العنوان تركيا تبحث عن حكومة إنقاذ.. وواشنطن تنصح باستبعاد الرفاه الإسلامي
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-مايو-1994
مشاهدات 55
نشر في العدد 1101
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 24-مايو-1994
·
أربكان
يشترط تطبيق النظام العادل للاشتراك في حكومة الوحدة الوطنية
·
يلماظ
وأجاويد في واشنطن قريبًا لدراسة سبل مواجهة الصحوة الإسلامية.
تبذل الولايات المتحدة الأمريكية حاليًا جهودًا
مكثفة لدى القوى السياسية في تركيا لضمان حالة الاستقرار السياسي حيث إن ذلك –من
وجهة نظر واشنطن– هو المدخل الآمن لنجاح خطة تانسو تشيللر الاقتصادية التي تدعمها
واشنطن وصندوق النقد الدولي بهدف قطع الطريق على حزب الرفاه الإسلامي من الوصول
إلى السلطة، بحيث أصبح مناطًا لأمل الشعب لحل مشاكل البلاد والعباد عبر البرنامج
العادل المستمد من الإسلام، خاصة بعد أن عم الفساد كافة مجالات الحياة، وهو الأمر
الذي دفع مدير إدارة التحصيلات والإيرادات إلى تقديم استقالة مسببة مؤخرًا قال
فيها إنه يستقيل بعد أن استفحل الفساد بشكل لم تصل إليه البلاد من قبل، علاوة على
إغلاق 3 بنوك خاصة خلال الشهر الماضي «أبريل» وظهور اتهامات -ما زالت لدى جهات
التحقيق- تطول أوزر تشيللر زوج رئيسة الوزراء التركية نفسها، وهو الأمر الذي حدا
بمسعود يلماظ زعيم «الوطن الأم» إلى التصريح بأنه سيقدم استجوابًا حول ذلك الأمر.
وأشار آخرون إلى أنهم سيقدمون رئيسة الوزراء إلى المحاكمة.
وذلك في الوقت الذي يزداد فيه الصراع السياسي
بين أجنحة حزب الطريق القويم نفسه علاوة على الصراع بين حزبي الحكومة وبين
المعارضة بكافة أحزابها والحكومة الائتلافية الحالية، وهو الأمر الذي يراه مستشارو
الرئيس بيل كلينتون خطرًا على الخطة الاقتصادية، حيث يرون أن استمرار الحكومة
الحالية هو أفضل الصيغ، بينما تطرح الأحزاب التركية سيناريوهات أخرى لصيغة الحكومة
الجديدة، ويتضمن أحدها مشاركة الرفاه الإسلامي، وآخر تشكيل حكومة يمينية بعد توحيد
حزبي الطريق القويم والوطن الأم تدعمها القوى المحافظة والصوفية لضمان حكومة تراعي
المشاعر الإسلامية بدلًا من الحكومة الحالية التي يصر أحد جناحيها وهو الحزب
الاجتماعي على استثارة المشاعر الإسلامية مما يفقد الحكومة الدعم الشعبي المطلوب
لتحقيق برنامجها الاقتصادي، وبالتالي تزايد احتمالات عدم نجاح حزبيها في
الانتخابات المقبلة.
سيناريو إشراك الرفاه
وسيناريو حكومة الوحدة الوطنية الذي يقترحه
مسعود يلماظ زعيم الوطن الأم بشرط أن يشارك فيه حزب الرفاه –وهو أحد السيناريوهات
الأربعة التي يقترحها– فإنه على الرغم من موافقة نجم الدين أربكان زعيم الرفاه على
إمكانية مشاركة حزبه، فإنه اشترط لذلك تطبيق نموذج حزبه المعروف باسم «النظام
العادل»، وطالب البرلمان باتخاذ إجراءات عاجلة لمواجهة الموقف السياسي والاقتصادي
المتدهور مقترحًا انتخابات مبكرة ليقول الشعب كلمته.
وأضاف بأنه إذا كان لا بد من إشراك حزبه في
حكومة وحدة وطنية حتى موعد الانتخابات فإن كوادر الرفاه ستعمل على تطبيق برنامج
الحزب في المواقع التي ستخدم فيها، وهي إشارة من أربكان إلى عدم تنازله عن
برنامجه.
وبالطبع فإن هدف سيناريو يلماظ من إشراك
الرفاه في حكومة وحدة وطنية يتضمن تحميل الرفاه جزءًا من مسؤولية الإخفاق الحكومي
المنتظر، وهو ما يعيه الرفاه جيدًا ويعمل على تحاشيه في الوقت الذي لا يهرب فيه من
تحمل المسؤولية.
وهذا السيناريو لا تؤيده واشنطن حيث نشرت
صحيفة «صباح» يوم 13 مايو الحالي تصريحًا لمسؤول أمريكي وصفته بأنه رفيع المستوى
تحت عنوان: «لن نتفاهم مع الرفاه»! جاء فيه: «إنه ليس صحيحًا أن الإدارة الأمريكية
قررت إقامة حوار مع الرفاه مستقبلًا» مشيرًا إلى أن استمرار الحكومة الحالية هو
الأفضل لواشنطن.
سيناريو سحب جماهير الرفاه
والسيناريو الذي سيتم اختياره للحكومة الجديدة
في تركيا سيتقرر خلال شهر حزيران «يونيو» المقبل حيث إنه من المتوقع أن يقوم مسعود
يلماظ زعيم الوطن الأم بزيارة لواشنطن خلال ذلك الشهر ومناقشة تفاصيل ذلك هناك
خاصة وأنه يحمل لواء معارضة رئيسة الوزراء التركية تانسو تشيللر ويعمل على إسقاطها
بكافة الوسائل، وهو الأمر الذي تراه واشنطن مضعفًا لقوى اليمين ويستفيد منه حزب
الرفاه الإسلامي، ولذلك من المتوقع نصيحته بالوحدة مع حزب الطريق.
