العنوان تركيا: المجتمع (1184)
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-1996
مشاهدات 71
نشر في العدد 1184
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 16-يناير-1996
- في أعقاب الانقلابات التركية
إنهم يتباكون على العلمانية..
بقلم: عبد المنعم سليم جبارة[1](*)
- كل الدعاوي والاتهامات التي تحاول النظم العلمانية وإعلام الغرب إلصاقها بالإسلاميين يكذبها خطاب التيار الإسلامي وأسلوبه في العمل.
في تعليق لمراسل الإذاعة البريطانية حول الانتخابات التركية قال: «إن خصوم حزب الرفاه- الإسلامي الاتجاه- يتهمونه بالسعي لإنهاء النظام العلماني في تركيا».
أيضًا نسب مراسلون آخرون لإذاعات وصحف غربية قولهم إن حزب الرفاه إذا وصل إلى السلطة عبر الانتخابات التركية فإن العلاقات التركية الغربية ستشهد تراجعًا إن لم يكن تدهورًا يؤدى إلى إغلاق أبواب التحديث على الطريقة الأوروبية أمام تركيا.
والاتهامات الغربية لحزب الرفاه بأنه يسعى لإنهاء العلمانية، وقفل الأبواب أمام التحديث لیست موجهة إليه وحده بل هي موجهة لكافة الأحزاب والقوى الإسلامية على الصعيد الإسلامي، كما أن الغرب ليس وحده الذي يطلق ويروج لهذه الاتفاقات بل أيضًا هناك أنظمة- في عالمنا العربي والإسلامي- تعتمد العلمانية أساسًا لتوجهاتها وسياساتها- وهي تعني في مفهوم هذه الأنظمة وفي المقام الأول الفصل بين الدين والدنيا، هذا بالإضافة إلى الجهات والأشخاص الذين تشبعوا بالمفاهيم الغربية ونبتوا وترعرعوا على نمط الحياة الغربية، وتتنامى وتتضخم اتهاماتهم ودعاواهم ضد التيار الإسلامي- فهو يحمل في ثنايا دعوته أسباب وعوامل تقويض البنيان العلماني، كما أنه يسعى لإغلاق الأبواب أمام مسيرات التطور والتقدم، سعيه لتفويض دعائم الديمقراطية بعد ركوب موجتها وصولًا إلى الحكم والسلطة- وهما هدفه وغايته- ثم يعود فينقض عليها مقيمًا على أنقاضها الدولة الدينية ناسبًا كل أفكارها وأفعالها إلى السماء، معتمدًا القهر أسلوبًا لفرض الإرادة وإحكام القبضة.
والحديث عن العلمانية في إعلام الغرب والمنتمين إلى أفكاره على ساحتنا العربية والإسلامية يصورها وكأنها المقدسات لا يجوز الاقتراب منها أو مجرد تناولها بنقد، بل يجري تصویر ذلك على أنه الخطر الداهم والشر الوبيل الذي يهدد مسيرات التقدم، وخطط النمو والتنمية.
ولأن النظم العلمانية تحتكر وسائل الإعلام وتوجهها كيفما تشاء، لتصب أينما تشاء في الوقت الذي تحرم فيه الحركة الإسلامية من كل سبل وسائل الإعلام، فإن ضجيج الدعاوي والأباطيل ضد القوى الإسلامية الأصيلة التي تعتمد الحوار سبيلًا، والكلمة الطيبة والموعظة الحسنة أسلوبًا، والحجة والبينة سلاحًا، يبدو صاخبًا لا ينقطع، كما أن طنين الهجوم والتهجم ضد هذه القوى يبدو عاليًا لا يفتر، في محاولة منها لإثارة غبار التشويه، وضباب التشويش حول الإسلام ومنهجه ونظامه بشكل مباشر أو من خلال تشريح دعاته، إلا أنه رغم ذلك فإن كافة المحاولات على كافة الأصعدة لا تستطيع أن تحجب العديد من الحقائق الهامة والخطيرة التي يلمسها بل ويعيشها الكافة ومن بين ذلك.
