العنوان هل هو بداية للعصيان التركي أم مجرد تجميل سياسي قبل الانتخابات؟!
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-سبتمبر-1994
مشاهدات 59
نشر في العدد 1115
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 06-سبتمبر-1994
تركيا: رفض أنقرة للجزء المشروط من المساعدات العسكرية الأمريكية
· تخفيض
10% من المساعدات الممنوحة لتركيا بسبب حقوق الإنسان والقضية القبرصية.
· تنامي
الروح الإسلامية وزيادة شعبية حزب الرفاه الإسلامي وتولي سويسال الخارجية ساهم في
الرفض التركي.
رغم محاولات الحكومات التركية المتعاقبة إثبات الولاء الدائم لواشنطن
خاصة منذ الثمانينات، فإن الأخيرة لا تكتفي بذلك بل تمارس ضغوطها بشكل دائم وممنهج
على تركيا لتظل دائما في موقف دفاعي واستجدائي لضمان استمرار الولاء على الطريقة
الأمريكية. إلا أن هذا الأسلوب ورغم نجاحه في بعض الأوقات ومع بعض الدول لا يمكن
ضمان نجاحه الدائم مع الشعب التركي الذي يرفض سياسة ممارسة الضغوط عليه، مما يضطر
الحكومات إلى اتخاذ بعض القرارات والمواقف التي تعبر عن السخط الشعبي بهدف ضمان
الاستمرار في الحكم والمشروط بأصوات الناخبين، وتجربة التدخل في قبرص عام 1974 خير
دليل على ذلك، والذي كان نتيجتها تجميد العلاقات بين البلدين وقطع المعونة
الأمريكية عن تركيا.
في نفس المضمار يأتي رفض تانسو تشيللر رئيسة الوزراء التركية للجزء
المشروط من المساعدة العسكرية الأمريكية في ميزانية العام المالي المقبل 1995، في
الوقت الذي طالبت فيه الأحزاب التركية بالرفض الكامل للمساعدات وليس 10% منها فقط.
ويبدو أن الكونجرس الأمريكي ما زال يعمل بنصيحة فوستر دالاس الشهيرة عندما قال
للنواب المتحمسين لزيادة المعونة الأمريكية لتركيا لضمان الولاء: "ما فائدة
أن يضع الصياد طعما في سنارته بعد اصطياد السمكة"، أي أنه بعد أن تم اصطياد
تركيا بطعم المعونة فلا فائدة من إطعامها بعد الصيد وهو ما يتم العمل به مع تركيا
حتى الآن.
وبعد أن وقع الرئيس الأمريكي على مشروع موازنة المساعدات الخارجية
للعام المالي 1995 وذلك يوم 26/8 (أغسطس)، والتي تقدر بـ 13.7 مليار دولار سيكون
نصيب تركيا منها 328 مليون دولار بعد تخفيض نسبة 10% من المبلغ المقترح في مشروع
الموازنة والذي كان 453 مليون دولار وذلك بسبب مخالفات حقوق الإنسان في تركيا وعدم
حل القضية القبرصية.
وكانت الموازنة العامة للمساعدات الخارجية قد قررت 3 مليارات دولار
للكيان الصهيوني و2.1 مليار دولار لمصر و850 مليون دولار للجمهوريات السوفيتية
السابقة و359 مليون دولار لدول أوروبا الشرقية و75 مليون دولار لأرمينيا في الوقت
الذي لم تحصل فيه أذربيجان على شيء من واشنطن و227 مليون دولار لليونان... إلخ.
وجدير بالذكر أن الكونجرس الأمريكي كان قد ناقش مشروع قانون المساعدات الخارجية في
عدة لجان في شهور مايو ويونيو ويوليو الماضية، وكان قد حدد لتركيا 365 مليون دولار
مقابل 255.15 مليون دولار لليونان رغم أن الإدارة الأمريكية كانت قد اقترحت
مساعدات لتركيا تقدر بـ 453 مليون دولار تركتها لجنة المعونات إلى 365 مليون
دولار.
معارضة النواب
أثناء المناقشات هاجم ستيني هوير –رئيس لجنة المساعدات– تركيا التي
تستخدم الأسلحة الأمريكية الصنع ضد الأكراد، وقال مون بورتر إن تركيا تنتهك حقوق
الإنسان، وأشار إلى حادث رفع الحصانة عن النواب الأكراد (تم إسقاطها فيما بعد)
وهاجم بعض النواب أيضا تركيا بسبب عدم حل القضية القبرصية، بل إن السيناتور
الديمقراطي باتريك لياهي أدخل تعديلا على نص القرار في الصفحة 31 من مشروع القانون
يقضي بعدم استخدام الأسلحة التي ستحصل عليها تركيا من أموال المساعدات في الحفاظ
على الأمن الداخلي أو توزيعه على قوات الشرطة، واقترح البعض بتخفيض المبلغ الممنوح
لتركيا بنسبة 25% كعقوبة لها بسبب موضوع حقوق الإنسان والقضية القبرصية.
وكان رد الفعل التركي على ذلك قويا حيث اتفقت ردود الفعل جميعها سواء
من الحكومة أو المعارضة على رفض المساعدات المشروطة، واعتبرت ذلك تدخلا في الشؤون
الداخلية لتركيا، وتبلور أول رد عملي على الموقف الأمريكي آنذاك بعدم إصدار توصية
من مجلس الأمن القومي التركي في جلسته المنعقدة يوم 28 مايو أيار الماضي بالتمديد
لعمل قوة المطرقة (الانتشار السريع)، وإن كان قد أوصى فيما بعد بالتمديد بعد تراجع
الكونجرس عن شرط استخدام السلاح ورفض كلينتون تخفيض نسبة الـ 25% المقترحة.
وعموما انتهت لجان الكونجرس بالاكتفاء بخصم 10% من المعونة العسكرية
الأمريكية لتركيا ليصبح المبلغ 328 مليون دولار وهو أدنى مساعدة تحصل عليها أنقرة
منذ 15 سنة، وكذلك أول مساعدة مشروطة منذ حظر 1970، وذلك في الوقت الذي ظهرت فيه
اقتراحات جديدة تنص على قطع المساعدات الأمريكية كلية عن تركيا يتبناها السيناتور
روبرت دول الموالي للأرمن.
وإذا كانت المساعدات الأمريكية لتركيا تسبب توترا في العلاقات بين
البلدين منذ سنوات، خاصة في ظل اتخاذ أي قرار حول تقليص مبلغ المساعدة، فإن إدارة
كلينتون تعتبر هي الأكثر ضغطا على تركيا خاصة وأنها كانت قد قررت مساعدة عسكرية
قيمتها 450 مليون دولار، ومساعدة اقتصادية 143 مليون دولار في ميزانية العام
الحالي 1994. والأمر الذي أزعج أنقرة بالنسبة لبرنامج المساعدات أنها تحولت من هبة
لا ترد إلى قروض ائتمانية بفائدة بسيطة مخفضة لمدد طويلة، والولايات المتحدة تطالب
بديون عسكرية لدى تركيا تقدر بـ 7.5 مليارات دولار وبإضافة الـ 450 مليون دولار
الممنوحة في العام الحالي يكون الدين 8 مليارات دولار علاوة على المبلغ الممنوح في
ميزانية 1995، وكانت إدارة الرئيس السابق جورج بوش قد طلبت في عام 1992 منحة
لتركيا تقدر بـ 543 مليون دولار إلا أن الكونجرس طلب تخفيضها إلى 450 مليون دولار
مع تحويلها إلى قرض بفائدة بسيطة.
علاوة على أن إدارة كارتر طبقت رسميا اقتراح أن تكون نسبة المساعدات
الأمريكية لليونان 7 من 10 حيث حصلت تركيا في العام الحالي على 450 مليون دولار
واليونان 315 مليون دولار وفي العام المالي المقبل 328 مليون دولار مقابل 227
مليون دولار لليونان بعد أن تم تخفيض 10% من اليونان أيضا بسبب خرقها لقرارات
الحظر الدولي المفروض على صربيا.
يأتي ذلك في الوقت الذي كانت وزارات الخارجية والخزانة ووكالة
الاستخبارات الأمريكية والبنتاجون قد أعدوا تقريرا بناء على طلب من الرئيس كلينتون
نصح واشنطن بأهمية اتباع سياسة ثابتة تجاه أنقرة تهدف إلى تقوية العلاقات بين
البلدين وعدم إهمال تركيا بعد الحرب الباردة، خاصة وأنها قوة إقليمية مهمة يمكن من
خلالها دعم الأهداف الأمريكية، وأن على واشنطن أن تعمل في هذا الاتجاه حتى وإذا
كانت المساعدات لا تهيئ الشروط المناسبة من أجل إقامة أسس سليمة للعلاقات التركية
الأمريكية، وأنه يجب تطوير الإستراتيجية الأمريكية تجاه تركيا فورا من أجل دعم
وتزويد الإمكانيات التجارية في حالة قبول وتطبيق فكرة تقليل المساعدات الأمريكية
لتركيا، وأعطى التقرير نموذجا لذلك بأن تقوم الولايات المتحدة بمساعدة تركيا في
تنفيذ مشروع أنبوب الغاز والبترول من الجمهوريات التركية في آسيا الوسطى إلى تركيا
علاوة على أن تأخذ تركيا مكانة مميزة في العلاقات التجارية مع أمريكا.
وبالطبع لم يأخذ كلينتون بالنصائح التي وردت في التقرير خاصة بعد أن
رضخت أنقرة بالنسبة لتحويل الهبة إلى قروض عسكرية في موازنة 1994، ولم تعدل الشروط
أثناء مباحثات تجديد معاهدة الدفاع المشترك التي بدأ العمل بها من العام الحالي
رغم الضغوط الأمريكية، ورفض واشنطن بيع تركيا طائرات التموين من الجو من طراز KC-135 حيث تطلب تركيا 3 طائرات قيمتها 300 مليون
دولار إلا بشرط الاستخدام المشترك والإبلاغ مقدما عن مهماتها وعدم بيعها لأطراف
أخرى، وهو ما ترفضه أنقرة. رغم أن لدى الولايات المتحدة فائضا من هذه الطائرات،
ووفقا للقوانين الأمريكية فإنه في حالة وجود فائض في أي نوع من الأسلحة وتطلبها
إحدى الدول الحليفة فإنه يتم منحها لها فورا إما مجانا أو بثمن مخفض.
وبالتالي فإن المساعدات الأمريكية المشروطة لتركيا في الموازنة
المالية لعام 1995 والتي رفضت رئيسة الوزراء التركية الجزء المشروط منها ويقدر بـ
36.5 مليون دولار يعتبر رسالة من أنقرة بعدم الرضوخ للضغوط الأمريكية، وإن كان
البعض يعتبر ذلك الموقف أولى ثمار تعيين ممتاز سويسال المعارض لواشنطن وزيرا
للخارجية، والذي يتبنى سياسة خارجية حيادية لبلاده ومستقلة، إلا أنه يجب عدم إهمال
سبب قرب الانتخابات وتقدم حزب الرفاه في الانتخابات المحلية السابقة واحتمالات فوزه
بالانتخابات البرلمانية المقبلة والمتوقع أن تكون مبكرة في منتصف العام المقبل
1995، وهو الأمر الذي يمكن اعتباره عاملا مؤثرا في موقف تانسو تشيللر -رئيسة
الوزراء التركية– التي تحاول تجميل وجه حزبها وسياستها قبل تلك الانتخابات خاصة
وأن الشعب التركي لا يخفي ضجره من الضغوط الأمريكية والأوروبية عليه.
وعموما فإن رد فعل أنقرة ورفضها للجزء المشروط من المساعدات يعتبر
تقدما يحسب لسويسال وزير الخارجية التركي الجديد ومؤشرا إيجابيا قد يساهم في اتخاذ
تركيا سياسة مستقلة عن الكتلة الغربية وهو ما يصب إستراتيجيا في خانة المصالح
الإسلامية خاصة وأن سبب التغيير البسيط في موقف الحكومة التركية ناتج عن ضغوط
شعبية إسلامية وجب معه امتصاص تلك الضغوط مما يعني إمكانية استثمار تنامي الروح
الإسلامية في توجيه السياسة التركية وإجبار الحكومات التركية أيا كانت هويتها على
عدم تجاهل الرأي العام، خاصة في ظل وجود حزب الرفاه الإسلامي صاحب الخبرة السياسية
التي تمكنه من إدارة الرأي العام وتوجيهه لصالح المصالح الإستراتيجية لتركيا
والعالم الإسلامي..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل