العنوان ترحيب حارّ لا يخلو من انـتقاد لاذع
الكاتب د. أحمد عيسى
تاريخ النشر السبت 25-سبتمبر-2010
مشاهدات 79
نشر في العدد 1920
نشر في الصفحة 14
السبت 25-سبتمبر-2010
زيارة بابا الفاتيكان لبريطانيا..
الزيارة جزء من مساعي الفاتيكان لتطهير سمعة الكنيسة الكاثوليكية التي صارت في الحضيض جزاء فضائح الاعتداءات الجنسية
٢٠ ألفًا جابوا شوارع لندن انتقادا لتستر البابا على الفضائح الجنسية
البابا يعترف بـ «فشل الكنيسة الكاثوليكية بالتصرف بشكل حاسم وسريع مع القساوسة الذين يغتصبون ويستغلون الأطفال جنسيًا»
استطلاع للرأي: عدد كبير من الكاثوليك يعتقدون أنه يتعين على البابا إسقاط ضرورة بقاء رجال
الدين الكاثوليك عزابًا
جاءت زيارة بابا الفاتيكان وسط انتقادات عديدة وجدل حاد بشأن تكلفة الزيارة لدافعي الضرائب البريطانيين، وسجل الفاتيكان في انتهاكات الأطفال وحقوق الإنسان، والزيارة جزء من مساعي الفاتيكان لتطهير سمعة الكنيسة الكاثوليكية التي صارت في الحضيض، وتنظيف البيت من الداخل بعد الضرر البالغ الذي لحق بها مؤخرًا جرَّاء فضائح الاعتداءات الجنسية لرجال الدين على الأطفال في العديد من الدول.
ووُجَّهت بعض الاتهامات إلى البابا بالتستر على تلك التجاوزات، وقال بعض الناجين: إنهم ما زالوا يحملون آثارا نفسية، وإن الكنيسة يجب أن تفعل المزيد لأداء واجبها نحوهم، لذا تظاهر ضد زيارة البابا نحو ۲۰ ألفًا جابوا شوارع لندن، ينتقدون تستره على هذه الجرائم، ومواقفه من حقوق المرأة في الكنيسة والمثليين جنسيًا، ومنعه استخدام الواقي الذكري والإجهاض، وارتفعت اللافتات تطالب بمحاكمته (۱).
ولتأمين زيارة البابا تم الاستعداد لها بعملية أمنية ضخمة لحمايته، وتشير التقديرات إلى أن تكاليف الزيارة بلغت أكثر من ٣١ مليون دولار، تغطي الحكومة البريطانية أكثر من نصفها وهي أول زيارة رسمية يقوم بها أحد بابوات الفاتيكان إلى بريطانيا، بعد زيارة البابا «يوحنا بولس الثاني» منذ نحو ٣٠ عامًا، يشار إلى أن الكاثوليك في بريطانيا يقدَّرون بنسبة 9% من إجمالي السكان الذين يدين أغلبيتهم بالأنجيليكانية، المنشقة عن الكاثوليكية. وقد أقام البابا قداسًا في فضاء مفتوح بمدينة «جلاسجو» بأسكتلندا، حضره أكثر من ٥٠ ألف شخص، وآخر في حديقة «هايد بارك» بلندن، حضره حوالي 80 ألفًا، والثالث في برمنجهام، ودعا البابا بريطانيا إلى عدم نسيان جذورها المسيحية وهي تتحول إلى مجتمع متعدد الثقافات.
وقد سعى العالم البريطاني الشهير «ريتشارد داوكنز» إلى استصدار أمر قضائي لاعتقال البابا خلال زيارته إلى بريطانيا بسبب فضيحة الانتهاكات ضد الأطفال بالكنيسة الكاثوليكية، حسبما أعلن محامو «داوكنز»، وانضم إليه في مسعاه الصحفي البريطاني «كريستوفر هيتشنز»؛ حيث كلف الاثنان محاميين ببحث الوسائل لاتخاذ إجراء قانوني ضد البابا، كذلك طلب من محامي جماعات حقوق الإنسان دراسة إمكانية توجيه تهم إلى البابا، مشيرا إلى أن الانتهاكات التي وقعت ضد أطفال على يد أعضاء في الكنيسة قد تم التستر عليها.