- إن النظم العلمانية على ساحة عالمنا العربي والإسلامي قد تربعت على كراسي السلطة، وتحكمت في مصائر البلاد والعباد لفترات طويلة تراوحت بين السبعين عامًا في بعض البلاد والخمسين عامًا في بلاد أخرى، في غياب أو تغييب القوى الإسلامية.
- أي أن النظم العلمانية الحاكمة قد أخذت فرصتها أكثر من كافية دون أن تظهر أي ملامح لأي خطر أو تهديد يهدد سلطانها أو نفوذها، ورغم ذلك فإن الواقع يؤكد أن الناس لم يقطعوا على طريق التقدم أمتارًا، كما لم يحرزوا على طريق الحرية أشبارًا.
- وواقع الحال في الدولة التي اعتمدت حكوماتها العلمانية أساسًا للتوجهات والسياسات وعلى مدى السنوات الطوال من عمرنا يقول إننا لم نستطع أن نلحق بركب العلم، كما لم نستطع أن نحقق على طريق النمو والثراء لو خطوات رغم الإمكانات والموارد، بل تم تبديد الثروات والعبث في الموارد، وجرفتنا أمواج الديون وغرقنا في بحار المعونات وثمنها أكثر من فادح، وعشنا على المستورد عاجزين عن التصدير لأننا فشلنا على ساحة التنمية والتصنيع.
- كما أن واقع حال البلاد والعباد في ظل النظم العلمانية- وحيث تم إبعاد الدين عن التوجهات والسياسات يقول إنه قد تزعزعت القيم والمثل، كما انهارت جدران المقاومة أمام مد وامتداد الفساد، فجرى النهب والسلب وتهريب الأموال والإثراء غير المشروع، وكان اللجوء إلى وسائل القمع والقهر لإسكات الألسنة وإغلاق الأفواه في محاولة لإسدال الأستار حول قصص الفساد والمفسدين، ومن ثم تدهورت أوضاع في أقطار لتصل إلى أدنى من مستوى خط الفقر.
- كما أنه في ظل الهيمنة العلمانية جرت مصادرة أي شكل من أشكال الديمقراطية، بل تم شطب الديمقراطية من القاموس السياسي، وانتزع من الإنسان حقه في الأمن والأمان، وحقه في الاختيار وإبداء الرأي ومحاسبة الحكومات وأداء الواجبات والمشاركة في المسئوليات، أي أن الديمقراطية التي يتباكى عليها أقوام أو جهات باسم العلمانية ويتهمون التيار الإسلامي بركوب موجتها وصولًا للحكم ثم اغتيالها هي ديمقراطية مزعومة لا وجود لها.. في عالم تنتشر فيه أشباه المجالس النيابية والمجالس المزيفة وتكاد تعمم فيه المجالس الاستشارية، ويسيطر فيه الرأي الواحد، وصاحب القرار الواحد، وتهمش فيه الشعوب أو يجري تجميدها في مقاعد النظارة والمتفرجين.
- وعلى مدى السنوات الطوال من عمر النظم التي ترفع شعارات العلمانية تم رفع رايات الرأسمالية ثم الاشتراكية ثم العودة إلى الرأسمالية مع إجراءات للتوفيق بين الخصخصة والتأميم ثم اندفاع على طريق الخصخصة بشكل غير مسبوق، فهل أنجزنا في ظل الرأسمالية أو في ظل الاشتراكية غير المزيد من التأخر والمزيد من الأزمات والمعضلات؟
- وإذا كان الفشل قد صاحب السياسات والتوجهات في ظل العلمانية، كما سيطر العجز، مع الجمود، وغلب التراجع على الساحة العلمية والتعليمية كما على الساحة الاقتصادية، فإنه من الملاحظ أن هناك حقيقة أخرى أكثر من مفجعة وهي أنه بجوار ذلك أو إضافة إليه سادت نزعة التشرذم.. كما ظهرت نزعة العدوان والإيذاء، ونعرات الجنس واللون في وطن تجمعه في الأصل وحدة العقيدة ووحدة اللغة ووحدة الأصول ووحدة الأرض والجذور، ومن ثم تم تجييش الجيوش لقمع الداخل أو الزحف في ليل على الجار وهو الأخ القريب لتبديد أمنه أو هدم مجتمعه أو تحطيم مقدراته مع التراجع والاستسلام أمام الغريب الذي جاء غازيًا باسطًا النفوذ والسلطان.
