العنوان تركيا.. انتخابات بلدية بطعم الاستفتاء
الكاتب د. سعيد الحاج
تاريخ النشر الجمعة 01-مارس-2019
مشاهدات 96
نشر في العدد 2129
نشر في الصفحة 32
الجمعة 01-مارس-2019
- بالنظر إلى نتائج الانتخابات الماضية فالمعركة تعتبر استفتاء على عدد من القضايا
- الانتخابات تأتي في سياق أزمة مالية ما زالت تتعافى البلاد من ارتداداتها
- الأحزاب أمامها تحديات أبرزها تقدم العنصر الفردي للمرشحين وعدم ضمان اتجاهات التصويت
- النتيجة لن تؤثر على استقرار الأوضاع السياسية والأمنية التي استقرت مع بدء سريان النظام الرئاسي
يتجه ملايين الناخبين الأتراك يوم 31 مارس الحالي إلى صناديق الاقتراع بعد تسعة أشهر من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، للاقتراع هذه المرة في الانتخابات المحلية والبلدية، معركة انتخابية بعنوان محلي خدماتي، لكن صداها يتجاوز ذلك كالعادة نحو الأبعاد السياسية الأكبر، لتكتسب أهمية أكبر من مجرد انتخاب رؤساء بلديات ومجالس بلدية ومخاتير للأحياء.
تتنزل هذه المعركة الانتخابية في سياق مختلف تماماً عن سابقاتها، فهي تأتي بعد الاستفتاء الشعبي على النظام الرئاسي عام 2017م، وبعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في يونيو 2018م التي فاز فيها «أردوغان» بالرئاسة وتحالف الشعب الذي يقوده حزبه العدالة والتنمية بأغلبية البرلمان، ما عنى بدء تطبيق النظام الرئاسي من جهة، واستقرار المشهد السياسي في البلاد إلى حد كبير حتى عام 2023م من جهة أخرى.
لكن الانتخابات تأتي أيضاً في سياق أزمة مالية كبيرة مرت بها تركيا الصيف الماضي، وما زالت تتعافى من ارتداداتها على اقتصادها من خلال الخطة متوسطة الأمد التي أعلنتها الحكومة وجهدها المبذول لإصلاح المشكلات البنيوية في الاقتصاد التركي التي تجعله عرضة للضغوط الخارجية والأزمات التي تتسبب بها بين الحين والآخر.
وبالنظر إلى نتائج كل من الاستفتاء والانتخابات الرئاسية والبرلمانية، والمقصود هنا النتائج التفصيلية للمحافظات ومختلف المدن وليس مجرد النظر للنتيجة الإجمالية في عموم تركيا، فإن هناك دلالات ومؤشرات يمكن استخلاصها بخصوص بعض المدن الكبرى، وفي مقدمتها إسطنبول وأنقرة اللتان صوتتا ضد التعديل الدستوري بفارق بسيط عام 2017م مثلاً.
فإذا ما أضفنا لكل ما سبق حالة الاستقطاب ومنظومة التحالفات التي شكلتها الأحزاب السياسية لخوض الانتخابات، يمكن القول: إن المعركة القادمة تحمل صفة الاستفتاء على عدد من القضايا والسياقات.
التحالفات
خاضت الأحزاب السياسية التركية الانتخابات البرلمانية الأخيرة ضمن تحالفين رئيسين بعد أن سمح تعديل دستوري بذلك وفق إطار قانوني ورسمي، فقد ضم تحالف الشعب (أو الجمهور) حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية بشكل رسمي، ومعهما ضمناً حزب الاتحاد الكبير وإلى حد أقل حزب الدعوة الحرة، بينما ضم تحالف الأمة (أو الشعب) حزبي الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، والحزب الجيد/ الصالح بشكل رسمي، ومعهما ضمناً حزب السعادة، بينما بقيت بعض الأحزاب خارج إطار التحالفين وفي مقدمتها حزب السعادة.
خريطة التحالفات هذه خضعت لتعديلات نسبية في حملة الانتخابات البلدية المقبلة، حيث أبقى العدالة والتنمية على تحالفه مع الحركة القومية محتفظاً باسم تحالف الشعب أو الجمهور، لكن بدون حزب الاتحاد الكبير، بينما تخلى الشعب الجمهوري عن مسمى التحالف واستعاض عنه بمصطلح “التنسيق” والتعاون مع الحزب الجيد، في حين فشلت مساعي التفاهم والتنسيق بينه وبين حزب السعادة فضلاً عن آخرين.
بيد أن مفهوم التحالف في الانتخابات المقبلة يختلف نوعاً ما عما حصل في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، حيث يمتنع فيها كل حزب في التحالف من تقديم مرشح له في بلدية معينة -لكن ليس في كل البلديات- ويعلن دعمه لمرشح الحزب الآخر معه في التحالف ويدعو كوادره وأنصاره وناخبيه للتصويت له.
وعليه مثلاً، فقد شمل تحالف الشعب بين العدالة والتنمية والحركة القومية التنسيق في 51 من أصل 81 بلدية للمحافظات (فضلاً عن عدد كبير من البلديات الفرعية في أحياء المدن الكبرى)، 44 منها لصالح العدالة والتنمية، و7 منها لصالح الحركة القومية، بينما لم يحسم حزبا الشعب الجمهوري والجيد أمرهما حتى كتابة هذه السطور بخصوص العدد النهائي لبلديات المحافظات التي سيتعاونان فيها، التي يفترض أن تكون قريباً من 30.
