العنوان تركيا: تشيللر تقود انقلابًا مدنيًّا ضد حزب الرفاه
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-ديسمبر-1994
مشاهدات 103
نشر في العدد 1130
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 20-ديسمبر-1994
- المعلقون
والكتاب الأتراك يحذرون من إغلاق الرفاه.. ومسعود يلماظ ينتقد تقديم
الاتهامات للإعلام.
- أربكان
يتحدى ويعلن ثروته في مؤتمر صحفي.. وتشيللر تلتزم الصمت بعد إشعال المعركة.
في طريق عودتها من قمة مؤتمر الأمن والتعاون
الأوروبي الذي انعقد يومي 5 و 6 ديسمبر الجاري في العاصمة الهنغارية بوادبست، قالت
السيدة تانسو تشيللر - رئيسة الوزراء التركية - للصحفيين الذين كانوا يرافقونها في
الطائرة إن لديها وثائق هامة جدا متعلقة بحزب الرفاه يمكن أن تقوده إلى نفس مصير
حزب العمل الديمقراطي «كردي»، والذي تقرر حله بقرار من المحكمة الدستورية، وقضت
محكمة أمن الدولة العليا بحبس 8 من نوابه الذين أسقطت عنهم الحصانة، إذ صدرت
الأحكام يوم 8 ديسمبر الجاري بسجن كل من خطيب دجلة وأروخان دوغان، وأحمد تورك،
وليلى رنا، وسليم صادق لمدة 15 عاما.
إشارة بداية الحملة
وبالطبع لم تكن أقوال تشيللر للصحفيين مجرد ثرثرة
سفر، ولكنها كانت الإشارة لبداية حملة منظمة ضد حزب الرفاه تنتهي بإغلاقه مثل حزب
العمل، خاصة بعدما نجحت عملية إغلاق الأول دون مواجهة ردود فعل سلبية على المستوى
الداخلي، ولذلك خرجت الصحف التركية الثلاث الكبرى بمانشيتات رئيسية حول إغلاق حزب
الرفاه، فعنوان صحيفة «حريت» الرئيسي كان: «نستعد لتقديم حزب الرفاه إلى المجلس
مثل حزب العمل الديمقراطي»، وذلك في عدد يوم 6/ 12 الجاري، وهو مأخوذ من مقال أر
طوغرل أوزكوك - مدير التحرير المقرب من رئيسة الوزراء.
وكان عنوان جريدة «ملليت» يوم 6/ 12 أيضا كما يلي:
«تهديد تشيللر للرفاه»، والموضوع الثاني في نفس الصفحة الأولى كان بعنوان:
«الكماشة الثلاثية ضد الرفاه»، كما أبرزت «صباح» ذلك أيضا في صفحتها الأولى.
وهو ما يؤكد على أن هناك حملة منظمة ضد الرفاه
تستهدف إما إغلاقه، أو تكبيل تحركاته، أو تخويف المؤيدين له من خلال سلاحي الصحافة
والمدعي العام الجمهوري، لقطع الطريق عليه قبل وصوله إلى السلطة عبر صناديق
الانتخابات، أي من خلال ما يمكن وصفه بالانقلاب المدني ضد احتمالات فوز الرفاه
الإسلامي.
وبالطبع فإن تشيللر أشارت في كلامها إلى ارتباط
قيام الرفاه بجمع أموال للبوسنة والهرسك، واستخدامها في النشاط الحزبي، وفقا لما
جاء في مقال أرطوغرل أوزكوك - مدير تحرير صحيفة «حريت» - في عدد 6/ 12/ 1994م.
وحددت صحيفة «ملليت» خطوات إغلاق الرفاه في عددها
الصادر يوم 6/ 12/ 1994م بأن المدعي العام الجمهوري يبحث ويحقق لإيجاد دليل واحد
على قيام الرفاه بجمع أموال لصالح البوسنة والهرسك واستخدامها لأغراض حزبية، ثم
رفع الحصانة البرلمانية عن نجم الدين أربكان - زعيم الحزب - وتشكيل لجنة رسمية
للتحقيق في علاقة أموال أربكان وحزب الرفاه، علاوة على قيام كل من الاستخبارات
التركية وأجهزة الأمن، ووزارتي الخارجية والداخلية بمتابعة أنشطة الرفاه في الخارج
خاصة ألمانيا، والعلاقات مع تنظيم «مللي جوريش».
إلا أن خالوق يرديمجي - المدعي العام الجمهوري -
صرح للصحف التركية في نفس اليوم 6/ 12/ 1994م، بأنهم لا يأخذون أوامر من أحد ولا
يغلقون حزبا بالأمر، وأنه ليس لديهم وثائق كافية.
رد الفعل
وتبلور رد فعل الرفاه الأول في تصريحات أصيل تورك -
نائب رئيس المجموعة البرلمانية للرفاه - إذ أكد أن ادعاءات تشيللر من وحي خيال
صنعته بنفسها، وأن كلامها هراء لا قيمة له، ولا يعطي الحزب له أهمية، فالذين
انهزموا أمام حزب الرفاه لا يوجد لديهم سلاح سوى مهاجمة الرفاه.
وقال رضا أولوجاك - الأمين العام المساعد لحزب
الرفاه - إن أقوال تشيللر مخالفة لقوانين المحكمة الدستورية، وأن بحث مجلس الشعب
التركي لإقرارات الذمة المالية لا يقتصر على رئيس الرفاه فقط، بل يخضع له كافة
الزعماء وليس أربكان فقط.
وهو الأمر الذي ذهب إليه حتى مسعود يلماظ - زعيم
«الوطن الأم» المعارض - الذي علق على تصريحات تشيللر بكلمات بسيطة معبرة تتلخص في
أن تذهب إلى المحكمة الدستورية إذا كانت ادعاءاتها صحيحة، لا أن تذهب إلى وسائل
الإعلام.
وقال مصطفى كول - نائب أرزينجان عن الحزب
الاجتماعي، ونائب رئيس لجنة بحث الذمة المالية لزعماء الأحزاب التركية في مجلس
الشعب التركي - إن البحث لم ينته والوثائق التي لديهم لا تعطيهم حق كلمة إغلاق
حزب، ولكن عند الانتهاء من التحقيقات فإن الأمر يرجع للمدعي العام الجمهوري،
فتركيا دولة قانون.
وأرجع شوكت قازان - نائب رئيس حزب الرفاه - أن حملة
تشيللر ضد حزبه تتم وفقا لما تم الاتفاق عليه بين الاستخبارات التركية MGT والموساد الصهيوني والاستخبارات الأمريكية، بضرورة تصفية الرفاه
قبل وصوله للسلطة أو حتى لصناديق الانتخابات، وأكد بأن تركيا دولة قانون والرفاه
يمارس أنشطته وفعالياته في إطار ذلك، وأنه لم يحصل على أية أموال من الخارج.
الاتفاق على خطأ تشيللر
واتفق معظم المعلقين وكتاب الأعمدة من العلمانيين
المستنيرين على خطأ إغلاق حزب الرفاه، فكتب روشن تشيكار يوم 6/ 12/ 1994م، مقالا
للإجابة عن السؤال التالي: «ماذا سيحدث إذا ما أغلق الرفاه؟» قال فيه: إن ذلك
الأمر يعني تجاهل 20% من الأصوات التركية المؤيدة للرفاه، وبالتالي إبعاد خمس
الشعب عن النظام، وسيؤدي ذلك إلى تصاعد الصراع العلماني - الإسلامي، وسيدعم التوجه
الإسلامي الراديكالي الرافض للحزبية، إذ ستتجه قاعدة الحزب إلى الكيانات
الراديكالية الموجودة أو تشكيل راديكاليات حرة، مما يعني أن تواجه تركيا أحداثا
مريرة، فإشارة تشيللر التي يفهم منها أنها ستضع أربكان وقيادة الحزب في السجن يعني
تحولهما إلى نموذج عباس مدني وعلي بلحاج في الجزائر، وتبدأ حرب أهلية يجب التنبه
إليها قبل أن تحدث، وهو ما ذهب إليه أيضا المعلق العلماني البارز حسن جمال في
مقاله بصحيفة «صباح» يوم 7/ 12/ 1994م والذي كان عنوانه «جزأرة تركيا».
وقال: إنه طالما سمع أصواتا في الدولة تهمس لإغلاق
حزب الرفاه، وهو ما أعلنت عنه تشيللر مؤخرا، مما يعني في حالة حدوثه استبعاد أصوات
20% من الشعب.
أما طه أقيول - المعلق اليساري المعروف - كتب مقاله
اليومي في صحيفة «ملليت» يوم 8/ 12/ 1994م، بعنوان «إغلاق الرفاه»، حذر فيه من
ارتكاب تشيللر لهذا الخطأ، مذكرا بأن أتاتورك رغم قوة شخصيته وزعامته تردد كثيرا
في منع الحرية الفكرية.
وأنهى مقاله بأن الحل ليس في إغلاق حزب الرفاه،
وإنما في توحيد صفوف الأحزاب اليمينية، لأن ضعفها مسؤوليتها هي وليس مسؤولية
الرفاه، فظن تشيللر بأن بإغلاقها الرفاه ستزداد أصوات حزبها «الطريق القويم» ليس
في محله.
وهو ما أكده أيضا عصمت سيزجين -وزير الداخلية
التركي السابق والمنافس السابق لتشيللر على زعامة الطريق القويم- إذ قال في تصريح
صحفي لصحيفة «حريت» يوم 7/ 12/ 1994م: «إنه يجب علينا العمل مثل الرفاه لنفوز،
فلتعمل نساء حزبنا مثلما تفعل نساء الرفاه اللاتي يقمن بالدعاية من باب إلى باب».
وهذه العينة من ردود فعل الكتاب والمعلقين والساسة
العلمانيين شهادة من معارضي الرفاه لخطورة توجه تشيللر والذي لا يعرف سببه
المفاجئ.
وأصبح السؤال المثار حاليا: لمصلحة من تحاول تشيللر
إغلاق الرفاه خاصة وأن رجال الأعمال يرفضون ذلك ولا يرون في توليه الحكم أية
مشكلة؟ كما أن الجيش نفسه - رغم قيامه بطرد الضباط ذوي التوجهات الدينية - أعلن
أكثر من مرة على لسان رئيس الأركان السابق دوغان جوريش بأنه لن يتدخل في خيار الشعب
سواء جاء الرفاه أو غيره، مادام لم يهدد أحد النظام العلماني وأسس الجمهورية
التركية.
فهل يكون ظن شوكت قازان في محله بأن تشيللر تقوم
بتنفيذ خطة إسرائيلية ضد الرفاه؟ أم أن تكون عملية الرفاه محاولة لزيادة أصوات
حزبها الذي يتسم بالمحافظة مقارنة بباقي الأحزاب التركية الأخرى؟ أم تحاول إغراء
الغرب بقربها منه، وبأنها ستعمل على تقليم أظافر الإسلاميين ليرضى عنها ويمنحها
عضوية الوحدة الجمركية، والتي تعتبرها تركيا دخولا للنادي الأوروبي من الباب
الخلفي؟
الإجابة تحتمل كافة الاحتمالات السابقة، خاصة أنها
بعد أن فجرت تلك القنبلة لم تنبس ببنت شفة، خاصة بعدما أعلن أربكان تحديه العلني
لها، وأعلن في مؤتمر صحفي عن ذمته المالية بالتفصيل.
وقال أربكان إنه في الفترة من 1943 - 1965م قبل
دخوله السياسة كان مجمل ثروته مليونين و230 ألف ليرة تساوي 148 كيلو ذهبا آنذاك،
وانخفضت قيمة ثروته من 1980م - 1987م إلى 127 كيلو ذهبا.
وبعد أن كشف أربكان عن ثروته التي تقل بكثير عن
رئيسة الوزراء تانسو تشيللر لم تجد صحيفة «حريت» تعليقا يشفي غيظها إلا القول:
«أربکان مثل قارون» (عدد 9/ 12/ 1994م).
وتساءلت بعض الصحف عن النظام العادل، إذ يجب أن
يكون المسلمون جميعهم فقراء ليرضى عنهم هؤلاء!
عموما فإن كافة المعلومات المتوافرة لـ«المجتمع»،
تشير إلى صعوبة إغلاق حزب الرفاه بناء على التشويهات الصحفية، إذ إن التقارير
والتحقيقات الرسمية تؤكد نزاهة حزب الرفاه الذي يطالب بالذهاب للمحكمة الدستورية
لكشف هؤلاء الذين يحاولون تشويهه لإخفاء عوراتهم المالية وضعفهم السياسي.
وأيا كانت النتائج، فإن التجربة الديمقراطية في
تركيا أصبحت معرضة الحالية للخطر؛ إذ يحاول البعض جزأرتها بصيغة جديدة لمنع الرفاه
حتى من دخول الانتخابات خاصة بعدما أصبح من المؤكد فوزه بها، وهو الأمر الذي دفع
رئيسة الوزراء إلى معارضة إجراء الانتخابات التكميلية في الشهر الحالي، كما أنه
فاز في الانتخابات المحلية التكميلية التي أجريت يوم 4 ديسمبر الجاري، وحصل على
المركز الأول وفاز برئاسة 5 بلديات يتبعه الطريق القويم بـ 4 بلديات.
فهل ينجح عقلاء الأحزاب التركية بمنع تشيللر من
قيادة انقلاب مدني ضد الديمقراطية؟