العنوان ترتيب أوراق سقوط الخلافة.. المقالة الخامسة: فتح العثمانيين للبلاد العربية والإسلامية
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يناير-1980
مشاهدات 106
نشر في العدد 466
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 22-يناير-1980
تحدث الكاتب في المقالة الرابعة عن ظهور العثمانيين كقوة عسكرية وإسلامية مع أوائل القرن السادس عشر، وعرض لأعمال السلطان سليم، والسلطان سليمان القانوني، وما جرى في عهديهما. وهو هنا يتابع الحديث عن العثمانيين المدافعين عن الثغور، ودورهم في حماية المسلمين من الصليبيين وتعاون العرب المسلمين معهم، تدفعهم العقيدة وحدها إليه.
وليس صحيحًا ما يردِّده البعض من أن «ظهور الدولة العثمانية لم يكن ظاهرة دينية، ولا كان قبول حكمها مبعثه العصبية الدينية».. (انظر ممن قال بذلك الأستاذ محمد جلال كشك في كتابه القومية والغزو الفكري صـ171)
والحق أن الدول الإسلامية وعلى الخصوص العربية منها كانت تَفتح صدرها للعثمانيين من مُنطلق إيماني عقدي ولذلك لم يجد العثمانيون أدنى صعوبة في فتح البلاد العربية، بل إن دخول الجزائر- كما سبق- تحت الحكم العثماني تم بدون حرب، بل بمحض إرادة حاكمها «خير الدين» المعروف بـ «بارباروس» كان قد تكون هناك نوع من الحكومة البحرية تملك أسطولًا قويًّا يشتغل بالقرصنة لمقابلة قراصنة أوروبا «وصار خير الدين يتغلب على أساطيل الإسبان وسيطر على غرب البحر الأبيض المتوسط، ومع هذا رأى أن يقدم خدماته وأساطيله إلى الدولة العثمانية واستقبله السلطان سليم القانوني، وجعله قائدًا عامًا لأساطيل الدولة، وانضمت الجزائر بهذه الصورة إلى الدولة العثمانية تم قام خير الدين وأحلافه بحركات حربية أدت إلى إدخال تونس وطرابلس أيضًا في هذه الدولة العثمانية وفي سنة ١٥٥٦ وأصبحت شمال إفريقيا حتى وهْران وتلمسان تابعة للدولة العثمانية» (القومية والغزو الفكري صـ171).
وهكذا كانت أغلب الدول العربية والإسلامية ترى في العثمانيين المنقذ الشرعي لهم من خطر الصليبيين، ولقد سهَّل ذلك فعلًا انتشار العثمانيين واستتباب الأمر لهم في كل البلاد العربية والإسلامية وإلا فبماذا يفسر هذا الانتشار الذي بدأ من معركة «مرج دابق» التي انتصر فيها العثمانيون على قوات السلطان الغوري عام ١٥١٦.
وفي خلال أربعين سنة من معركة «مرج دابق» كان الحكم العثماني شاملًا لكل البلاد العربية والإسلامية وغيرها من بلاد الفرنجة، حتى البلاد التي بقيت خارج الحكم العثماني، كالمغرب الأقصى وقلب الجزيرة العربية، كانت تابعة لدولة الخلافة الإسلامية ولو اسما، فالدولة العثمانية هي التي أعطت لهذه البلاد تصريف شؤونها فعليًّا وبقي الاسم للدولة العثمانية والولاء لها.
- لم تكن القوة العسكرية والتفوق العسكري لدى العثمانيين هو السبب في سهولة حكم البلاد العربية، وحتى لو كان هذا صحيحًا فإنه لا يمكن أن يكون السبب في استمرار الحكم العثماني طيلة هذه القرون لولا أن العرب كانوا يدينون لهم بالولاء الشرعي.
