العنوان أربكان يتحدى المعارضة بخيار الانتخابات المبكرة
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يونيو-1997
مشاهدات 83
نشر في العدد 1253
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 10-يونيو-1997
بموافقته على تسليم مهام منصبه لنائبته تانسو تشيلر في النصف الثاني من يونيو الجاري، والاتفاق على إجراء انتخابات مبكرة قبل نهاية العام، وتحديه لأحزاب المعارضة- أثبت نجم الدين أربكان رئيس الوزراء التركي، زعيم حزب الرفاه أنه ليس بالمتهافت على السلطة -كما حاول البعض تصويره- مؤكداً خياره الديمقراطي الذي شكك فيه الكثير، وليضع بذلك الجميع أمام اختبار حقيقي خاصة العسكر وقوى الضغط العلمانية المدعومة بالمجموعات الاقتصادية الضخمة، ولوبي إعلامي هائل؛ إذ إن إعادة انتخاب حزب الرفاه كحزب أول، وهو المؤكد وفقاً لاستطلاعات الرأي العام التي تشير إلى إمكانية حصوله على نسبة (٢٥-٣٠%) تعني دعم خياره ومواقفه، وهو الأمر الذي سيضع المؤسسة العسكرية التي تعمل على تجفيف منابع الدين في موقف حرج ووضع دفاعي، خاصة أنها تزعم احترامها للإرادة الشعبية، وأنها تعمل على حماية العلمانية والديمقراطية.
فأربكان الذي قاوم الرغبات الثماني عشرة للعسكر الصادرة في ۲۸فبراير الماضي، والهادفة لتجفيف المنابع الدينية بإغلاق مدارس الأئمة والخطباء الإعدادية، وكذلك فصول تحفيظ القرآن غير المرخصة، وبذهابه للانتخابات يضع مجلس الأمن القومي الذي يحكم العسكر من خلاله -رغم وجود أعضاء مدنيين به يمثلون الحكومة ورئاسة الجمهورية- في مواجهة مع الشعب نفسه لا البرلمان فقط، وبالتالي تكون تنازلات أربكان على الجبهة الإسرائيلية تكتيكية أكثر من كونها إستراتيجية؛ إذ إنه عندما اقتربت المؤسسة العسكرية والقوى العلمانية من ثوابته لم يتراجع، وقرر المواجهة، مستنداً إلى ثقته في دعم الشعب التركي له.
وبلجوء أربكان إلى خيار تبادل المنصب قبل موعده بعام، وإجراء الانتخابات أثبت وفاءه بتعهده لتانسو تشيلر، عكس ما فعل مسعود يلماظ - زعيم حزب الوطن الأم المعارض- عندما شكل معها حكومة العام الماضي، قرر من خلالها اغتيالها سياسياً بكشف ملفات فسادها لا من أجل إثبات نظافة يده كما يدعي، ولكن بهدف الانفراد بزعامة يمين الوسط، ثم توحيد حزبي الوطن الأم والطريق القويم حسبما كان يتمنى، وهو ما دفع تشيلر للجوء إلى خيار أربكان الذي وافق عليه رغم ما فيه من عيوب واتهامات بعدم مصداقيته؛ لأن هدفه الأكبر كان تبديد المخاوف من حكم الإسلاميين، وكشف القوى غير الديمقراطية، بالإضافة إلى ترويض تشيلر ووضعها تحت السيطرة، وهو ما نجح فيه بالفعل.
وبإعلان أربكان النية لانتخابات عامة مبكرة كشف عدم مصداقية المعارضة التي كانت تتغنى بضرورة إجراء انتخابات مبكرة؛ إذ إنه عندما أعلن ذلك اعتبرت المعارضة هذا الإعلان أمراً خطراً على الأمن التركي ومقامرة غير محسوبة -على حد وصف بولنت أجاويد زعيم حزب اليسار الديمقراطي- ولعبة خطيرة على حد قول مسعود يلماظ زعيم حزب الوطن الأم.
أما دنيز بيقال صاحب الـ (٤٩) مقعدًا في البرلمان والذي طالما صرح بأنه سيكون الحزب الأول -رغم أنه في الانتخابات البرلمانية نوفمبر ١٩٩٥، حصل على نسبة الـ (١٠%) المطلوبة لدخول المجلس بشق الأنفس- أعلن رفضه للانتخابات، وأجمع هؤلاء على ضرورة أن يخرج المجلس الحالي حكومة بالطبع منهم، رغم عدم وجود أغلبية لديهم، ليصبح الموقف مثارًا للدهشة والتندر؛ إذ تصر الأقلية على تشكيل الحكومة لحماية الديمقراطية والعلمانية، وعندما تقرر اللجوء إلى الشعب لتجديد الثقة واستطلاع الرأي والتماشي مع إرادته اعتبرت المعارضة ذلك لعبة خطرة، وهكذا نجح أربكان في تعرية المعارضة، وكشف وجهها الحقيقي بعدما أزال مكياجها المزيف.