وسبق في شهر أبريل، أن تحرَّك الفاتيكان لعرقلة محاولة ترمي لإرغام البابا على المثول أمام إحدى المحاكم الأمريكية، كان قد رفع محام أمامها مذكرة تسعى لجعل البابا يدلي بشهادته تحت القسم حول ما يعرفه عن للأطفال.
فضائح الاستغلال الجنسي ونقل تقرير «التايمز» عن رئيس محكمة الفاتيكان قوله: إن البابا يتمتع بالحصانة الدبلوماسية بصفته رئيسا لدولة الفاتيكان، وبالتالي لا يمكن استدعاؤه للمثول أمام المحكمة كشاهد، وقدموا حججًا مفادها أن القساوسة والأساقفة الأمريكيين الذين كانوا يشرفون على الكهنة الذين ارتكبوا مثل تلك الانتهاكات الجنسية المزعومة بحق أطفال لم يكونوا موظفين لدى الفاتيكان!
رسالة اعتراض
ووقّع ٥٦ من الشخصيات العامة في بريطانيا رسالة تدين الزيارة، وفي حين اعترفت الرسالة بحق البابا في القيام بجولة في المملكة المتحدة بصفته زعيمًا دينيًا، رفضت معاملته كرئيس دولة، وأن ذلك «مجرد ضرب من الخيال لتضخيم تأثير النفوذ الدولي للفاتيكان»، وأن ذلك مخالف لقواعد الديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان، وسردت الرسالة سلسلة من التهم الموجهة للبابا، منها معارضته توزیع الواقي الذكري؛ مما أدى إلى زيادة الأسر الكبيرة حتى في البلدان الفقيرة وانتشار الإيدز، ومنها تحريم الإجهاض للنساء الأكثر ضعفًا، وكذلك معارضته الحقوق المتساوية لمثلييالجنس على حد قولهم، والإخفاق في معالجة العديد من حالات إساءة معاملة الأطفال (۲).
فشل
وقبيل وصوله إلى بريطانيا، أدلى البابا بتصريحات أقرَّ فيها بـ«فشل الكنيسة الكاثوليكية بالتصرف بشكل حاسم وسريع بما يكفي للتعامل مع قضية القساوسة الذين يغتصبون ويستغلون الأطفال جنسيًا»، وقال البابا : «أود أن أقدم للضحايا مساعدة مادية ونفسية وروحية، وأريد حماية أطفال آخرين من قساوسة خطرين في المستقبل»، وتمثل تصريحات البابا أوضح اعتراف له حتى الآن بإخفاقات الكنيسة بمعالجة فضيحة الاعتداءات الجنسية، والتي عادت إلى الأضواء مجددًا مع الكشف خلال الأسبوع الماضي عن وجود مئات الضحايا في بلجيكا، انتحر منهم ١٣ شخصًا على الأقل.
في غضون ذلك، انسحب الكاردينال «وولتر كاسبر»، وهو أحد أبرز مستشاري البابا من الوفد المرافق بعد أن صرح بالقول: إن «الوصول إلى مطار هيثرو أشبه ما يكون بالهبوط في إحدى بلدان العالم الثالث». كما قال الكاردينال «كاسبر» في تصريحات لمجلة ألمانية: إن «كفرًا جديدًا وعدائيًا يجتاح إنجلترا». إلاَّ أن الفاتيكان سارع للتخفيف من وقع نبأ انسحاب الكاردينال «كاسبر» من مرافقة البابا قائلًا: إنه «لم يكن يقصد أي نوع من الاستخفاف أو الازدراء»، فهو ببساطة انسحب بسبب المرض، وقد دعا زعيم الكنيسة الكاثوليكية في أسكتلندا إلى اعتذار الكاردنيال، ولكنه رفض على لسان سكرتيرته، ويعتبر بعض النقّاد كلام الكاردينال نوعا من العنصرية.
جدل
وقد احتدم الجدل وتصاعدت حدة الانتقادات الموجهة للبابا من قبل منظمات وجهات مختلفة بعد الخطاب الذي ألقاه أمام ملكة بريطانيا «إليزابيث الثانية» في قصرها بأدنبره في مستهل زيارته إلى البلاد، وأشار فيه إلى وجود «رابط بين الإلحاد والنازية»، إلا أن الكنيسة الكاثوليكية تحركت بسرعة للتقليل من وقع كلمات البابا قائلة: إنه «مدرك تمامًا لمعنى الأيديولوجية النازية»، لكن منظمات وشخصيات ذات ميول غير دينية اعتبرت تلك التعليقات «مساسًا بها وإهانة» لمن لا يؤمنون بالفكر الديني.
ودعا البابا في خطابه البريطانيين إلى الانتباه إلى «الأشكال العنيفة من العلمانية»، وأضاف قائلًا: «حتى في نطاق أعمارنا، يمكن أن نتذكر كيف وقفت بريطانيا وزعامتها ضد الطغيان النازي الذي أراد القضاء على الاعتقاد بوجود الإله في المجتمع، ورفض الجانب الإنساني للعديد منا، خصوصًا بالنسبة لليهود الذين كان يُنظر لهم على أنهم لا يستحقون الحياة».
وأضاف: «وها نحن نستذكر تلك الدروس التي خرجت لنا من الإلحاد العنيف في القرن العشرين، دعونا لا ننسى أن استبعاد الإله والدين والقيم من الحياة العامة يؤدي إلى نظرة متخندقة للإنسان والمجتمع، مما يعني رؤية مستصغرة للإنسان والقدر».
وكان البابا - وهو ألماني - قد تحدث في السابق حول كيفية نشوئه تحت مظلة «وحش» النازية، وكان البابا قد التحق، عندما كان في الرابعة عشرة، بالشبيبة النازية، والتي كانت مفروضة على الشباب والشابات في ألمانيا في ذلك الوقت، وفي أواخر الحرب العالمية الثانية جُنّد البابا في الخدمة العسكرية الإلزامية في وحدة دفاع جوي في مدينة ميونخ، إلا أنه هرب من الجيش الألماني مع اقتراب الحرب من نهايتها، واعتقل لفترة قصيرة كسجين حرب من قبل قوات الحلفاء في عام ١٩٤٥م.
تهميش الدين والمسيحية
حذّر البابا من «تهميش الدين، وخاصة المسيحية عبر العالم»، وذلك في أول خطاب لرأس الكنيسة الكاثوليكية في كنيسة «ويستمنستر آبي» الملحقة بمجلس العموم البريطاني.
وقال: إن «المملكة المتحدة تسعى اليوم لأن تكون مجتمعًا عصريًا ومتعدد الثقافات، فهل تستطيع في سياق سعيها إلى تحقيق هذا الهدف النبيل أن تحافظ دائما على احترامها للقيم التقليدية والتعبير عن الثقافات المختلفة، والتي لا تقدرها الأشكال الأشد عدوانية للنزعة الدنيوية ولا تتساهل معها أيضًا؟»، ووجه البابا أيضًا نداء إلى وسائل الإعلام البريطانية، التي عادة ما تنتقد الاتجاه المحافظ لدى البابا، حيث اعتبر أنها «تتحمل مسؤولية أكبر من المسؤولية التي تتحملها وسائل الإعلام الأخرى، ومسؤولية أكبر للتشجيع على السلام بين الأمم، وعلى التنمية الشاملة للبلدان وتعميم حقوق الإنسان الأصلية».
استطلاع
وقد أشار استطلاع للرأي أجرته مؤسسة ComRes لحساب BBC (3) أن حوالي 70% من الكاثوليك البريطانيين يتوقعون أن تؤدي زيارة البابا لبريطانيا إلى دعم الكنيسة الكاثوليكية في البلاد، ولكن 70% أيضًا قالوا: إن العقيدة الكاثوليكية لا تقدّر عامة في المجتمع البريطاني، وأن 66% قالوا: إن البابا لم يعمل ما يكفي لمعاقبة المذنبين في انتهاكات الأطفال «75% من كافة شرائح المجتمع قالوا أيضًا بذلك». وقال 52% من الكاثوليك ممن شملهم الاستطلاع قبل زيارة البابا إن فضائح الاعتداءات الجنسية قد هزت ثقتهم في قيادة الكنيسة.
وتعليقًا على هذه النتائج، قال «أندرو هوكنز» رئيس المؤسسة التي أجرت الاستطلاع: «بشكل عام، هناك شعور بالدعم القوي لزيارة البابا، ولكن هناك أيضًا شعورًا بالقلق على حد سواء بشأن بعض جوانب التعاليم البابوية، كما أن صورة الكنيسة الكاثوليكية في المجتمع قد تعرضت للضرر بشكل عام»، وتشير نتائج الاستطلاع أيضًا إلى أن عددًا كبيرًا من الكاثوليك يعتقدون أنه يتعين على البابا إسقاط ضرورة بقاء رجال الدين الكاثوليك عزّابًا، ويطالب بهذا حوالي نصف الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع أي نسبة 49%، في حين يوافق على عزوبية القساوسة حوالي 35%، ولم يحدد 17% مواقفهم من الموضوع، ويرى 62% ممن شملهم الاستطلاع أن من الضروري أن تتمتع النساء بمزيد من السلطة داخل الكنيسة الكاثوليكية، وقال مراسل «BBC» للشؤون الدينية: إن نتائج الاستطلاع تكشف عن بعض التوتر داخل الكنيسة بين الحرص على الحفاظ على التقاليد القديمة وبين المجتمع العلماني الذي أصبح يرى صعوبة في استيعاب مثل هذه المعتقدات.
وبعد، فالزيارة واستقبال الناس للبابا في الشوارع أظهرت فراغًا روحيًا لدى الكثيرين؛ على أهل الدعوة للإسلام أن ينتبهوا إليه، كما أظهرت بقاء الكيل بمكيالين حين تقام مراسيم زيارة ملكية لرجل دين له آراء ضد المثليين جنسيًا أكثر تعصبًا من علماء الإسلام الذين مُنعوا من دخول بريطانيا، والفارق هو القوة والنفوذ وليس الحق والحقيقة، وذلك اللقاء بين الأنجيليكانية والكاثوليكية هل هو لصالح التدين المسيحي، أم غير ذلك؟ كما أثبتت لي أهمية وجود شخصية علمية إسلامية عالمية مؤثرة تمثل الإسلام ويكون لها الاحترام «وليس العبادة والتقديس كما في حال البابا»، كما راعني عدم ظهور ممثل عن مسلمي بريطانيا في معمعة هذه الاحتفالات، رغم حضور حبر اليهود ونصارى أرثوذوكس، وأخيرًا مع رؤية الطقوس والتراتيل الشبيهة بالطلاسم على شاشة التلفزيون، حمدت الله على نعمة الإسلام وتمنيت لتلك الجماهير أن يهتدوا للحق.
الهوامش
(1) Papal visit: thousands protest against Pope in London http://www.bbc.co.uk/news/uk-1135258
(2) Politicians, Scientists, campaigners. authors join call to protest against the Pope's state visit
http://www.humanism.org.uk/ home
(3) BBC Catholic Survey on Papal Visit12 September2010
http://www.comres.co.uk/ page165564311 .aspx