- وعلى ساحة قضايانا المصيرية ظهر العجز العلماني والتقاعس أكثر من بارز ومفجع.. فبينما كانت الوقفة مبدئية بالأمس عند الرفض الصريح للكيان الصهيوني الغاصب الذي استعمر الأرض والديار، وشتت ونكل بشعب بأكمله، وسعى لتمتد له دولة فيما بين النيل والفرات، وعمل في عزم على اقتلاع الهوية، وإلغاء القيم والحضارة يجري التسليم والاستسلام اليوم مع الهرولة على عقد المعاهدات والتطبيع، وصار كل متمسك بالأرض والديار والذود عن العرض والشرف، والدفاع عن شعب عربي مسلم ووجوب عودته إلى كامل أرضه متطرفًا إرهابيًّا محاربًا للسلام خطرًا على دعاته الحريصين على إطلاق حمائمه ورفع أغصانه.
- وإذا كانت الشعوب قد انتفضت في أكثر من ثورة من أجل التحرر والاستقلال فإنه في ظل العلمانية عاد المصير ليرتبط بشكل أو بآخر بالغرب دورانا في الفلك أو امتثالًا للإشارات والرغبات، كما تم تهميش منظماتنا الإقليمية فذبلت الجامعة العربية، وانحسر دور منظمة المؤتمر الإسلامي في إصدار بيان للشجب أو التنديد، أو الإعلان عن قبول خطط التسويات الأمريكية في البوسنة مع غض الطرف عما يحدث في الشيشان أو كشمير أو الفلبين.
إذًا فكل الدعاوى والاتهامات التي تحاول النظم العلمانية وإعلام الغرب أن يلصقوها بالتيار الإسلامي تنهار إزاء الواقع الذي يعيشه المسلمون، كما يكذبها خطاب التيار الإسلامي وفهمه وأسلوبه في العمل وبصماته من خلال إنجازاته.
لقد أعلن التيار الإسلامي أنه مع الديمقراطية والحريات وقدم الكثير من التضحيات من أجل توفير أجوائها كحق فطري لكل مواطن، ومع التعددية التي تتمثل في أحزاب وقوى شعبية يجب أن تزال من أمامها كل القيود كي تمارس دورها دونما قهر أو ضغوط، ومع تداول السلطة من خلال انتخابات حرة نزيهة.. وفوق كل هذا أو قبل كل هذا فقد أعلن أنه لا يسعى للسلطان وليس الحكم هدفه أو غايته، وأن سبيله ووسيلته في دعوته هو الكلمة الطيبة والموعظة الحسنة.
ومن ثم فماذا يعني فرض الحصار حوله.. والملاحقات والاعتقالات والمحاكمات للعشرات والمئات بل الألوف من كوادره.. وسط حملات الهجوم والتشويه، وفي إصرار على الحيلولة بينه وبين ممارسته لحقه؟
ليس ثمة تفسير إلا أنه الخوف من الإسلام أو الرفض للإسلام... الشريعة والنظام ونهج الحياة.
ولكن هل تستطيع النظم العلمانية أن تصمد أمام دائرة من وزحف الصحوة.. تتسع وتنتشر في تربة ووسط أجواء عمق بها الإيمان جذوره، وصمدت فيها الأصالة والهوية أمام زحف العديد من قوى الغزو والعدوان، حتى دالت وزالت دولة الدخيل وعادت لترتفع أعلام الإسلام مؤكدة أن الإيمان في القلوب مع الأمل في الصدور، وصحيح المفاهيم في الأذهان مع صحيح التطبيق والسلوك على أرض الواقع.. كانت جميعها وستظل سبيل الدعاة إلى بلوغ الأهداف وتحقيق الغايات.