كما أثبت أربكان لتشيلر وغيرها أنه يميل لتوحيد القوى وليس لشرذمتها؛ لأن قبوله التخلي عن منصبه لها هو خط الدفاع الأخير لها لضمان وحدة حزبها؛ إذ إن يلماظ حاول اختراقه عبر عدد من نوابها الذين طالبوا بانتقال السلطة إليها لحماية العلمانية التي يهددها الرفاه، وإلا فإنهم سينتقلون لحزب الوطن الأم، وبالتالي تسقط الحكومة الحالية، وكان يلماظ يراهن بذلك على استحالة تسليم أربكان السلطة لتشيلر.
وبالطبع استفاد أربكان من الحملة المعادية ضده، والتي اتسعت لتشمل قوى إسلامية أخرى كانت تعارضه، وتدعم حزبي الطريق القويم والوطن الأم، ألا وهي الطرق الصوفية، مثل: النقشبندية، والسليمانية، بالإضافة إلى جماعة النورسيين؛ إذ تحركت تلك القوى للمرة الأولى إلى جانب أربكان رغم الخلافات الفقهية والسياسية، ودخلت عبر عمليتين الأولى أنقذت الحكومة من السقوط، ووجهت ضربة ليلماظ أفقدته توازنه، عندما أعطت الضوء الأخضر لنائبين من الوسط الأم، هما: إسماعيل دوراق أونلو، وسعدي سومونجو أوغلي للاستقالة وهما من مريديها، والتهديد بإخراج ستة آخرين من الوطن إذا ما استمر يلماظ في أساليبه غير الديمقراطية.
والثانية: إعلان حزب الوحدة الكبرى (إسلامي-قومي) الابن المدلل للحركة الصوفية، ويتزعمه محسن يازجي أوغلي دعم حكومة أربكان واستعداداه لدخولها إذا لزم الأمر، وبذلك تم ضخ دماء جديدة وطازجة للحكومة بعد استقالة النواب من جناح حزب تشيلر، وهو ما جعل الحكومة تفقد أغلبيتها بعد أن هبط عدد نوابها إلى (275) نائباً (١٥٩من الرفاه و١١٦من الطريق) علماً بأن المطلوب لإحراز الأغلبية وهو (٢٧٦) نائبًا.
فالخطر المشترك أوجد نقطة تلاقي مصالح بين الرفاه والصوفية، دعمها اقتناع الأخيرة بإمكانية حكم الإسلاميين دون الخوف من احتمال الانقلاب العسكري، أو تعريض مصالحها الاقتصادية للخطر، بل إن أربكان كاد أن يقدم للمحكمة الدستورية بسبب دعوته لمشايخ الطرق الصوفية إلى حفل إفطار في رمضان الماضي باستراحة رئاسة الوزراء للمرة الأولى في تاريخ تركيا منذ إعلان الجمهورية عام ١٩٢٤م، فالطرق الصوفية ممنوعة بأمر القانون رغم تواجدها الفعلي، وانخراط حوالي (۱۰) ملايين في صفوفها وفقًا لتقرير مركز الدراسات الإستراتيجية، ولذلك يطرح حاليًا سيناريو جديد للتداول يقضي بتشكيل جبهة من أحزاب الرفاه والوحدة الكبرى والنهضة، تدعمه القوى الصوفية لدخول الانتخابات المبكرة، وفي نفس الوقت يتعاون مع جبهة أخرى تضم الطريق القويم والحركة القومية والحزب الجديد، ويدعم تلك الجبهة بعض القوى الصوفية الأخرى، وبذلك يمكن للجبهتين إحراز أكثرية بأكثر من (70%) يمكنهما معًا من تشكيل حكومة قوية إسلامية صوفية علمانية، بلا مخالف لإدارة البلاد وضمان الاستقرار، حاملة روح عام ١٩٤٦م عندما بدأ عدنان مندريس مسيرته السياسية لإنهاء حكم الحزب الواحد، وهو حزب الشعب الجمهوري الذي انفرد بالحكم منذ عام ١٩٥٠ إلى عام ١٩٦٠م إلا أنه تم إعدام مندريس على أيدي العسكر الذين لم يتحملوا بعض توجهاته الإسلامية رغم تعاونه الكبير مع الغرب والولايات المتحدة.
متى تجرى الانتخابات؟
تحديد موعد الانتخابات المبكرة مهم جداً للرفاه؛ إذا إن قيام المدعي العام الجمهوري برفع دعوى لإغلاقه لتهديده العلمانية يجعله متخوفاً من إجرائها العام المقبل؛ لأن صدور الحكم من المحتمل أن يكون في ديسمبر المقبل، وليستطيع حزب الرفاه دخول انتخابات جديدة عليه تشكيل حزب بديل قبل الموعد بستة شهور، وهي مغامرة غير محسوبة، لذلك فهو يريد إجراء الانتخابات في نوفمبر على أقصى تقدير لضمان دخول المجلس والفوز، وتشكيل حزب بديل كوسيلة دفاعية، كما أنه يستفيد من تلك الحملة الموجهة ضده والتي تكسبه تعاطفاً جماهيريًا؛ لأنه في موقع المظلوم رغم وجوده في الحكم.
على تلك الأرضية يتحرك أربكان بثبات في مواجهة أحزاب المعارضة المذعورة التي تشعر بالانهيار من زلزال الديمقراطية، وتخشى الإدارة الشعبية؛ مما يعني نجاحه في تحقيق أهدافه الإستراتيجية رغم تراجعاته التكتيكية.