق يذكر، وقالت إن تركيا التي قبلت تنفيذ توصيات صندوق النقد الدولي لا تنتظرها انتخابات جديدة كما أشارت إلى احتمال حدوث انشقاق في صفوف حزب الفضيلة.

ونقلت وكالة أنباء أسيوشيدت برس تفاصيل الخبر قائلة بأن محكمة الدستور سدت حزب الفضيلة وهو الحزب المعارض الرئيسي والحزب الوحيد الذي يركز على طابعه الإسلامي، وذكرت بأن هذا القرار سيتسبب في إحداث موجة من الهزات السياسية في تركيا التي تعيش حاليا أزمة اقتصادية كبيرة كما أشارت إلى أن قرارات هذه المحكمة نهائية ولا يمكن تمييزها.

كما اهتمت الصحف العالمية بهذا القرار فقالت «واشنطن بوست» الأمريكية: «إن الديمقراطية في تركيا أصيبت بجرح كبير».

ووصفت الغارديان القرار بأنه خطوة إلى الوراء في موضوع انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

واتهمت جريدة «La Republica» الإيطالية المؤسسة العسكرية التركية بأنها وراء هذا القرار، وأنها مارست ضغطًا على المحكمة، وقالت بأنه في ظل خمس سنوات سد الحزب الإسلامي الثالث. 

وقالت جريدة «Die Zeit» الألمانية إن هذا القرار سيؤدي إلى أزمة سياسية جديدة.

وقالت جريدة «R aistat TV» الإيطالية: لقد سد حزب في تركيا بسبب حجاب.

 وقالت «طهران تايمس» الإيرانية: المؤسسة العسكرية وراء سد حزب الفضيلة.

كما صرح متحدث في وزارة الخارجية الأمريكية بأن هذا القرار مخالف للديمقراطية.

بينما قالت اللجنة الأوروبية بأنه كان من الأفضل للمحكمة انتظار قرار محكمة حقوق الإنسان الأوروبية حول موضوع سد حزب الرفاه.

وقال السيد «كرن فوك» سفير لجنة الاتحاد الأوروبي في تركيا: من سوء حظ تركيا صدور مثل هذا القرار لكونها مرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

قبل صدور هذا القرار كان لحزب الفضيلة 102 نائب في المجلس، وبعد سقوط عضوية نائبين بقي مائة نائب، ولكن لكون الحزب قد سد فقد عد هؤلاء الباقون نوابا مستقلين وبعد هذا التغيير الأخير أصبح عدد المقاعد في البرلمان التركي موزعا كما يأتي: 

الحزب الاشتراكي الديمقراطي «حزب أجويد» 132 مقعدًا

حزب الحركة القومية «حزب دولت باهجلي» 126 مقعدًا

حزب الوطن الأم «حزب مسعود يلماز» 88 مقعدًا

حزب الطريق القويم «حزب تانسو تشيللر» 83 مقعدًا

المستقلون 113 مقعدًا

المقاعد الشاغرة 8 مقاعد

ماذا بعد سد حزب الفضيلة؟

لأول مرة تصعب الإجابة على هذا السؤال.

فقد سدت أحزاب ثلاثة أسسها السيد نجم الدين أربكان (حزب النظام الملي، حزب السلامة، ثم حزب الرفاه) وهذا هو الحزب الرابع. ولكن الجميع كانوا يعرفون آنذاك الإجابة على سؤال: لقد سد الحزب فما العمل؟... كان الجواب على الدوام: سيشكل السيد أربكان حزبًا آخر وسنستمر في طريقنا.

ولكن السيد أربكان ممنوع الآن من العمل السياسي. وليس هذا مهمًّا لأنه يستطيع تشكيل حزب آخر باسم آخر وبقيادة يقوم باختيارها بنفسه، ولكن المهم أن هناك احتمالات لقيام أنصار هذا الحزب بتشكيل حزبين بدلا من حزب واحد وسط تطورات جديدة ستحمل الأيام القادمة أنباءها..

حزب جديد خلال أيام

ذكرت وكالة أنباء جهان التركية أن أعضاء حزب الفضيلة التركي الذي صدر قرار المحكمة الدستورية التركية مؤخرًا بحله يبذلون مساعي حثيثة لتشكيل حزب سياسي جديد يضمهم جميعًا.

ونسبت الوكالة إلى رئيس الحزب رجائي قوطان قوله إن الحزب الجديد سيكون جاهزًا خلال ثلاثة أسابيع، وإنهم قاموا حتى باستئجار مبنى في أنقرة ليكون مقرًا عامًا للحزب الجديد

وأبدى قوطان - حسب الوكالة - استعداده لقبول منصب رئاسة الحزب في حال عرضه عليه.

الرابط المختصر :