; ترجمات مختارة.. «سلطة» أم «مافيا» تحكم مناطق الحكم الذاتي؟ | مجلة المجتمع

العنوان ترجمات مختارة.. «سلطة» أم «مافيا» تحكم مناطق الحكم الذاتي؟

الكاتب مارك دينيس

تاريخ النشر الثلاثاء 17-سبتمبر-1996

مشاهدات 67

نشر في العدد 1217

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 17-سبتمبر-1996

News week

يقول كثير من الناس في الضفة الغربية وقطاع غزة: إن الحياة تحت سلطة عرفات ليست أفضل منها تحت سلطة الإسرائيليين. 

كثير من أبناء نابلس التي نشأ فيها ناصر جمعة يعتبرونه بطلا، فقد كان في السادسة عشرة من عمره حين سجنه الإسرائيليون لأول مرة، بسبب الاحتجاج على الاحتلال، وعندما بلغ الثانية والعشرين أصبح قائد ثورة في رمي الحجارة، وقد أمضى أكثر من نصف أيامه في السجون الإسرائيلية بين عام ۱۹۸۲ وعام ١٩٩٤م، عندما أفرج الإسرائيليون عنه في نهاية المطاف، وكان هو وأفضل صديق له محمود الجميل وراء القضبان في عام ١٩٩3 حين تم توقيع اتفاقية أوسلو للسلام، وقد كتبا معا مقالة صحفية رحبا فيها بالاتفاقية على أنها خطوة نحو الحرية للشعب الفلسطيني.

يقبع جمعة (٣٠ عامًا) الآن في سجن يديره الفلسطينيون، ولم يعرف أفراد أسرته وأصدقاؤه أسباب سجنه، حيث تقول الشائعات: إنه تعارض مع طموحات مسؤول نابلسي سياسية، ويقول أقارب جمعة إنه تعرض للتعذيب الشديد من اعتقاله في ديسمبر «كانون أول» الماضي، يقول أحد أفراد أسرته: لقد وهب كل حياته لقضيتنا، وهكذا يكافئونه.

إنه على الأقل على قيد الحياة، فقبل أسابيع مات الجميل في سجن نابلس، حيث إن الصديقين مسجونان، وقد قال الأطباء الذين فحصوا الجثة: إنه تعرض للحرق والضرب، وعلى الفور تمت محاكمة ضباط السجن الثلاثة، فأدينوا وحكم عليهم بالسجن لمدد طويلة لأدوارهم في موت الجميل. 

لكن كثيرًا من الفلسطينيين يلومون السلطة الفلسطينية بأسرها، فخلال موكب جنازة الجميل، توجه حوالي ٣٠ ألف مشارك فيها إلى مباني البلدية في نابلس ليقذفوا الحجارة ويطلقوا الشتائم، وفي اليوم التالي وفي مدينة طولكرم اقتحم المتظاهرون السجن المحلي وأخرجوا منه عشرات السجناء، لقد تنامي الغضب منذ مجيء السلطة الفلسطينية قبل سنتين، حيث يقول عدد متزايد من النقاد أن نظام ياسر عرفات أصبح دولة بوليسية، وهو ما لا يختلف عما كانوا يقولونه عن المحتلين الإسرائيليين.

لا أحد خارج الدائرة الداخلية لعرفات يعرف عدد الأجهزة الأمنية التي يسيطر عليها، فالتخمينات الأمنية المنشورة تتراوح بين ستة وعشرة بينما تقول المخابرات الإسرائيلية: إنها ثمانية، حيث يبلغ عدد أفرادها حوالي ٣٠ ألفا. 

الصفوف الدنيا تتكون بشكل أساسي من فلسطينيين محليين، لكن معظم القادة اكتسبوا الخبرة القتالية خارج الضفة الغربية وغزة، وبخاصة في الحرب الأهلية اللبنانية، وكان كثير منهم يتواجدون في الخارج، في أماكن مثل العراق، ويقول نشطاء حقوق الإنسان: إن الشرطة قد جاءوا معهم بالطريقة المتشددة في تنفيذ القوانين، والتي تعلموها من مضيفيهم السابقين.

إن اتفاقيات أوسلو التي تسمح لعرفات بعشرين ألف رجل أمن فقط تطالبه بمحاربة الإرهاب باستخدام كل التدابير الضرورية، فبعد أن نفذ المقاتلون الإسلاميون عددًا من التفجيرات الاستشهادية قبل سنتين، بدأت إسرائيل والولايات المتحدة الضغط على السلطة الفلسطينية لشن حملة قمعيَّة، وأذعن للضغوط، واستطاع أن يظهر إخلاصه لعملية السلام، بينما كان يرسخ سلطاته. 

غسان الخطيب - محلل سياسي فلسطيني – يقول: اللاعبون المهمون لا يعيرون اهتماما، إنهم يريدون فقط سحق حماس ومواصلة المفاوضات من أجل ضمان هاتين الحاجتين، فإنهم يرغبون في غض الطرف. 

إن أقسى معاملة تقع على الذين يعتقد أنهم مؤيدون لحماس، فقد اعتقلت شرطة عرفات حوالي ألفي مشتبه بأنهم من أتباع الحركة الإسلامية، بعد موجة تفجيرات انتحارية أدت إلى مقتل ٥٩ شخصًا في إسرائيل في شهري فبراير ومارس شباط، وآذار الماضيين، ويظل حوالي ۱۲۰۰ شخص في السجون، ويتحدث الذين تم الإفراج عنهم عن عمليات ضرب وتعذيب مدروسة، وهنا يقول شخص غزي ينفي أي علاقة له بحماس: لابد أن يهتم أحد بما يجري هنا.

لقد اعتقل هذا الشخص في مارس (آذار)، وأمضى خمسة أيام في زنزانة صغيرة، وكانت ذراعاه مربوطتين إلى السقف، يسمع ضربات زملائه السجناء، يقول هذا الغزي: هذه ليست سلطة، إنها مافيا. 

المقاتلون الإسلاميون المشكوك أنهم كذلك. ليسوا الضحايا الوحيدين، فلم يكن جمعة والجميل ينتميان لحماس، وإنما لحركة فتح التي يرأسها عرفات والقمع ينتشر. 

يقول إياد السراج - نشيط حقوق الإنسان، والذي سجن ثلاث مرات على يد عرفات -: إنه أشبه بسرطان، إذا لم تحدث جراحة كبيرة، فمن الصعب أن نرى أي شيء يتغير. 

ويقول إنه يرى نوعًا من التغيير سيحدث إننا على شفا شيء ما.. إني لا أعرف ما هو.

جماعات المراقبة الدولية، مثل: منظمة دوتش لحقوق الإنسان منزعجة جِدًّا من انتهاكات السلطة الفلسطينية، ويتفق الدبلوماسيون في المنطقة على أن سجل عرفات إزاء حقوق الإنسان«مخيف جِدًّا»، ومع هذا فإن الحكومة الأمريكية لا تريد أن تقول أي شيء قد يعرض مفاوضات السلام للخطر، يعترف مسؤولو السلطة الفلسطينية بوجود مشاكل، لكنهم يعزون معظمها للضغوط الأمريكية والإسرائيلية، ومع أن المجلس التشريعي الذي انتخب في يناير «كانون ثان» الماضي، قد يطلب عرفات نظريا للمحاسبة، فإن المجلس من ناحية عملية لا يستطيع أن يحقق الكثير.

حسام خضر - أحد أشد ناقدي عرفات في المجلس - يقول: لقد فقدنا ألف شخص خلال نضالنا من أجل الحرية، وعلينا أن نقدم ألف شخص آخرين في النضال من أجل الديمقراطية، وكان خضر قد اعتقل ثلاث وعشرون مرة على يد الإسرائيليين.

الاعتقالات والتخويف أسكتت الصحافة المحلية، وهنا يقول صحفي في جريدة «القدس» وهي أكبر جريدة فلسطينية: إنه يسمع قصصًا جديدة عن الفساد وسوء استخدام الصلاحيات في كل يوم، لكنه لا يحاول أن يغطيها، ويقول - بلا مبالاة -: حتى إذا كتبتها، فإن الجريدة لن تنشرها.. إنني لن أكتب.. أبدًا. 

لقد اعتقل مرتين دون تفسير، ووضع في زنزانة انفرادية واستجوب حول ما كتب، ومع من يتحدث، كما دعي للمركز الأمني ليسمع ما يصفه «بالتحذيرات»، إنه يعرف عن ۳۰ صحفيا مروا بتجارب مماثلة، ويقول: لكن الأمر لا يقتصر على الصحفيين، بل هو شعور بالخوف في كل مجال وإلى الآن كان كثير من الفلسطينيين يرغبون في التساهل مع ذلك الخوف واحتماله، فقد كانت الدولة تستحق ذلك، هكذا قالوا لأنفسهم، لكن المتاعب تتزايد، وقد صلبت الحكومة الإسرائيلية موقفها التفاوضي، كما أن إغلاق حدود إسرائيل أمام معظم العمال الفلسطينيين قد دمر اقتصاد الضفة الغربية وغزة، وقد بدأ المواطنون الفلسطينيون يتساءلون فيما إذا كانت السلطة الفلسطينية تتصرف لمصلحتهم أو لمصلحتها، ويقول أحد أفراد أسرة جمعة: لقد ناضل ناصر من أجل الحرية وانتهى به الأمر إلى السجن، إننا لم نتقدم أبدا.. وأن هذه الحياة التي نحياها ليست هي الحياة التي تصورها الفلسطينيون عندما حلموا بالحكم الذاتي.

*إعداد مؤسسة المتحدة للدراسات والبحوث – واشنطن

الرابط المختصر :