العنوان ترسيخ الهيمنة الصهيونية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-فبراير-1995
مشاهدات 78
نشر في العدد 1138
نشر في الصفحة 5
الثلاثاء 14-فبراير-1995
منذ انعقاد مؤتمر مدريد في عام 1991م و"إسرائيل" تعتبر
نفسها القوة النافذة والمهيمنة على دول المنطقة، وأصبحت تتعامل مع العالم العربي
باستباحة تامة كأنه غنيمة حرب لها الحق في كل شيء فيه، حتى في نظمه السياسية
وكياناته القائمة، وليس أدل على ذلك من دعوة وزير الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريز
للدول العربية في الشهر الماضي أن يقوموا بحل الجامعة العربية وتحويلها إلى جامعة
شرق أوسطية حتى تتمكن "إسرائيل" من الانضمام إليها، والعجيب أن دعوة
بيريز لم تجد صوتًا عربيًا واحدًا يرتفع ويقول لها لا... والأكثر من ذلك هو وقوفه
أمام الحضور في المؤتمر الاقتصادي الذي عقد في الدار البيضاء في أكتوبر الماضي
وإهانته لمصر ودورها في المنطقة العربية حينما قال: "إن مصر قادت المنطقة
خلال السنوات الماضية إلى الهاوية"، ثم قدم مشروعه الصهيوني للسيادة على
المنطقة والنهوض بها عن طريق فرض إتاوة على الدول العربية لتشارك في إقامة بنك
التنمية في الشرق الأوسط من أجل دعم وتمويل المشروعات التوسعية الإسرائيلية، ورغم
الرفض الذي أبدته معظم الدول العربية للمشروع إلا أن الولايات المتحدة واصلت تنفيذ
الفكرة الإسرائيلية وتسعى الآن لإنشاء البنك وإرغام الدول العربية على دفع
الإتاوات المفروضة عليها.
ويستمر بيريز في سخريته من العرب حينما يقف أمام جمع من المفاوضين
العرب الذين لا يدرون عن أي شيء يتفاوضون ويقول لهم: "لقد انتهى عصر
المواجهات العسكرية في المنطقة، ومن الآن فصاعدًا لن يكون في الشرق الأوسط مكان
لأي جنرالات سوى جنرال موتورز وجنرال الكتريك، ثم يضحك بيريز ويضحك المغيبون من
حوله الذين لا يدرون أن "إسرائيل" منذ إنشائها لا يحكمها سوى الجنرالات،
ولا يدير حتى شئون الكنيست فيها إلا جنرالات سابقون، وأن مستقبلها القصير -إن شاء
الله- قائم أيضًا على الجنرالات.
وتزداد الغطرسة الإسرائيلية حينما يقف بيريز الذي تمتلك حكومته مائتي
قنبلة نووية ويقول لوزير الخارجية المصري وكأنه يملي عليه قرارًا سياديًا: إن
عليكم أن توقعوا على اتفاقية حظر الأسلحة النووية دون مناقشة، ولن نسمح لكم
بالحديث معنا عن عدم توقيعنا، وفي نفس الوقت تواصل الولايات المتحدة ضغوطها على
مصر ويرسل النائب اليهودي توم لانتوم - عضو الكونجرس الأمريكي - رسالة إلى وزير
الخارجية وارن كريستوفر طلب منه فيها أن "ينقل بأشد عبارة ممكنة إلى الحكومة
المصرية أن حسن نية الكونجرس الأمريكي والدعم المالي مرتبطان مباشرة بموقف مصر من
مسيرة السلام ومن الإرهاب.
ثم تأتي قمة القاهرة لتضيف مزيدًا من المكاسب لــــــ
"إسرائيل" وزيادة هيمنتها على الأمة حينما يخرج رابين منتشيًا بعد
محاضرة التوبيخ التي لقنها لعرفات على مسمع من مبارك وحسين، وذلك طبقًا لنص محضر
القمة الذي نقلته صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية وأكدته مصادر أخرى
في الأسبوع الماضي، حيث أعلن رابين عن عدم رضاه لتهاون عرفات مع معارضي اتفاق
الاستسلام في غزة، وألمح إليه بضرورة سحقهم وقال له: بأنه ما دام لم يطلق النار
على رجال حماس، وما دام لم يخضها حربًا أهلية عنيفة في غزة، فإنه لن تكون هناك
إمكانية لأي تقدم في مسارات المفاوضات الجارية، ويسعى عرفات لدفع تهم رابين عن
نفسه فيقول عرفات لرابين: لقد اعتقلت سبعة من قادة الجهاد الإسلامي منذ عملية
"ناتانيا"، فيسخر منه رابين ويقول له: لقد قبضنا نحن على أكثر من ألف
وخمسمائة في الضفة الغربية، ثم يواصل رابين توبيخه لعرفات ويقول له: كيف تسمح
لأعضاء حماس، بأن يرفعوا الأسلحة أثناء قيامهم بالمظاهرات في قطاع غزة، فيرد عليه
عرفات قائلًا: ولكنك تذكر الثامن عشر من تشرين الثاني حينما حدث اشتباك قوي معهم
وقتلت قواتنا ثلاثة عشر منهم.. فيهز رابين رأسه موحيًا بأن ذلك غير كاف.. ثم يملي
عليه ما ينبغي أن يفعله لقمع معارضي مسيرة الاستسلام، وأول شيء هو إنشاء محكمة
لأمن الدولة لمحاكمة هؤلاء والقبض على كل النشيطين منهم، وكان هذا هو أول ما فعله
عرفات بالفعل بعد عودته إلى غزة..
لقد أضافت قمة القاهرة بعدًا جديدًا للهيمنة الصهيونية على دول
المنطقة وبدا أن "إسرائيل" والولايات المتحدة التي تضغط على العرب بكل
قوة للخضوع والاستسلام لمطامع "إسرائيل" التوسعية لن تسمح بأية وحدة
عربية أو صف إسلامي يمكن أن يقاوم مطامع "إسرائيل" وأهدافها، لكن الذي
تفعله الولايات المتحدة و"إسرائيل" لن يقود حتمًا لأي مما يحلمون به
فالشعوب الإسلامية تأبى بفطرتها الذل وتكره الحيف، وترفض أن تسلب منها أرضها،
وتنهب ثرواتها، وتمرغ كرامتها، ثم تتهم بالإرهاب والتطرف إن فتحت فمها لتعترض على
مسيرة الاستسلام القائمة، فالأمة الإسلامية أمة عزة وكرامة، وصاحبة دين قويم رفعها
الله به من قبل وسوف يرفعها في الخالدين من بعد، وإن الأيام دول، ووعد الله
للمسلمين غير مكذوب (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ
قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (المجادلة : 21)