***
[1] - (*) رئيس التحرير السابق لمجلة «لواء الإسلام»
الرفاه قادم (2)
REFAH PARTISI GELDI
الجذور
بقلم: محمد الراشد
لماذا الرفاه قادم؟ لأسباب عديدة لا يستطيع المراقب للأحداث أن يتفهمها، لأننا بكل بساطة كشعوب إسلامية فقدنا ارتباط بعضنا ببعض واقعيًّا وتاريخيًّا منذ أن سقطت الخلافة على يد كمال أتاتورك الذي استطاع أن يقطع الارتباط التاريخي والمنهجي للشعب التركي بتاريخه الإسلامي الممتد منذ ما يقارب «10000 عام»، وكذلك قطع علاقاته بالمسلمين بتغريب اللسان التركي عن أية لهجة أو لغة تفاهم مع المسلمين لهذا فإنه يصعب على متابعي الأحداث تفهم موقف الرفاه الحقيقي.
فالرفاه اليوم ما هو إلا أحد الوجوه السياسية لحركة الدين في المجتمع التركي خلال سبعين سنة مضت من الإرهاب العلماني الكمالي، وقبل الرفاه وحتى اليوم كان للدين الإسلامي في تركيا حركة سرية في غالب تحركها، وعلنية عندما يتاح لها ذلك بثتها أجيال متعاقبة ممن نذروا أنفسهم لإعادة تركيا للإسلام، وسار معهم في مسار حركة الدين الشعب التركي بجميع طبقاته دون أولئك المتنفذين الذين اختاروا العلمانية، وحتى نتفهم حركة الدين التي أوصلت الرفاه إلى سدة الحكم، علينا أن نتتبع جذور هذه الحركة خلال سبعين سنة مضت.
المخطط الداخلي
في عام 1909 م عندما كان السلطان عبد الحميد يستمع إلى قرار عزله بعد ثورة عام 1908 م التي قادها حزب الاتحاد والترقي الماسوني كانت تداعيات تاريخ صراعه مع اليهودية والتي ساندتها الدول الاستعمارية آنذاك، هذه التداعيات كانت تمر سريعًا وكأنها مشارط حادة تنقش آلام ربع قرن جاهد فيها ليبقي خلافة المسلمين متماسكة.
فمنذ حملة نابليون بونابرت واحتلاله لدمشق عام 1799 م بدعم من كومنولث يهودي فرنسي، وإلى أن عقد اليهود مؤتمرهم في «بال» بسويسرا عام 1897 م كان اليهود يحاولون جاهدين الاستقرار في فلسطين بشتى السبل، وعندما فشلوا في إقناع السلطان عبد الحميد بذلك قرروا تحطيم الإمبراطورية العثمانية، وذلك عن طريق ثلاث إستراتيجيات مهمة هي:
- تشجيع الهجرة غير المشروعة، ووضع برنامجًا ماليًّا ضخمًا لذلك.
- الاستفادة من مواقف الدول الاستعمارية الطامعة في الإمبراطورية.
- الماسونية العالمية، حيث أسس اليهود الماسونيين في سلانيك جمعية سرية باسم «جون تورك» وينتمي لها اليهود الأكثر نفوذًا في أوروبا، ومنها ولدت جمعية الاتحاد والترقي بدعم من «قارصوه اليهودي السلانيكي» وانضم لهذه الجمعية عدد كبير من ضباط الجيش وقادة الإدارة المدنية في بلاط الخليفة، وثبتت الدول الأجنبية «إنجلترا، وفرنسا، وإيطاليا، والنمسا» المعارضين للسلطان وتعامل العرب الذين ينادون بالانفصال مع هذه الجمعية.
وفي عام 1908 م قام المناصرون لجمعية الاتحاد والترقي بعملية مخطط لها مسبقًا بثورة، كان من نتائجها عزل السلطان عبد الحميد في عام 1909م.
وتم سجن السلطان في سلانيك، حيث المركز اليهودي الماسوني العالمي، وانتقل الحكم للاتحاديين، وقام اليهود بشراء الصحف التركية وتعيين شخصيات يهودية في الحكومة، وتم شراء أراض "لإسرائيل" في فلسطين بالتنسيق مع جمعية الاتحاد "الإسرائيلية" في نيويورك، مع إلغاء القوانين الخاصة بشراء الأراضي في فلسطين، وتم نقل الموظفين العثمانيين المعارضين لليهود في القدس.
المخطط الخارجي
بدأ الاستعمار فيها بالإستيلاء على ممتلكات الدولة العثمانية في حرب البلقان عام 1912 م، واحتلاله لأفريقيا عام 1911 م، واحتل الصرب الشمال واليونان «سالونيك»، والبلغار وصلوا إلى أدرنه، واسطنبول، وبعد قيام الحرب العالمية الأولى ظهر نجم كمال أتاتورك، الذي كان عضوًا بارزًا في جمعية الاتحاد والترقي، حيث تم صناعة بطل، وكان ينسق بشكل تأمري مع الإنجليز لانتصارات وهمية في غاليبولي والجبهة السورية، إلا أنه كان يطلعهم على جميع خطط السلطنة، وتمزقت تركيا المسلمة وسلطانها إلى دويلات، حيث سلم أتاتورك في معاهدة لوزان عام 1923 م رسميًّا بإلغاء الخلافة، واقتطاع أراضي الدولة العثمانية للمستعمر، والإقرار بالامتيازات للأقليات.
وقام كمال أتاتورك بتشكيل حزب الشعب الجمهوري الذي اعتمد العلمانية واللادينية كأساس لهذا الحزب.
الذنب الأغبر والرجل الصنم
لا يمكن أن نتصور المسافة التاريخية التي اختزلها أتاتورك لتقويض الإسلام في تركيا خلال حكمه من عام 1924 إلى موته عام 1938 م، لقد استخدم كل وسيلة وكل قانون يعتمد على شريعة الغاب لمحو الإسلام في تركيا، حيث ألغي الخلافة ووزارة الأمور الشرعية، وألغى التعليم الديني، وحارب رجال الدين، وألغى الحجاب، وألغى كل كلمة فيها دين وإسلام من الدستور التركي، وألغي وزارة الأوقاف، وأوجد قانون القبعة، وألغى قوانين الأحوال الشخصية، والتي أحلت المسلمة لغير المسلم، لقد كانت علمانية أتاتورك تنبئ عن كارثة عظيمة للشعب التركي، حصدها الأتراك خلال سبعين عامًا من الكمالية، وقام بتكليف زميله «محمود أسعد» بترجمة القانون السويسري، وسطر مقدمة لهذا القانون استهزأ بها بالإسلام، واعتبر القرآن بأنه «شريعة الصحراء» وحتى يقضي أتاتورك تمامًا على أية صلة بالدين الإسلامي قام بتغيير الحروف الأبجدية، واستحدث شعارات وألقاب خاصة في العهد الكمالي، وفي الوقت نفسه انشقت مجموعة من رفاقه عنه لتشكل حزب «الترقي الجمهوري» منهم رؤوف بك، وعلى فؤاد باشا، ورفعت باشا، وكاظم قره بكير، وضياء خورشيد، وجاويد، وعلي عبد القادر، لكن أتاتورك عاجلهم بقوة الجيش بادعائه بالمؤامرة على «الجمهورية» التي ينظمها رفاقه، وكانت الإعدامات لهؤلاء ولغيرهم من قادة الجيش والمفكرين هي الوسيلة الثانية لتثبيت علمانيته الكمالية.
بعد عام واحد فقط قام الشيخ «سعيد البالوي» شيخ النقشبندية بثورته ضد نظام أتاتورك، واكتسح بثورته مدن عديدة، وعندها تدخل الجيش لحماية أتاتورك وعلمانيته، وتم القضاء على الثورة، وأعدم الشيخ سعيد البالوي عام 1925 م، وأصدر أتاتورك قانون الخيانة الوطنية والذي يعتبر تأسيس «جماعة دينية» خيانة للوطن، وكانت هذه الثورة هي البذرة الأولى التي زرعت الأرضية الفكرية والسياسية الإسلام التسعينيات.
وحاول أتاتورك استدراك الأمور بحملة إصلاح ديني، وبدأ بمحاربة الدين بمنهج عصري، حيث وضعت مناهج تفسير الدين العصري قائم على مفاهيم العلمانية، وأوجد فلسفة إسلامية خاصة، وبدأ بتغيير شعائر الصلاة، ومن ذلك إدخال الموسيقى للصلاة في المساجد، كما ألغى فروع الإلهيات في الجامعات التركية.
كمين للمعارضة
وأدرك كمال أتاتورك أن هناك معارضة سرية تقودها قوى إسلامية سرية وبعض المعارضين فأوعز إلى «فتحي أوقيار» سفيره في «باريس» للعودة إلى أنقرة وتأسيس «الحزب الجمهوري الحر» وكان يهدف أتاتورك من ذلك أن يمتص الشعور الديني، وفي نفس الوقت إظهار رؤوس المعارضة وقواعده إلى العلن، وما إن بدأ هذا الحزب عمله حتى انتشر انتشارًا عظيمًا، وخاف أتاتورك من أن يستقطب هذا الحزب جميع طبقات الشعب التركي، فاستغل حادثة في قرية «قصبة منمن» «مؤيدين للنقشبندية قتلوا فيها أحد العلمانيين»، وعندها أطلق أتاتورك رئيس وزراءه عصمت أنينو ووزيري دفاعه وداخليته بالقضاء على النقشبندية وزعماء الحزب الجمهوري الحر، وتمت الإعدامات والتهجير.
تم لأتاتورك ما أراد، وأضحت تركيا تعبد ذات أتاتورك العلمانية، حيث لم يبين في عهده ولا مسجد واحد، وبنى في كل مدينة تمثال له، وعندما يمر التركي في ميدان «تقسيم» في اسطنبول كان لا بد وأن يرفع قبعته لتمثال أتاتورك، كما تعقد حوله اللقاءات السياسية، وردد له الأدباء:
لا عنكبوت ولا سحر لتبق الكعبة عند العرب لأن جانقيا يكفينا |
ولا يعلمون أن الكافي هو الله، لقد قامت الأمهات في تركيا خلال هذه الفترة بتحفيظ «150 ألف» طفل القرآن سرًّا، وتحت ألحفة وأغطية الأفرشة ليلًا.
لقد كان هؤلاء الأطفال هم بذرة حركة الدين في تركيا في الستينيات والسبعينيات.
مات أتاتورك عام 1938 م، وترك تركيا محطمة اقتصاديًّا، فقد خذله حلفاءه الغربيون، وخذل شعبه في الداخل، وخلفه من بعده «عصمت أنينو» رئيسًا للدولة وللحزب ولم يخالف منهجية سلفه.
ونما الفساد في الجيش، وفرضت زيادات في الضرائب على الشعب التركي، وفي نفس الوقت كان الأتراك يتداولون في بيوتهم سرًا القرآن وصحيح البخاري، وبدأت حركة بناء مساجد في بعض القرى بأموال الأهالي، وقام بعض المتحمسين أمثال أحمد حمدي، وعمرو رضا طغرل، بترجمة الفكر الإسلامي المعاصر المصري والباكستاني، وظهرت صحف يقودها بعض الإسلاميين منهم «نجيب فاضل» في جريدته «الشرق الكبير: بيوك دوغو» والتي كانت تدعو لربط التاريخ التركي بترابه.
إعدام عدنان مندريس
في عام 1946 م انشقت مجموعة محافظة على حزب الشعب الجمهوري، وأسست الحزب الديمقراطي، منهم عدنان مندريس، وهو من عائلة دينية محافظة، وفي عام 1950 م فاز هذا الحزب بــ 408 مقاعد، وكانت صدمة عنيفة للكمالية، لقد نجح عدنان مندريس بسبب إنتهاجه سياسة إسلامية، وإن كان أساس حزيه علمانيًّا، حيث أعاد عدنان مندريس الأذان والصلاة بالعربية، وأذيعت لأول مرة آيات القرآن في إذاعة أنقرة، كما أعيد بناء المساجد، حيث بني 15 ألف مسجد في عهده، وفتحت مدارس الأئمة والخطباء، لقد تبنت الحركات الدينية السرية حزب مندريس، لأنه انتهج تلك السياسات بالرغم من علمانيته وقوانينه التي تجرم الاعتداء على تماثيل أتاتورك، وفي هذا الجو الذي أزيحت فيه ديكاتورية أتاتورك المطلقة صدرت صحافة إسلامية تهاجم الماسونية واليهودية، وقامت مظاهرات في الجامعات ضد الشيوعية، وحدث الصدام، وعندها كان الجيش العلماني والمتعهد بالحفاظ على تراث أتاتورك بالمرصاد، وأطاح بعدنان مندريس بإنقلاب، ثم أعدم عدنان مندريس لخيانته لمبادئ أتاتورك، وأتهم بعلاقته بجماعة النور التي أسسها الشيخ «سعيد النورسي» رحمه الله، وأعدم بهاتين التهمتين أيضًا وزيري ماليته وخارجيته، وبعض أقطاب الحزب الديمقراطي، وحل الحزب في 29 سبتمبر عام 1960 م، وتم وضع دستور جديد حصل على قبول 61 %، إلا أن غالبية الشعب التركي صوتت لصالح حزب «العدالة» وريث الحزب الديمقراطي، وترأس هذا الحزب سليمان دميريل في الانتخابات التي تلت الانقلاب.
انطلاق حركة الدين
في الستينيات إلى بداية السبعينيات انطلقت حركة الدين في تركيا بإستراتيجية جديدة، حيث تم اتباع إستراتيجية «الاتجاه التلفيقي» أي طباعة الأعمال الدينية والأدبية ذات الصبغة الدينية في جميع مجالات الثقافة الإسلامية، وطرحت مفاهيم العلمانية والإسلام، «الغرب والإسلام»، و«مفاهيم عن الإسلام» و«الإسلام لا يتعارض مع القومية التركية» ودحضت فكرة تقسيم الحركة إلى سياسية ورجعية وبين تقدمية مبادئ الإسلام، والعدالة الاجتماعية والاقتصادي الإنساني الإسلامي، كما أنها ألتفت على العلمانية بالتحرك ضد الشيوعية بالفكر الإسلامي، وكذلك ضد الماسونية والعلمانية، وكان من أبرع الكتاب «جواد رفعت أتلخان» ولكن الفكر الحركي الإسلامي ترجم باللغة التركية ووزع سرًا، ككتب سيد قطب، وحسن البنا، والمودودي، ومحمد قطب، وغيرهم.
إن الصحافة قد بدأت بوضوح وصراحة تهاجم العلمانية اليهودية، والماسونية، والشيوعية، وكانت أبرز الصحف اليومية في وقتها «صباح»، و«اليوم» و«آسيا الجديدة» وكانت مقالات أحمد کاباغلي هي البارزة، وصدرت صحف أسبوعية على نفس المنوال منها: «الاتحاد» لصالح أورجان، ومطبوعات فصلية منها: «الفكر الإسلامي»، صاحب ذلك نشاط في بناء المساجد «60 آلاف مسجد في أربع سنوات» ونما التعليم الديني، وتم توسعة مدارس الأئمة والخطباء، حيث كان عدد حلقات القرآن في كل صيف، تقدر «بــ 40 ألف حلقة».
كما تم تشكيل اتحادات الطلبة الشبابية بمساندة رجال الدين والجمعيات العلمية، كجمعية نشر العلم، والهلال الأخضر.
لقد كان هذا النشاط يدعم من جماعة النور التي أسسها الشيخ سعيد النورسي «1874 – 1960 م» رحمه الله، وجماعة السليمانية، ومؤسسها سليمان سيف الدين «1863 – 1946 م»، في شرق تركيا، وطلاب الأزهر.
وكانت هذه الجماعات تهدف إلى أهداف إسلامية سرًّا، أفرز في أواخر الستينيات النشاط الإسلامي السياسي كقاعدة لرفاه التسعينيات، وللحديث بقية .…