كما سيقوم بولنت أجاويد زعيم اليسار
الديمقراطي بزيارة للولايات المتحدة تلبية لدعوة عدد من الجامعات الأمريكية للتحدث
حول السياسة الخارجية التركية وتنامي التيار الإسلامي في تركيا وكيفية مواجهته،
وسيلتقي أيضًا ببعض المسؤولين الأمريكيين لتنسيق المواقف ضد الرفاه الإسلامي وهو
الأمر الذي يتفق عليه اليمين واليسار معًا.
ولكن يبقى سيناريو حسام الدين جندروق رئيس
مجلس الشعب هو أفضل الصيغ لتشكيل الحكومة الجديدة حيث يدعو إلى توحيد حزبي الطريق
القويم والوطن الأم تحت راية حزب العدالة الذي تم حله عام 1980م بعد انقلاب العسكر
واستعداده لتولي حكومة عبر هذا الحزب الذي قد يسحب به كتلة من جماهير الرفاه.
وهذه الصيغة لا تخلو من دلالات سياسية أولها
أن حزب العدالة كان الوريث الشرعي للحزب الديمقراطي الذي كان يتزعمه عدنان مندريس
وخاض مواجهة كبرى ضد حزب الشعب الجمهوري العلماني، كما أعاد بعض الملامح الإسلامية
لتركيا أهمها عودة الأذان بصيغته العربية، كما أن الصحوة الإسلامية في عهده شهدت
نموًا كبيرًا، وهو الأمر الذي يعتبره بعض الإسلاميين محمودًا، ولذلك كانت القوى
الإسلامية والصوفية تدعم الحزب الديمقراطي حتى جاء انقلاب العسكر عام 1960م وأطاح
بمندريس وأعدمه مع اثنين من وزرائه وألغى حزبه الديمقراطي آنذاك، إلا أنه بعد عدة
سنوات تشكل حزب العدالة من كوادر الحزب الديمقراطي وخاطب نفس قاعدة الحزب، ونجح سليمان
ديميريل في تولي قيادة ذلك الحزب من عام 1965م إلى عام 1980م حيث ألغاه العسكر
ثانية، وكان يخاطب الجماهير الريفية المحافظة ورغم إعلانه التمسك بالمبادئ
العلمانية إلا أنه كان يبدي احترامًا للإسلام، وهو الأمر الذي ضمن له تأييد قطاع
من الإسلاميين التقليديين في الريف التركي، في الوقت الذي كان أربكان يمارس فيه
السياسة عبر حزب السلامة.
وعند عودة الحياة الديمقراطية في 1983م خرجت
فصائل من العدالة لتلحق بـ«الوطن الأم» الذي أسسه تورغوت أوزال وشكلت فصائل أخرى
حزب الطريق القويم، وبالتالي فإن صيغة العدالة تضمن استقطاب نواب الحزبين وعودتهم
إلى قواعدهم وضمان الدعم الجماهيري الذي كان يستحوذ عليه الحزب الديمقراطي وبعده
العدالة، وهي محاولة ذكية بدون شك لعرقلة تقدم الرفاه إلا أنها جاءت بعد فوات
الأوان –في حالة تحقيقها– خاصة بعد أن نجح الرفاه في تربية الملايين من الجماهير
التركية تربية سياسية إسلامية ناضجة، ولن يستطيع حزب العدالة الحصول على أي نسبة
من أصوات الرفاه بل العكس قد يحدث آنذاك حيث إن حزب الرفاه هو الوحيد الذي حافظ على
مبادئه دون تلون.
ويدعم خيار حزب العدالة أيضًا كوكسال طويطان
وزير التعليم السابق ومعه الجناح المحافظ الذي لقى صفعة من نوزت إياز وزير التعليم
الحالي عندما أخرج عناصره من الوزارة وأغلق مجلة التربية الدينية.
وعمومًا فإن أفضل الصيغ لحزب الرفاه هي
استمرار الحكومة الائتلافية الحالية بين حزبي الطريق القويم والاجتماعي الشعبي
الديمقراطي التي تزداد حدة الخلافات بينهما في العديد من النقاط مما يعني المزيد
من الفشل لهما وسقوط برنامجيهما معًا بعد أن يأخذا المدة الكافية للتطبيق، ويبقى
بعد ذلك برنامج النظام العادل هو الحل لكافة مشاكل تركيا والذي يتوق الشعب لرؤيته
موضع التنفيذ، خاصة وهو يرى نتائج ذلك البرنامج تتحقق في البلديات التي يديرها حزب
الرفاه بشكل كبير رغم كافة المعوقات والمؤامرات. بالإضافة إلى أن احتمالات توحيد
أحزاب اليمين في حزب وأحزاب اليسار في حزب آخر تعتبر في عداد المستحيل دون فرض ذلك
من العسكر، وذلك يرجع إلى حب زعماء الأحزاب التركية للزعامة، والدليل على ذلك فشل
أحزاب اليسار في دعم مرشح يساري واحد ضد الرفاه في الانتخابات المحلية التي سيتم
إعادتها في ثلاث أقضية تابعة لإسطنبول، وهو الأمر الذي فشل فيه اليمين أيضًا،
وبالتالي يظل «الرفاه هو الحل»، شعار الجماهير
للخروج من المأزق الذي دخلته تركيا منذ 70 عامًا وجربت فيه كافة البرامج وجميع
الأحزاب بمختلف مشاربها ما عدا الاتجاه الإسلامي.