; تركيا.. كيف الخلاص؟ | مجلة المجتمع

العنوان تركيا.. كيف الخلاص؟

الكاتب عبدالله أبو حميد

تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1980

مشاهدات 83

نشر في العدد 498

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 23-سبتمبر-1980

  • إلى أين تمضي تركيا في ركاب الانقلاب العسكري الثالث؟! 
  • التيار الإسلامي قليل الأعداد، لكنه قوة رهيبة تهدد الحكومات! 
  • 5241 ضحية خلال هذا العام، كانت كافية لتحرك الجيش لإنهاء العنف. 
  • هل سيحاصر حزب الخلاص كما حوصر زعيمه في جزيرة محاطة بالماء؟! 
  • رغم الظروف الصعبة، يصرح أربيكان في معتقله بأنه يصرف وقته بشكر الله!! 

انفضحت الديمقراطية في تركيا وانكشف زيف دعواها، فهي -ما دام الأمر بيد أصحابها- تبقى السائدة، حتى إذا بدأت قبضتهم تتراخى عن الأخذ بالمبادأة والسيطرة على زمام الأمور، وأخذ الجانب المعارض يفرض نفسه على الساحة السياسية العامة، حتى إذا حصل ذلك قلبت الطاولة على أصحابها، وأنزلت الجيش الذي هو أداتها الحقيقية إلى ميدان السياسة، ولا تسل بعدها عن الفساد الذي يتأتي به العسكر إلى العباد والبلاد!! 

 هذا جزء من الصورة التي يأخذها الناظر إلى تركيا اليوم بعد انقلابها العسكري الثالث، الذي أعلن عنه يوم الجمعة 12/ 9/ 1980م. فلماذا الانقلاب العسكري؟! وما مسوغات قدوم العسكر إلى السلطة؟! وما مصير السياسيين بعده؟! وإلى أين ستتجه تركيا بقيادته؟! والأهم من هذا كله بالنسبة لنا: هل سيتم تحجيم المد الإسلامي المتعاظم في تركيا؟! ويلغى دور حزب الخلاص الإسلامي في الساحة التركية؟! 

لماذا الانقلاب؟

 منذ أن قدم الجيش إنذاره إلى السياسيين في شباط الماضي، شعر المراقبون بأنه سوف يأخذ دورًا محددا في السياسة التركية، وانصبت أكثر التعليقات والتحليلات على التلميح والتذكير بتدخل الجيش مرتين «عامي 1960 - 1971» لحل أزمات سابقة، ونستطيع هنا أن نلاحظ ملاحظة عابرة: هي أن للجيش فيما يبدو، دورًا يؤديه كل عشر سنوات تقريبًا!! فكأنه الكابح الذي يحاول ضبط الأمور قبل استفحالها، وأما مسوغات هذا الانقلاب الأخير فقد وردت على لسان قائده الجنرال «كنعان أفرين» في خطابه الذي وجهه بعد الانقلاب، حيث ورد فيه: «أن الحكم البرلماني سيعود فور القضاء على الإرهاب واستتباب الأمن، وأن أعضاء البرلمان لن يقدموا للمحاكمة باستثناء الذين انتهكوا القوانين في ظل الحصانة البرلمانية، وأن تركيا تواجه أخطر أزمة في تاريخ جمهوريتها، وأن «5241» شخصًا قتلوا خلال هذا العام وحده نتيجة هجمات إرهابية، بينما كلفت حرب الاستقلال من عام 1919 - 1923 «5713» شخصًا، وانتقد «أفرين» أولئك الذين رفضوا ترديد السلام الوطني، وهو رمز استقلال وحدة وتضامن الأمة التركية، وقال: إن هؤلاء تصرفوا بهذه الطريقة بسبب تعصبهم الديني، أو لأنهم أنصار لأيديولوجيات أجنبية». 

أين الحقيقة؟؟

 ولقد ورد في هذا الخطاب أشياء كثيرة، وكلها لا تستوقف المراقب المسلم لأنها معروفة للجميع، أعني العلاقة بأمريكا وحلف الناتو والانهيار الاقتصادي والعنف السياسي والعلاقات مع الجوار... إلخ. إن الذي يستوقف المسلم هو الفقرات التي كتبت بالخط العريض، ومفهومها أن الاتجاه الإسلامي هو المقصود بهذه الحركة العسكرية، لقطع الطريق عليه أمام الوصول إلى أهدافه المشروعة!! وليس هذا بسر، فلقد أشارت إليه صراحةً أغلب الوكالات والصحف الغربية: 

  • قالت رويتر: إن هناك سببًا رئيسيًا محتملًا للانقلاب، هو المهرجان الديني الذي قاده السيد أربكان، في مدينة قونية بوسط تركيا الأسبوع الماضي، وقد تحدى دعاة العودة إلى أصول الدين في ذلك المهرجان القوانين الجمهورية، بارتدائهم ملابس رجال الدين وحمل لافتات باللغة العربية، كما رفضوا أن ينشدوا النشيط الوطني!! ويبدو أن الصور التي نشرت في الصفحات الأولى للصحف التركية عن هذا المهرجان، قد أغاظت العسكريين الذين تربوا على تقاليد مصطفى كمال أتاتورك «مؤسس الجمهورية الحديثة»!! 
  • وقالت الديلي تلغراف: ثورة أتاتورك فرضت الحياة الغربية على البلاد، وفصلت الدين عن الدولة، ومنذ ذلك الحين والتيار الإسلامي -مع أعضاءه يشكلون قلة- قوة رهيبة تهدد الحكومات المتعاقبة على الحكم!! 

 وقالت التايمز: الصحوة الإسلامية التي شملت العديد من الدول في السنوات الأخيرة، أثارت التوتر السياسي في تركيا، فالاشتباكات من النوع الذي حدث في ديسمبر 1978، وراح ضحيته ما يزيد عن 100 شخص عزاها أجاويد إلى النزاع الداخلي بين الفئات الإسلامية. 

 وقالت اللوموند: لقد انتقد الجنرال إيفرين أولئك الذين رفضوا ترديد السلام الوطني!! وقال إنهم تصرفوا بسبب تعصبهم الديني!! وأدان تصرفات الذين يبثون روح الفرقة بين أتباع المذاهب الدينية المختلفة. 

العسكر والسلامة:

 عين الجيش حمراء على الاتجاه الإسلامي منذ أتاتورك نفسه، الذي ألغى الخلافة الإسلامية ودخل بتركيا في ظلمات التغريب وهو يحسبها نورًا، فتزداد انتكاس الرجل المريض بدل أن يشفى! وجيش تركيا اليوم يدعي أنه حامي تراث أتاتورك الذي يتمثل: بالعلمانية وإلغاء القوانين الإسلامية، والانفصال عن بقية العالم الإسلامي.. حتى إنه لا يجوز ذكر كلمة الإسلام في القوانين التركية. هذا الجيش لن يسمح بانتعاش الروح الإسلامية من جديد، لأن هناك جهات كثيرة تخاف من هذا الانتعاش.. ولأن حزب السلامة الوطني هو الطليعة السياسية الإسلامية الواعية، فقد تحمل وحده عبء المسؤولية الكاملة، وصار بالتالي هدفًا لهجوم جهات كثيرة، كالجيش والماسونية والصهيونية، والاستعمارين الشرقي والغربي، والشيوعية والصليبية.. جبهات كثيرة فتحها على نفسه حزب الخلاص، فكيف يكون خلاصه منها؟! إنه قدره الذي رضيه مختارًا، فما حزب السلامة هذا الذي اعتبرته الجهات الغربية سببًا مباشرًا لوقوع الانقلاب العسكري؟! 

السلامة.. الخلاص

 تأسس الحزب عام 1972 وخاض الانتخابات بعد عام واحد، ولكن بصفة أعضاء مسلمين مستقلين وحصل على «48» مقعدًا، وهو عدد ضخم بالقياس إلى 159 مقعدًا للعدالة، و189 مقعدًا للشعب، وهي في الساحة منذ خمسين عامًا!! مما يدل على سرعة انتشار الحزب وقيمة مبادئه التي تمثلت في خمسة مبادئ: 

1- السلام والأمن في الداخل. 

2- امتزاج الأمة بالدولة. 

3- تركيا الكبيرة من جديدة. 

4- النهضة الأخلاقية. 

5- النهضة المادية. 

نشاط السلامة:

 طرح حزب السلامة الوطني برنامجًا عمليًا، نفذ بعضه خلال ائتلافه مع الشعب الذي استمر 4 سنوات بين 73 – 1977، وانصب في اتجاهين رئيسيين: 

أ- التنمية المعنوية. 

ب- التصنيع الثقيل. 

على المستوى الأول: 

1- فتح 3 آلاف مدرسة قرآنية في القرى. 

