; تركيا اليوم.. والعنف السياسي«1» | مجلة المجتمع

العنوان تركيا اليوم.. والعنف السياسي«1»

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1980

مشاهدات 83

نشر في العدد 491

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 29-يوليو-1980

ملف

نبدأ من النهاية.. آخر الأخبار الواردة من تركية أفادت بأن رئيس الوزراء الأسبق «نهاد إيريم» ذا الاتجاه اليميني قد اغتيل على أيدي جماعة يسارية سرية سمت نفسها «اليسار الثوري» وادعت أنها قد «عاقبته الآن». 

كان هذا يوم السبت من الأسبوع الماضي، وبعده بيومين قتل «كمال توركلي» رئيس اتحاد عمال المعادن اليساري في إسطنبول على أيدي جماعة «المنتقمون من أجل الاتحاد التركي الإسلامي».

هاتان الحادثتان مؤشر دقيق على واقع الحال السياسي الآن في تركية، فإنه ما أن تقع ضحية من طرف حتى يبادر الطرف الآخر للانتقام والثأر وهكذا يستمر هذا المسلسل العنيف الدامي بشكل لا ترجى له نهاية معلومة في الظاهر، فلماذا العنف؟ وما أسبابه الحقيقية؟ والى أين سينتهي؟!

  • تركيا.. إلى أين؟

هذه الدولة التي صارت جمهورية منذ عام ١٩٢٣ على يد مصطفى كمال الذي ألغى الخلافة الإسلامية، فتوزعت الدول الاستعمارية ميراث «الرجل المريض»، هذه الدولة ما تزال تحمل في داخلها عوامل مرضها فتستحق بذلك أن تبقي ذلك الرجل المريض المحتاج للعلاج، إن مأساتها الكبرى أنها خلقت مأساتها بنفسها، فهي التي سارت في طريق الانهيار المحتوم بابتعادها عن سبيل السلامة وارتكابها لجة العلمانية التي ستودي بها إلى قرار سحيق إلا إذا جاء الخلاص!!

  • الموقع الاستراتيجي

تحسب تركية على الغرب فهي من مناطق نفوذه المعدودة ففيها لأمريكة «٢٦» قاعدة عسكرية تتركز غالبًا على الحدود مع روسية كما أنها عضو في حلف الأطلسي.

وقد زادت أهميتها الاستراتيجية بعد الثورة الإيرانية ودخول السوفيات إلى الأفغان، وتنبع هذه الأهمية من وقوعها على حدود السوفيات وأوروبة والشرق وسيطرتها على مضائق البوسفور والدردنيل، بحيث ترصد أي حركة للسوفيات في البحر الأسود، وهذا الموقع من جملة الأسباب الباعثة على العنف كما سنرى بعد قليل.

  • الأزمة السياسية 

سارت تركية شوطًا بعيدًا في التجربة الديمقراطية الغربية المعتمدة على البرلمان المنتخب وتعدد الأحزاب ولكن المشكلة الرئيسية في السياسة التركية أن الحكم يتناوبه الحزبان الأكبران في الساحة التركية وهما: العدالة والشعب الجمهوري، ورغم أن الأول على يمين الوسط والثاني على يساره فهما وجهان لعملة واحدة في العقم السياسي، وإلى جانبهما هناك أحزاب صغيرة تمثيلها البرلماني محدود ولكن لها صلات خفية مع جماعات الإرهاب ترجح ثقلها ولأن أيًّا من الحزبين لا يحصل على أصوات كافية لانفراده في تشكيل الحكومة فإنه يضطر للتحالف مع بعض الأحزاب للحصول على الأغلبية.. وهنا يبرز دور حزب السلامة الوطني الذي يملك ٢٤ مقعدًا في الانتخابات الأخيرة، وبهذه الأصوات تترجح كفة أحد الحزبين والحكم اليوم بيد العدالة بعد سقوط حكومة أجاويد اليسارية.

  • مظاهر العنف

لقد كان العنف السياسي وراء تغيير ثماني وزارات في سبعة أعوام وفي كل شهر يقتل مائة شخص ما بين سياسي ورئيس شرطة وصحفي وأستاذ جامعي وطالب وعامل.. ويشمل العنف الجامعات والمقاهي ووسائط النقل الجماعية ومناطق الريف وحتى بيوت السكان !!

 ولقد بدأ هذا العنف السياسي منذ أواخر الستينات تحت ستار الدعوة إلى تحسين نظام الدراسة الجامعية الذي لا ينسجم مع روح العصر، وقام بها اليسار المتطرف. وعجزت حكومة ديميرل وقتها عن معالجة الأزمة فوقع الانقلاب العسكري الثاني عام ١٩٧١ ولوحق اليسار حتى خمد لفترة استغلها حزب «الحركة القومية» اليميني المتطرف بزعامة «ألب أصلان تورکس» فامتد نشاطه إلى الدوائر الرسمية وتغاضت الحكومة عنه لأنه كان المعادل الطبيعي لليسار المتطرف، حتى إنه شكل کوماندوسا دعي«الذئاب الرمادية» وهي قوى تصادمية من الفتيان والشباب وهكذا يقع يوميًّا من 8 أشخاص الى ١٦ شخصًا قتلى يوميًّا، وقد ذكر أن ضحايا هذا العام تجاوز «١٩٠٠» قتيل وبلغ منذ ۱۹۷۸ أكثر من أربعة آلاف!! 

  • لماذا العنف؟ 

في دولة متخلفة، يثبت النظام الديمقراطي إخفاقه الذريع، وتنمو على هوامش المجتمع تجمعات شاذة طفيلية، تحاول عرقلة المسيرة، وهذه لا تجد أمامها من يمثلها ولا تملك العدد الكافي الذي يؤهلها لأن تكون ممثلة في البرلمان فلا تجد أمامها إلا وسيلة واحدة للتعبير... العنف!! بكل صوره وأشكاله من اغتيال وتخريب وتدمير... إلخ. 

وفي حالة تركية الراهنة هناك عدة أسباب لظاهرة العنف. 

  • أسباب العنف

من خلال تتبعنا لمجمل الأخبار الواردة حول الأزمة السياسية في تركية، مع أنباء الاغتيالات والقتل الجماعي والإرهاب.. كنا نحس بأن هناك إغفالًا متعمدًا للأسباب الرئيسية الباعثة على العنف لأن أي إشارة إليها، معناها الحكم على أصحاب الاتجاه الغربي بالإخفاق التام، ومن الاستقراء لمجمل الحوادث التي جرت وتجري حتى الآن خرجنا بالاستنتاج التالي: هناك سببان رئيسيان للعنف السياسي في تركية وهما: أ-السبب الداخلي و يندرج تحته عدة بنود.

ب-السبب الخارجي وفيه عدة عوامل. 

  • السبب الداخلي:

هناك عناصر داخلية أساسية تشكل مجمل الموقف الذي تنبثق عنه حوادث العنف المدمرة، وكلها محكومة بالمظاهر التالية:

 ١-جو سياسي متأزم وحكم ضعیف. 

٢-وضع اقتصادي متدهور. 

٣-أمن غائب أو ضعيف.

٤-تجمعات مسلحة من يمين ويسار. 

٥-حركات انفصالية في الشرق خاصة. 

٦-جيش متحفز للانقضاض على السلطة.

والآن ما هي عناصر الموقف الداخلي الأساسية؟ إنها تتمثل في طبيعة المجتمع التركي وتشكيلته الدينية والعرقية وحركته السياسية والاقتصادية.

1–العلمانية

لقد اختارت تركية الحديثة أن تنزع رداءها الديني الذي ارتدته أكثر من خمسة قرون، وكان ذلك في الانقلاب الخائن على يد الذئب الأغبر مصطفى كمال أتاتورك.. وبهذا أبعدت العامل الديني عن الساحة، ولكن هل استطاعت العلمانية أن تقدم شيئًا للأتراك؟! إنهم وبعد أكثر من نصف قرن يعانون من وضع بائس لن ينهيه إلا الصعود الإسلامي الجديد، فبوجود العلمانية دستورًا للبلاد ضعف الإسلام في مواجهة الشيوعية التي تراه عدوها الأول.

ومن هنا ينشأ صراع داخلي يقوده الشيوعيون ضد الانبعاث الإسلامي وقد جرت عدة مذابح جماعية قام بها الشيوعيون «على سبيل المثال مذبحة أنقرة في رمضان ۱۳۹۸ هـ». 

٢–الطائفية:

أغلب الأتراك مسلمون سنيون وهناك أقلية شيعية تتركز في شرق البلاد وجنوبها، وهي نشطة ولكن نشاطها ينصب في قنوات اليسار.. ولذلك ينشأ صراع عنيف بينها وبين المسلمين المتدينين بطبيعة الحال ويشتبك العامل السياسي مع الطائفي في أعمال العنف، وقد قامت مذابح راح ضحيتها المئات في ١٦ ولاية فأعلنت فيها الأحكام العرفية، وكان هذا من أسباب سقوط حكومة أجاويد السابقة. ولكن ذلك لم يمنع من قيام اضطرابات أخرى راح ضحيتها في مدينة كروم «٩٥» علويًّا!! وجرح آخرون حتى أن وجهاء المدينة يفكرون في توجيه نداء للسماح لهم.

بالتوجه إلى سورية، ويقارب عددهم نصف المليون، وقد جاء ذلك في «الوطن العربي» الأسبوع الماضي. 

 البقية في العدد القادم

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

209

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟

نشر في العدد 14

131

الثلاثاء 16-يونيو-1970

مفهومات خاطئة 4