العنوان قراءة في التغييرات الدستورية التركية
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-1995
مشاهدات 66
نشر في العدد 1160
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 01-أغسطس-1995
التغييرات استهدفت ضرب «الرفاه» ولبّت رغبات البرلمان الأوروبي.
الشعب لم يستحسن التغييرات واعتبرها لصالح النواب.
بعد ٤٠ يومًا من المفاوضات والاتصالات السرية والمناقشات العلنية وافق مجلس الشعب التركي يوم الأحد ٢٣/٧/١٩٩٥م على تغيير ١٥ مادة من الدستور التركي، ورفض تغيير 6 مواد وهو ما اعتبرته تانسو تشيللر - رئيسة الوزراء - انتصارًا للشعب وهزيمة لحزب الرفاه الذي عارض وحدة تلك الإصلاحات التي اعتبرها مكياجًا إضافيًّا على وجه تركيا المصبوغ بالديمقراطية، خاصة وأن الإصلاح الديمقراطي الحقيقي، يبدأ من المادة ٢٤ من الدستور التي تحمي العلمانية بأساليب غير ديمقراطية من خلال منع الأنشطة الدينية أو الدعوات بالقول والفعل، علاوة على أن المواد التي تغيرت مكبلة بشروط تعرقل إمكانية تنفيذها.
كما أن حصول الإصلاحات على نصاب تصويتي ٣٦٥ صوتًا بعد ٢٧٥ و ٢٢٥ في بعض المواد، مثلما حدث في الجولة الأولى التي انتصر فيها الرفاه يشير إلى حدوث ضغوط على النواب من العسكر للتصويت، خاصة وأن وسائل الإعلام التركية ذكرت أن الجيش شكر تشيللر على التغييرات.
علاوة على أن الاستطلاع الصحفي الذي أجرته صحيفة بني صايفة، يوم ٢٥/٧/ ١٩٩٥م، يشير إلى عدم استحسان المواطن التركي لتلك الإصلاحات، إذ قال حمزة يازيجي: « إن عدم تغيير المادة ٢٤ يعني عدم الحصول على أية منفعة للشعب».
بالطبع لا يمكن إنكار أن حزب الرفاء سيدفع وحده ثمن تلك التغييرات التي استهدفته بالقطع مثل إجراء الانتخابات البرلمانية العامة مع الانتخابات المحلية، وهو ما يعني عدم إعطاء الفرصة لتحقيق خطته في البلديات الكبرى التي يتولاها، إذ ستجرى الانتخابات المحلية في العام المقبل مع الانتخابات البرلمانية بدلا من إجرائها في عام ١٩٩٨م.
● قراءة التغييرات.
وبقراءة التغييرات التي تمت ترى أنها تتركز في النقاط التالية:
أولا: إنزال من التصويت إلى ١٨ سنة، بدلا من ٢١ سنة، وإعطاء المحبوسين والمواطنين في الخارج الحق في الإدلاء بأصواتهم، وهدف الأحزاب من تلك الشرائح ضمان أصواتها، إذ إنَّ معظمها يمكن احتواؤه بعيدا عن حزب الرفاه المدعوم من الراشدين من بداية العمر ٣٠ عامًا، كما أن المجرمين بطبيعتهم بعيدين عن المبادئ الإسلامية، أما المقيمونَ في الخارج فهم يميلون للعلمانية.
ثانيا: إعطاء الموظفين الحق في إقامة نقاباتهم بشروط كثيرة ستحدد في قوانين لاحقًا, وبالتالي أعطى حزب الطريق القويم نصرًا خادعًا لشريكه في الحكومة الشعب الجمهوري الذي كان قد وعد الموظفين بإنشاء نقابات لهم، إلا أنَّ القيود والشروط الموضوعة لتحقيق ذلك أفرغت المادة من محتواها، مما يعتبر خداعًا للجماهير.
ثالثا: سيمكن للأحزاب إنشاء فروع للشباب والنساء.
رابعا: إذا ما بقي عام بين موعد الانتخابات البرلمانية والمحلية يتم إجراء الاثنين معًا.
خامسا: افتتاح الدورة البرلمانية في 1 من نوفمبر بدلًا من 1 من سبتمبر!!
سادسا: رفع عدد أعضاء مجلس الشعب إلى ٥٥٠ نائبًا بدلًا من ٤٥٠ نائبًا، وهو تغيير مفيد للنواب بدون شكِّ.
سابعا: في حالة إغلاق الأحزاب السياسية بقرار من المحكمة لا تسقط عضوية نوابه في مجلس الشعب، طالما أنهم غير مسؤولين عن أسباب الإغلاق، إلا أنه في حالة مسؤوليتهم، فإن العضوية تسقط ويحرمون من مزاولة العمل السياسي لمدة 5 سنوات، وإذا كانوا أيضًا في مجلس إدارة الحزب تسقط عضويتهم ويحرمون من العمل السياسي.
ثامنا: سيتمكن النواب من تغيير أحزابهم مع إسقاط شروط الحصول على ٢٢٦ صوتًا في حالة تقديم النائب للاستقالة من مجلس الشعب. إذ كان الدستور يمنع انتقال النائب من الحزب الذي ترشح عنه، ونجح على أساس برنامجه إلى حزب آخر كان في المنافسة الانتخابية، واستثنى من ذلك الأحزاب التي لم تدخل الانتخابات، وبذلك يمكن اعتبار ذلك التغيير تلاعبًا في إرادة الناخب الذي اختار حزبًا معينًا وليس شخصًا.
تاسعًا: إعطاء الطلاب وهيئات التدريس في الجامعات حق العضوية في الأحزاب بشروط كثيرة تقيد تلك الحرية الممنوحة.
المواد المرفوضة
أما المواد المرفوضة فتتلخص في عدم إعطاء نقابات الموظفين الحق في الأحزاب، وعدم إنزال سن النائب إلى ٢٥ سنة، وعدم عضوية النواب لمجالس إدارة النقابات، عدم أقلية دعاوى قضائية ضد المسؤولين عن انقلاب ۱۲ من سبتمبر ۱۹۸۰م, وكذلك عدم إعطاء حق إلغاء القوانين التي صدرت في فترة الحكم العسكري عام ١٩٨٠م أمام المحكمة الدستورية.
ومما سبق يتضح أن التغييرات الدستورية شكلية أكثر من كونها فعلية استهدفت تحقيق مكاسب مشتركة للأحزاب العلمانية على طريقة «هات وخد»، إذ إنَّ رفض مقاضاة المسؤولين عن الانقلاب أو الطعن في القوانين التي أصدرها العسكر أمام المحكمة الدستورية يعتبر في حد ذاته دعمًا للانقلابيين، والقوانين الاستثنائية التي صدرت في عهودهم؛ ولذلك فإنَّ الرفاه هو الفائز الأول، والحكومة وباقي الأحزاب العلمانية هي الخاسرة إذا ما تم التقييم في المعنى الحقيقي للديمقراطية الحقيقية، خاصة وأنَّه لا يمكن اعتبار المباركة الأمريكية والأوروبية لتركيا عن تلك الإصلاحات صكا للغفران، إذ إنَّ المباركة صدرت قبل قراءة تفاصيل الإصلاحات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل