العنوان زيارة أربكان للولايات المتحدة تثير قلق وغيظ العلمانيين الأتراك!
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-نوفمبر-1994
مشاهدات 48
نشر في العدد 1124
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 08-نوفمبر-1994
·
معهد الدراسات الدولية والاستراتيجية الأمريكي الذي يرأسه الرئيس السابق كارتر أوصى الإدارة
الأمريكية بضرورة الحوار مع الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي.
·
الشبهات التي تحيط بالأحزاب العلمانية التركية
جعلت الإدارة الأمريكية تسعى للحوار مع أربكان باعتبار حزبه أصبح من أقوى الأحزاب
التركية.
·
مسؤولون في «السي. آي. إيه» يلتقون بأربكان ويبلغونه
بأنهم يرون الرفاه حزبًا ديمقراطيًا وسوف يتعاملون معه حال وصوله إلى السلطة.
على
الرغم من قيام قادة الأحزاب التركية وكبار المسؤولين في أنقرة بزيارات مكوكية
للولايات المتحدة الأمريكية سواء لتأكيد الولاء أو لأخذ التعليمات أو لإجراء
المفاوضات، فإن قيام نجم الدين أربكان زعيم "حزب الرفاه" بزيارة
الولايات المتحدة لإجراء اتصالات مع القوى الإسلامية هناك ومحاولته تنظيمها بهدف
تشكيل قوى ضغط إسلامية «لوبي إسلامي» لضمان مصالح المسلمين شعوبًا ودولًا، مما أثار القوى العلمانية في تركيا.
خاصة
بعد أن التقى مع بعض المسؤولين في الكونجرس والإدارة الأمريكية بناء على طلب منهم
ووساطة من السفير التركي في واشنطن؛ حيث إنه لم يكن في جدول أعماله اللقاء بهم إلا
أنه لم يمانع بهدف تعريفهم بالرفاه بشكل مباشر والتأكيد على أنه ليس عفريتًا من
الجن أو مخلوقًا جاء من خارج كوكب الأرض، بل إنه نتاج الشعب التركي المسلم الذي يتعاطى الديمقراطية، وهو الأمر الذي أزعج العلمانيين الأتراك دون شك خاصة وأن كافة
الدراسات السياسية والاستراتيجية المقدمة لصناع القرار الأمريكي تنصح بعدم تجاهل
القوى الإسلامية في الشرق الأوسط وضرورة التعرف من قريب وفتح قنوات اتصال معها مثل
باقي القوى حتى لا تقع الولايات المتحدة في نفس الفخ الإيراني بما يعنى تهميش دور
العلمانيين الأتراك بعد فشلهم.
البحوث
تنصح بالاتصال
وحتى
يمكن فهم الضجة المثارة حول زيارة أربكان للولايات المتحدة في الشهر الماضي
-أكتوبر- يجب الإشارة إلى التغيير النوعي في تفكير الإدارة الأمريكية تجاه الحركة
الإسلامية والذي له بُعد إيجابي دون شك؛ حيث أشار جونجور منجى المعلق البارز في
صحيفة «صباح» التركية في مقال له يوم 20/10/1994م حول زيارة أربكان لواشنطن إلى أن معهد الدراسات الدولية والاستراتيجية
الأمريكي الذي يرأسه الرئيس الأمريكي السابق كارتر أعد
تقريرًا مؤخرًا حول الحركة الإسلامية أجراه الباحثون: إدوارد لوتجاك، وباري روبين،
وهارفي كوكس جاء فيه بأن عدم اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية بعامل الدين في
الشرق الأوسط أفقدها الكثير، وإن عدم الانتباه حاليًا لتأثير الحركات الدينية في
البلقان وجمهوريات آسيا الوسطى يعتبر خطأ. وتضمن التقرير معلومات مفصلة عن قادة
الحركات الإسلامية ومنهم عمر عبد الرحمن، وأحمد ياسين، وعباس مدني، وحسن الترابي،
وعلي بلحاج، وراشد الغنوشي، والقاضي حسين أحمد.. ونصح الباحثون بعمل اتصالات معهم
وفق شروط خاصة إذا كان ذلك واجبًا ضروريًا، إلا أنهم استثنوا نجم الدين أربكان من
ذلك حيث اعتبروه الزعيم الإسلامي الوحيد الذي يمكن وصفه بأنه رجل علم؛ ولذلك تم إسقاط شروط الاتصال معه.
أسباب
قوة الرفاه
وأشار
سواش سوزال مراسل صحيفة صباح التركية في واشنطن في مقاله يوم 27/10/1994م إلى تقرير الدكتور كارول ميجر لوفيتش خبير
الشرق الأوسط بدائرة الأمن القومي وخدمة الأبحاث الخارجية بالكونجرس الأمريكي. فعلى
مدى 27 صفحة وهي عدد صفحات التقرير المُعد حول تركيا ليقدم إلى أعضاء الكونجرس، وأوضح
الكاتب بأن تركيا رغم أنها تعتبر واحة الاستقرار والديمقراطية والعلمانية في
المنطقة المليئة بالثورات الإسلامية والأنظمة الشمولية إلا أن نتائج انتخابات 27 مارس الماضي «البلديات التي فاز فيها الرفاه»
تشير إلى إمكانية دخول تركيا إلى تلك المنطقةز
وأرجع
التقرير أسباب تقدم الرفاه إلى عدم كفاية وكفاءة القادة الحاليين وعدم ثقة الشعب
في الساسة والحكومة؛ حيث إن هناك ادعاءات حول فساد عائلة أوزال وأقارب
دميريل رئيس الوزراء رغم أنه رجل دولة محترم، كما أن زوج السيدة تانسو تشيللر
رئيسة الوزراء التركية تدور حوله ادعاءات ترتبط بالإثراء غير المشروع بسبب
استخدامه لنفوذ زوجته خاصة أثناء الأزمة الاقتصادية الأخيرة، لتطال ادعاءات الفساد أحزاب الوطن الأم، والطريق
القويم والاجتماعي الشعبي.
وأوضح
التقرير أن الرفاه الذي أصبح بين يديه إجراءات البلديات ونتيجة
لعلاقاته القوية مع العائلات التي هاجرت إلى المدن أصبح صاحب تأثير كبير، وبالتالي
فإنه يجب أن يتم الحوار معه مثله مثل القوى السياسية التركية الأخرى خاصة وأنه يجب
أن يوضع في الاعتبار أن الشعب التركي يحركه أيضًا العامل الديني، كما أن الرفاه
قوى وجوده السياسي بسبب الضعف الاقتصادي في الدولة. وأشار التقرير أيضًا إلى أن
فرصة ازدهار الديمقراطية تتضح فيما بين قادة "حزب الرفاه" من الشباب وهو
الأمر الذي يمكن أن يسقط الافتراض الخاص باحتمال إقامة
جمهورية إسلامية في تركيا.
واعتبر
حسن جمال المعلق البارز في «صباح» في مقال له يوم 20/10/1994م أن توقيت زيارة أربكان لأمريكا قبل الانتخابات
ذات معنى دبلوماسي حيث يريد أربكان إعطاء رسالة لواشنطن بأنه لا خطورة مطلقًا على
الولايات المتحدة من وصول الرفاه إلى السلطة، فأربكان لا يظهر كراديكالي، كما أن
حركة الرفاه ليست من خارج النظام بل من داخله، وإن أربكان ليس هو خوميني تركيا، وإن
التجربة الديمقراطية التركية تشير إلى أن الرفاه سيكون هو الكارت الرابح في
الانتخابات المقبلة وستجبر أمريكا على قبوله، ووفقًا لما كتبه باحث أمريكي فإن
أربكان يعد رمز الحركة الإسلامية في تركيا، وإنه بعد انتخابات 27 مارس الماضية التي نجح فيها الرفاه عاشت تركيا
والشرق الأوسط حالة قلق بينما تعتبر أفكار أربكان المعادية للغرب من مصادر هذا
القلق؛ لذا يجب التحرك.
ولذلك
لم يكن غريبًا أن يقوم كارول میدجلوفيش خبير الدين الأمريكي بالاتصال مع رؤساء
بلديات الرفاه في ضوء هذا التقييم، كما قام باميلا إم سي لاغين الموظف بالمكتب
السياسي بالسفارة الأمريكية بأنقرة بالاتصال برئيس بلدية طرابزون ورئيس "حزب
الرفاه" هناك خلال شهر أكتوبر الماضي. وقال حول أسباب الاتصال إن الولايات المتحدة ترتبط بصداقة قوية مع تركيا. ولذلك
يجب التعرف على تركيا جيدًا والتي يعتبر "حزب الرفاه" جزءًا منها،
ولذلك كان يجب مناقشة مسؤولي الحزب ومعرفة أفكارهم، واستطلاع آرائهم حول دور
تركيا المستقبلي سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي وموقفهم من المشكلات الحالية
وهو ما تم مناقشته مع شريف مالكوتش رئيس "حزب الرفاه" في طرابزون وعاصم
إيقان رئيس بلدية طرابزون وهو من الرفاه أيضًا وتم اللقاء في يومي 11 و12 أكتوبر الماضي.
كما
كان نجم الدين أربكان قد أشار أيضًا في حوار مع «المجتمع» في الجزء الثاني من
الحوار المنشور في العدد 1120
الموافق 6 جمادى الأولى 1415هـ- 11
أكتوبر 1994م إلى أن نتائج الانتخابات البلدية في 27 مارس الماضي أدت إلى قيام الدول الغربية
بمتابعة الرفاه والاهتمام به ولذلك يتوافد سفراء تلك الدول على مقار "حزب
الرفاه" للتحاور مع المسؤولين والتعرف بشكل مباشر على الحزب واستراتيجيته.
أسباب
الزيارة
وبالتالي
فإن محاولات الغرب لمعرفة الرفاه والتعرف عليه بشكل غير مباشر ليست سرًا ولا يضعف
مصداقية الرفاه، بل يؤكد واقعية الطرفين الغربي والرفاه وإذا كان أربكان قد سافر
إلى الولايات المتحدة التي يعلن دائمًا اعتراضه على سياستها فإنه ليس معنى ذلك أنه
أحدث تغييرات جوهرية في أفكاره رغم أن سبب الزيارة كان بهدف دعم المسلمين الأتراك
لإخوانهم المسلمين في الولايات المتحدة خاصة بعد تخريب الجامع الذي أقامه الباكستانيون في مدينة يوفاسيتي
بكاليفورنيا، علاوة على محاولة تنظیم 7 ملايين مسلم لإزالة الصور السيئة وغير الصحيحة
التي تلصق بالمسلمين من خلال آلة الدعاية الصهيونية، وهذا ما أعلنه أربكان سواء في
تصريحات صحفية عقب عودته أو أمام اجتماع المجموعة البرلمانية لحزبه.
وحول
لقائه بالمسؤولين الأمريكيين أكَّدَ أربكان على أن ذلك تم بناءً على رغبتهم
وبوساطة السفير التركي بواشنطن وأنه وجد في ذلك فرصة لتعريفهم على "حزب
الرفاه" دون وسطاء. وقال إنه أبلغهم برسالة الرفاه وأنه لا خوف على
الديمقراطية وحتى العلمانية لأن الأحزاب التركية لا فرق بين مفهومها للعلمانية
ومفهوم قبائل التوتو في رواندا للعلمانية، فالعلمانية المطبقة في الدول الغربية
يقبلها الرفاه لأنها تعطي للناس حق الاعتقاد بينما الفقرة الأخيرة من المادة 24 في الدستور التركي تجعل الأتاتوركية الدين
الرسمي للبلاد، وينصبون أنفسهم حماة للجمهورية رغم أن الرفاه أكثر منهم تمسكًا بها
فأعضاء أول مجلس أمة تركي كان كلهم على مبادئ "حزب الرفاه".
وأشار
الكاتب أمين أوزجونل في جريدة «صباح» يوم 29 أكتوبر 1994م إلى لقاء أربكان بمساعد وزير الخارجية الأمريكي
الذي أخبر أربكان بأن أمريكا لا تريد رؤية إيران
ثانية، وأنه لا مانع من وصول الرفاه إلى الحكم عبر الطرق الديمقراطية إلا أنه إذا
وقف الرفاه ضدها فستطالب تركيا بسداد ديونها. فرد أربكان قائلًا: نأتي إلى الحكم
عبر الطرق الديمقراطية ونخرج أيضًا عبرها، كما أننا شركاء في السلطة من قبل، وفي
الانتخابات الأخيرة جئنا إلى سلطة الإدارات المحلية، أما ديوننا فسددناها من قبل،
فلا تقلقوا فمجيئنا للسلطة يعنى الاستقرار. واقترح أربكان عند الحديث عن التطورات
في البوسنة والهرسك أن تنقل الطائرات الخاصة بالناتو إلى تيرانا بدلًا من إيطاليا إلا أن المسؤول الأمريكي ذكّر أربكان بأن ألبانيا ليست عضوًا في الناتو فقال أربكان إنه
يجب عمل معاهدة من أجل إقامة السلام العالمي.
وحول
احتمالات تغيير أفكاره أو مبادئ "حزب الرفاه" قال أربكان في المؤتمر
الصحفي الذي عقده في المطار عقب عودته يوم 22/10/1994م إن الزيارة كانت شعبية من شعب لشعب، ولم تكن
رسمية، كما أننا لن نتغير، ولكن الولايات المتحدة ستتغير إن شاء الله!
وقال
إنه التقى مع المسؤولين في «السي. آي. إيه» وأجاب على كافة الاستفسارات وأوضح لهم
كافة الحقائق عن "حزب الرفاه" حيث أبلغوه بأنهم سيتعاملون مع الرفاه إذا
وصل إلى الحكم؛ حيث يرون الرفاه حزبًا ديمقراطيًا وضد الإرهاب.
تغيير
الأفكار
وحول
مبررات الاتصال بالمسؤولين الأمريكيين أثناء الزيارة قال عبدالله جول الأمين العام
المساعد لـ"حزب الرفاه" في تصريح صحفي لـ«المجتمع»: إن اللقاءات مع
المسؤولين لم تكن في جدول الأعمال إلا أن نورت فان دمير السفير التركي في الولايات
المتحدة نقل رغبة المسؤولين للاتصال فكانت فرصة للتعارف بشكل مباشر خاصة وأن بعض
الأمريكيين يعتقدون بسبب تأثير بعض الصحف بأنه إذا جاء الرفاه إلى السلطة ستتحول
تركيا إلى إيران ثانية وبالتالي فإن تغيير هذه الأفكار يلزمه التعارف واللقاء
المباشر والاستماع إلينا، ولذلك كان مسؤولو السي. آي. إيه» يتابعوننا في كل لقاء وفي اجتماع جامعة جورج تاون قالوا لنا: إنهم قلقون إذا جاء
الرفاه إلى الحكم في تركيا، إلا أنه نتيجة للحوار المباشر تم انتزاع الأفكار
السلبية عن الرفاه وأصبح كل شخص مستعدًا لمجيء الرفاه إلى السلطة».
وبسبب
نجاح أربكان في إزالة الالتباس وتوضيح صورة الرفاه حاولت بعض الصحف الأمريكية
والتركية إثارة ظلال من الشك على أربكان خاصة بسبب زيارته للمؤسسة المتحدة
للدراسات والبحوث في فرجينيا التي اعتبرتها الصحف معبرة عن أفكار حماس؛ لذلك بعث
سردار تورغوت رسالة صحفية إلى جريدته نشرت في 25/10/1994م ليلقي بالشكوك على زيارة أربكان يقول فيها: إن
واشنطن اعتبرت زيارة أربكان للمؤسسة المتحدة عملًا غير مريح. واعترض تورهان تایان
رئيس المجموعة البرلمانية لحزب الطريق القويم -على زيارة أربكان للمؤسسة وطالب في
تصريحات صحفية نشرتها «صباح» يوم 26/10/1994م بتقديم المعلومات حول الزيارة للمدعى العام
الجمهوري والاستماع إلى أربكان.
وأيًّا
كانت الاعتراضات على لقاءات أربكان مع المسؤولين الأمريكيين فإن "حزب
الرفاه" لم يغير من مواقفه أو أفكاره من أجل إرضاء الولايات المتحدة، بل إنه
عبر بتلك الاتصالات عن واقعيته السياسية وعدم تجاهله للقوى العالمية الموجودة سواء
اعترفنا بها أم لم نعترف فالاتصال ضرورة حتمية استهدفت رفع الالتباس ووضع أسس
للتعاون في حالة الوصول إلى الحكم بشرط ألا تكون متعارضة مع أفكار ومبادئ الحزب
ولا تؤثر في الأمن القومي للخصم، وهو ما يشير إلى البعد الإستراتيجي في فكر
"حزب الرفاه"
الذي هو في الأساس حزب سیاسي يستمد أفكاره من المبادئ الإسلامية وليس حركة
إسلامية، وبالتالي فإنه يتحرك في الإطار السياسي العام وفقًا للظروف دون التنازل
عن المبادئ وهو ما أكَّدَ عليه أربكان وقبلته واشنطن لعدم تكرار التجربة الجزائرية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل