العنوان تركيا ترسّخ دورها ووجودها في ليبيا
الكاتب د. سعيد الحاج
تاريخ النشر السبت 01-مايو-2021
مشاهدات 65
نشر في العدد 2155
نشر في الصفحة 54
السبت 01-مايو-2021
حالة العالم الإسلامي
«المسيّرات» التركية أدت دوراً حاسماً في قلب المعادلة العسكرية لصالح حكومة «الوفاق» ضد مليشيات حفتر
تركيا وليبيا وقعتا في اختتام اجتماع مجلس التعاون الإستراتيجي 5 اتفاقات رآها البعض أقل من التوقعات
انتخابات المجلس الرئاسي الليبي عززت الحضور التركي بليبيا وفتحت آفاقاً رحبة لدورها المستقبلي فيها
بعد أن أدت دوراً محورياً في استقرار الأوضاع في ليبيا وإنهاء آمال الجنرال المتقاعد خليفة حفتر في الانقلاب على المشهد السياسي واحتلال طرابلس، وبالتالي تحويل الجهود نحو الحل السياسي، تعمل تركيا مؤخراً على ترسيخ دورها ووجودها في ليبيا مع الحكومة الجديدة.
شنت قوات خليفة حفتر أكثر من عملية عسكرية ضد حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج السابقة، واستطاعت في آخرها محاصرة العاصمة طرابلس بعد أن أسقطت عدة مناطق في الغرب الليبي.
بمساعدة عدة دول عربية وإقليمية، كان حفتر يظن نفسه قادراً على حسم الأمر عسكرياً واحتلال طرابلس، وبالتالي إسقاط حكومة الوفاق وكامل المنظومة السياسية القائمة، ليتسيَّد المشهد تماماً ويعلن نفسه زعيماً لليبيا؛ الأمر الذي كانت عدة دول مستعدة للاعتراف به والتعامل معه.
كانت تركيا قد وقعت مع حكومة الوفاق الوطني برئاسة السراج، في نوفمبر 2019م، اتفاقين؛ الأول لترسيم الحدود البحرية بين البلدين بما عاد بالمكاسب على كليهما في مواجهة أطماع اليونان في شرق المتوسط، والثاني للتعاون الأمني والعسكري بينهما بما يشمل التدريب والتنسيق، وكذلك إرسال قوات تركية في حال طلبت حكومة الوفاق من أنقرة ذلك.
وتنبع أهمية الاتفاقين من أنهما يقعان في قلب معركة التنافس الجيوسياسي في المنطقة بين تركيا والمحور المواجه لها من جهة، ومن جهة أخرى يخدمان أمن الطاقة الخاص بها ويعضدان موقفها في مسألة شرق المتوسط، التي باتت أولوية أولى في قائمة سياستها الخارجية، بهذا المعنى كان إسقاط حفتر لحكومة الوفاق –لو تم- يعني إسقاط الاتفاقين، رغم أن ذلك ليس في مصلحة بلده، وهو أمر كان يعلنه ولا يخفيه، وبالتالي كان سيمثل خسارة أمنية وإستراتيجية لتركيا؛ الأمر الذي لم تكن لتسمح به.
سريعاً تحركت أنقرة، وبعدد قليل من القوات استطاعت قلب المعادلة في ليبيا؛ فقد عملت من جهة على تنسيق عمل القوات والمجموعات التابعة لحكومة الوفاق، ومن جهة أخرى على التدريب والتوجيه، ومن جهة ثالثة فقد أدت الطائرات بدون طيار (المسيّرات) التركية دوراً حاسماً في قلب المعادلة العسكرية لصالح «الوفاق».
فبعد إنجازاتها الملحوظة في سورية، أدت المسيّرات الدور الرئيس في كسر الحصار عن طرابلس ورد قوات حفتر عنها، ثم مساعدة حكومة الوفاق في استرداد كامل الغرب الليبي وطرد قوات حفتر منها، والتوجه شرقاً، قبل أن تتوقف قوات الوفاق في سرت والجفرة بعد تدخل دولي وإقليمي.
عند هذه النقطة تحديداً، يبدو أن بعض القوى الدولية والإقليمية وصلت إلى قناعة مفادها أن حفتر لم يعد قادراً على حسم المعركة عسكرياً، ما أعاد الزخم للمسار السياسي وتفعيل فكرة انتخابات المجلس الرئاسي والانتقال لمرحلة جديدة في ليبيا، كما أن دولاً أخرى -مثل مصر- بدّلت موقفها من حكومة الوفاق، وبدأت بنسج علاقات معها.
بعد الانتخابات
في فبراير الماضي، أجريت انتخابات المجلس الرئاسي الليبي، ليقود فترة انتقالية حتى نهاية العام، لتجري حينها انتخابات عامة في عموم البلاد، وكان السؤال الأهم هو توجهات القيادة الجديدة وموقفها من مختلف الدول المنخرطة في الأزمة، ومنها تركيا، ولا سيما أن بعض الدول كانت تطالب بخروجها من ليبيا.
التصريحات الأولى للقيادات الليبية الجديدة أتت من خلال وكالة «الأناضول» للأنباء -وفي ذلك دلالة لا تخفى- متحدثة عن تركيا كدولة «شريكة وصديقة وموثوقة» مع رغبة بتعزيز التعاون معها وتطويره.
بدأ المجلس الرئاسي الجديد مهامه في 16 مارس الماضي، وبعد 10 أيام فقط من ذلك كان رئيسه المنفي في تركيا مجتمعاً بالرئيس أردوغان، ودار الحديث حول التعاون في مختلف المجالات، دون التطرق بأي شكل للوجود التركي في ليبيا، الذي بدا أن المجلس الجديد مرحب به وممتن للدور الذي أدته لخدمة الاستقرار في ليبيا.
وبعد أقل من شهر من هذه الزيارة، كان رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد دبيبة يرأس وفداً رفيع المستوى ضم 14 وزيراً ومسؤولين آخرين إلى إسطنبول، في مقدمتهم وزراء الداخلية والخارجية والتعاون الدولي والصحة والنفط والغاز والاقتصاد والتجارة والمالية، إضافة لرئيس الأركان.
وكان الهدف الرئيس للزيارة، وفق ما أعلنت مصادر ليبية، هو «مناقشة ما تم الاتفاق عليه ودراسته مع تركيا» في الزيارة الأولى، ومن ضمن ذلك نقاش «مجموعة من الملفات المشتركة في قطاع الخدمات (الطاقة والصحة) وعودة الشركات التركية إلى ليبيا واستكمال المشاريع المتوقفة»، بينما قالت المصادر التركية: إن الزيارة ستشهد انعقاد الجولة الأولى من اجتماعات مجلس التعاون الإستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين، وهي خطوة متقدمة من التعاون تجمع تركيا بعدد من الدول، وتعبر عن ثقة أنقرة باستقرار المشهد الليبي واستمرار دعمها له.
الآفاق المستقبلية
وفق وكالة «الأناضول» للأنباء، فقد وقع الجانبان في اختتام اجتماع مجلس التعاون الإستراتيجي رفيع المستوى 5 اتفاقات، هي «بروتوكول حول إنشاء محطة كهربائية في ليبيا»، و»مذكرة تفاهم لتأسيس 3 محطات كهرباء في ليبيا»، و»مذكرة تفاهم حول بناء محطة ركاب جديدة في مطار طرابلس الدولي»، إضافة إلى «مذكرة تفاهم لبناء مركز تسوق في طرابلس»، و»مذكرة تفاهم حول التعاون الإستراتيجي في مجال الإعلام».
كما وقع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد دبيبة، على البيان المشترك للاجتماع الأول لمجلس التعاون الإستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين، وكانت الأجواء والتصريحات إيجابية بين الجانبين.
وبالنظر لعدد الاتفاقات وتفاصيلها، يمكن القول: إنها جاءت أقل من التوقعات، ولا سيما في ظل العدد الكبير من الوزراء المشاركين، ولعل ذلك يرجع إلى عدم الإعداد الجيد للزيارة أو عدم التوافق بين الجانبين في بعض الملفات، ولذلك فيما يبدو أعلنت أنقرة عن إرسال وفد تركي رفيع المستوى قريباً إلى طرابلس لاستكمال المباحثات مع الجانب الليبي.
بيد أن الجانب السياسي للزيارة أهم بكثير من الجانب الاقتصادي، ودلالاته أوضح كذلك، فالزيارة وما تخللها من تصريحات إضافة للاتفاقات الموقعة تقول بوضوح: إن القيادة الليبية الجديدة مرحّبة بالدور الذي مارسته تركيا سابقاً في ليبيا وبالتالي بوجودها المستقبلي، وتريد تطوير وتعميق العلاقات معها.
ويعني ذلك أول ما يعنيه بالنسبة لأنقرة عدم التعرض للاتفاقين الموقَّعَيْن مع ليبيا، وبالتالي عدم تأثرها سياسياً وأمنياً وإستراتيجياً بالواقع الجديد في ليبيا، بل على عكس ذلك فتح آفاق التعاون معها مستقبلاً في شتى القطاعات.
وبالتالي، فقد فرضت أنقرة نفسها لاعباً محورياً وأساسياً في القضية الليبية، ولعل من آثار ذلك أيضاً فتح إمكانية التنسيق والتعاون مع بعض الأطراف بخصوصها وتراجع حدة الخلاف معها، وفي مقدمة هذه الأطراف مصر التي تشهد العلاقات معها مرحلة جديدة عنوانها الحوار وليس المواجهة.
يضاف لكل ذلك أن الاتفاقات الموقعة مع حكومة الوحدة الوطنية الليبية وتلك المتوقع إبرامها لاحقاً ستعوض تركيا جزئياً عن الخسائر التي منيت بها شركاتها بعد الثورة الليبية وحالة عدم الاستقرار التي سادت بعدها، وستفتح الباب لها لتمارس دوراً محورياً في عملية إعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية وغيرها من المشاريع التي تمتلك فيها خبرة واسعة.
وبالتالي، خلاصة، على عكس توقعات البعض ورغبات البعض الآخر، فقد أدت الانتخابات التي جرت للمجلس الرئاسي الليبي إلى تعزيز الحضور التركي في القضية الليبية وفتح آفاق رحبة لدورها المستقبلي فيها، على قاعدة الربح للجميع وبما يفيد الجانبين، على الأقل حتى نهاية هذه الفترة الانتقالية وإجراء الانتخابات العامة في البلاد وانتظار ما ستسفر عنه، وإن كان من غير المتوقع وفق المعطيات الحالية أن ينتج عنها مخرجات مختلفة كثيراً تؤثر على ذلك سلباً.