2- و350 مدرسة للإمامة والخطابة تستوعب 200 ألف طالب. 

3- و10 معاهد إسلامية عالية. 

4- كما اهتم بالحج فوصل عدد الحجاج إلى 150 ألف حاج في السنة خلال حكمه، بينما انخفض بعده إلى 30 ألف ثم 10 آلاف حاج. 

6- واهتم بإيجاد دروس الأخلاق في المدارس الحكومية «ويلاحظ هنا عدم ذكر الإسلام لحظرها قانونيًا».

 وعلى المستوى الثاني

1- وضع حجر الأساس لـ 200 مصنع ثقيل «صناعة المحركات مثلًا». 

2- فتح 15 مصنعًا، وبدأت بالإنتاج فعلًا. 

3- خطط لإقامة الصناعات الحربية. 

شخصية أربكان

 ارتبط الحزب بشخصية قائده البروفسور «نجم الدين أربيكان» الذي يقبع الآن معتقلًا في جزيرة معزولة ببحر إيجة، وآخر أخباره أنه قال: «إنني أصرف وقتي بشكر الله» هذا الرجل المؤمن قاد سفينة الخلاص الوطني خلال الأعاصير السياسية الجامحة، واستطاع أن يثبت للتيار الإسلامي وجودًا واضحًا على الساحة التركية، ومرت فترات كان الشعب والعدالة كلاهما يرجوان رضاءه، من أجل تشكيل الحكومة وترجيح كفتها لصالحهما، وفي مقابلة معه أجاب ردًا على سؤال لمجلة الإصلاح: متى تتوقعون تغيير الأوضاع في تركيا لصالح الإسلام؟! 

 أجاب بقوله: بعد سنتين من الآن سيتم تقديم موعد الانتخابات الجديدة، وبعدها بسنتين أخريين، سيتمكن السلامة من تشكيل حكومة جديدة بمفرده، وهي إن شاء الله ستكون بداية لعودة تركيا إلى حياتها الإسلامية. 

 وقال عن ثورة في تركية تشبه ثورة إيران: لقد مضت 50 سنة في التخريب ونحن ينحكم تركيا بالحق، والثورة أحد البدائل الكثيرة المطروحة أمامنا، وليست هي الخيار الوحيد، بالإضافة إلى أن تجربتنا في العمل الحزبي نجحت نجاحًا طيبًا، ونأمل أن نحقق نجاحات أخرى. 

مواقف مشرفة

 لقد كان لحزب السلامة مواقفه المشرفة تجاه قضايا كثيرة، بعضها يمس العالم العربي خاصة، فلقد أوردت الأخبار قبل فترة مطالبة أربيكان بقطع علاقات تركية مع إسرائيل، ولا ينسى له مواقفه الثابتة تجاه قضية فلسطين وحقوق شعبها.. وهذا ما نبه إليه الماسونية والصهيونية العالمية، ولذلك لا يستبعد المراقبون أن يكون هذا الانقلاب فعلًا عملية تطويق للمد الإسلامي في تركيا، ولكن هل سيستطيع الجيش الاستمرار، مع أنه يدعي حماية الديمقراطية؟! لقد عاد الجيش في المرتين السابقتين إلى ثكناته بعد وقت قصير، فهل سيعود كنعان أفرين أيضًا؟! إن ظواهر الأمور تدل على أن هذا الوضع سيطول، ذلك أن تركيا تعاني أزمات اقتصادية خانقة تسبب لها المآزق السياسية المختلفة، وديونها المتراكمة وخزينتها المفلسة وليرتها الضعيفة، وإنتاجها الزراعي والصناعي الرديئان، كل ذلك سيجعل مقام الجيش طويلًا، فإذا كان السياسيون قد فشلوا في حل هذه المشكلات، وهم أصحاب اختصاص، فهل سيستطيع الجنرالات ذلك؟! إن نوايا الجنرال كنعان -كما ظهرت في تصريحاته- لتبعث التشاؤم من إمكانية إيجاد حل سريع لمأزق الديمقراطية في تركيا، والخلاص الإسلامي الذي يبدو أنه سيحاصر كما حوصر قائده في جزيرة محاطة بالماء، سيكون أمامه أوقات عصيبة جدًا، نرجو من الله أن يجتازها بقوة وتماسك، ولا تلجئه قبضة العسكر إلى الطريق المسدود وعندها يقع الانفجار الكبير، الذي لا يعلم إلا الله المدى الذي ستصل إليه شظاياه!! 

الرابط المختصر :