ومن الواضح أن هناك تحديات ماثلة أمام هذين التحالفين، في مقدمتها اختلاف الانتخابات البلدية عن البرلمانية وتقدم العنصر الفردي للمرشحين نسبياً في مقابل التعليمات الحزبية وقرارات قيادات الأحزاب في نظر الناخبين، وهو ما يزيد من التحدي الثاني المتمثل بعدم ضمان اتجاهات اقتراع الكتلة التصويتية لمختلف الأحزاب؛ ما يجعل النتائج مفتوحة على سيناريوهات عدة وعصيّة على التوقعات الدقيقة.
التوقعات
وبالحديث عن التوقعات، يمكن القول: إن الوقت ما زال باكراً جداً للحديث عن توقعات دقيقة وذات مصداقية، فالحملات الانتخابية لم تحتدم بعد، ومراكز استطلاع الآراء ما زالت تنتظر أكثر للقيام باستطلاعاتها المتعلقة بالانتخابات التي تقترب نسبياً من النتائج المتوقعة كلما اقترب موعد الاقتراع وحسَمَ «المترددون» آراءهم وهم الذين يُقدّرون في كل مناسبة انتخابية بحوالي 10 - 15% من الناخبين، فضلاً عن صعوبة توقع اتجاهات الناخبين مثلما تقدم شرحه.
لكن، ورغم ذلك، يمكن الحديث عن اتجاهات عامة مرتبطة بالانتخابات البلدية المقبلة، وفي مقدمتها:
أولاً: عدم تأثير الانتخابات، مهما كانت نتيجتها، على استقرار الأوضاع السياسية والأمنية في البلاد، فهي في النهاية انتخابات محلية وبلدية، بينما استقر المشهد السياسي مع بدء سريان النظام الرئاسي والانتخابات الرئاسية والبرلمانية المتزامنة.
ثانياً: تأثير الأزمة المالية الأخيرة على الانتخابات، واعتلاء العوامل الاقتصادية قمة سُلَّمِ معايير الناخب لدى اتخاذ قراره.
ثالثاً: ارتفاع أهمية العامل الفردي المتعلق بأسماء المرشحين وسيرهم الذاتية وخبراتهم بالمقارنة مع الانتخابات البرلمانية، لكن مع بقاء العامل الحزبي أقوى وأكثر حضوراً.
رابعاً: بالنظر لكل ما سبق، إضافة لتصويت إسطنبول وأنقرة وبعض المدن الأخرى في الاستفتاء والانتخابات البرلمانية السابقة، يمكن القول: إن توقع تراجع نسبة التصويت للعدالة والتنمية في الانتخابات المقبلة يبدو أمراً منطقياً ولا مبالغات كبيرة فيه.
ارتدادات حزبية
إذن، يبدو أن الانتخابات البلدية المقبلة ستتحول إلى استفتاء شعبي على عدة أمور، في مقدمتها النظام الرئاسي المستجد في البلاد، وقيادة الرئيس «أردوغان» من خلاله، ومنظومة التحالفات القائمة، وتعامل الحكومة مع الأزمة المالية، وقوائم المرشحين لمختلف الأحزاب، إضافة لقيادة بعض الأحزاب في مرحلة ما بعد إعلان النتائج.
فحزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة، مثلاً، تموج داخله منذ سنوات تيارات متصارعة ورافضة لقيادة “كمال كليتشدار أوغلو”، ويقود أقواها المرشح الرئاسي السابق للحزب “محرم إينجة”، ويبدو أن المعركة على رئاسة الحزب مؤجلة لما بعد الانتخابات المقبلة؛ وهو ما يعني أن خسارة الحزب ستعني تلقائياً تفجير صراع الزعامة داخله.
ويمكن قول شيء مشابه لذلك عن الحزب الجيد المستجد على الساحة السياسية الذي واجهت رئيسته “ميرال أكشنار” اعتراضات داخلية واستقالات قيادية، وعن حزب الحركة القومية الذي تقدم زعيمه “دولت بهجلي” في السن، وعانى مؤخراً من اعتراضات على بعض قراراته وخصوصاً تلك المتعلقة بالتحالف مع العدالة والتنمية.
الأهم من كل ذلك ربما هي الارتدادات المحتملة على حزب العدالة والتنمية، الحزب الحاكم وأكثر الأحزاب التركية استقراراً والتفافاً حول قيادته، إذ إن نتيجة متراجعة بشكل ملحوظ قد تخرج الأصوات الناقدة من السر للعلن، وقد تشجع بعض الأطراف المتحفظة لاتخاذ إجراءات ومسارات علنية إزاء ذلك، وتتجه الأنظار عادة للرئيس السابق “عبدالله غل”، ورئيس الوزراء السابق “أحمد داود أوغلو”، وهو احتمال ضئيل وسيناريو غير مرجح بكل الأحوال لكنه يبقى قائماً.
في المحصلة، تدخل تركيا الانتخابات البلدية المقبلة بروح انتخابات برلمانية أو استفتاء شعبي، في ظل كل المتغيرات والأحداث التي طرأت مؤخراً وحالة الاستقطاب التي تشهدها البلاد؛ ما يزيد من أهمية انتخاباتها البلدية المقبلة.