وصحيح أن أوضاع البلاد العربية والإسلامية المتمزقة إلى دويلات متناحرة متقاتلة، وتزايُد خطر الغزو الإفرنجي الصليبي وتدهوُر المماليك كقوة عسكرية وعجزهم عن مواجهة القوة العسكرية لأوروبا، والضغط الصليبي في غرب البحر الأبيض.. «هذه دعاوى علَّل بها محمد جلال كشك رأيه بأنها السبب الرئيسي لقبول العرب حكم الأتراك فراجعها في القومية والغزو الفكري صـ۱۲۸، والغريب أن أورد النصوص التي تثبت خلاف رأيه في نفس الكتاب صـ١٥٠، وهي النصوص التي سنذكرها على التو».
كل ذلك ساعد على سهولة سيطرة الدولة العثمانية على البلاد العربية لكن هذه العوامل المساعدة ما كان لها أن تنجح وإذا نجحت فما كان لها أن تستمر لولا العصبية الدينية، بمعنى التمسك الديني وإعطاء الولاء الشرعي للعثمانيين، كمخلِّصين لهم من واقعهم ومن الخطر الماحق بهم.
والذي يراجع الرسائل التي كانت تنتقل بين ابن عثمان وكبار قوَّاده العثمانيين والسلاطين والملوك العرب يعلم يقينا أن آل عثمان إنما قاموا بما قاموا به من باب الجهاد لإعلاء كلمة الله وإعادة شرعه إلى الأرض وقهر الكفر وأهله وإعزاز الإسلام وأهله.
وقد أرسل السلطان مراد الثاني وهو السلطان السادس، تسع رسائل إلى عزيز مصر الملك الأشرف برسباي منها هذه الرسالة التي يبشره بفتح قلعة «كوكر جينلك» في نهر الدانوب وتاريخ الرسالة ٨٣١ه- ١٤٢٧م.
وما جاء فيها- بعد بيان وصول كتاب سابق، وبعد الإشارة إلى ما تضمنه من «التفقد عن أحوال العساكر المسلمين، وجنود الموحدين جعلهم الله تعالى أبدًا وسرمدًا غالبين، وصيَّر أعداءهم هاربين، والاستخبار عن قصة مشركي إنكرس ومن تابعهم من أعداء الدين، خذلهم الله تعالى إلى يوم البعث واليقين»:
«لا يخفى على علمه العالي أن ملكهم جمع جميع الكفرة من أقصى بلاد الكفر وأحزاب الشياطين فقصدوا أن يهجموا على أهل الإسلام- عوذا بالله تعالى- فتوجه المُحِب متوكلًا على الله مع عساكر الموحدين المجاهدين إلى الجهاد وإعلاء كلمة الحق ونصرة الدين..
«وسار العساكر المحمدية وانتهوا إلى جزيرتهم الجانية، وهي جزيرة في وسط ماء طونة، وفي طرفيها حصنان حصينان، ركبوا في السفن وحاصروها، وبنصر من الله وفتح قريب فتحوها، وجميع سفنهم وآلاتهم التي كان القُرال يهيؤها على طول الأيام ومرور الأعوام لإضرار أهل الإسلام أخذوها «وما ذلك على الله بعزيز» فُيِّئُوا المغانم الجمَّة، وأسروا ذراريهم وإناثهم، وقتلوا كبارهم وذكورهم وخربوا دورهم وقصورهم، «وقذفوا في قلوبهم الرعب، فإنهم فرُّوا إلى أقصى بلادهم، فتشتت شملهم وتفرق جمعهم من الخوف والحذر، كما أن الشيطان يفرُّ من ظل سيف عُمَر، رضي الله عنه، ولما تهيأنا وتشمرنا مع جنودنا لطلبهم حيث كانوا، وأين وجدوا، إذ تصل إلينا بالمسامع، وتَوَاتَرَ بأن ملك المماليك اللازية توسبات بن لان، لما سمع خبر جهاد عساكر الموحدين وإعلاء كلمة الحق واليقين، مات فجأة ببركة معجزة محمدية، وهيبة صيِّنة إسلامية، وحمدنا الله بذلك حمدًا مشعرًا بمقدرة.
- وأرسل السلطان مراد الثاني رسالة أخرى إلى «عزيز مصر» عن فتح سلانيك، فيبدأ الكتاب بـ «الحمد لله الذي أعدَّ أعلام الدين بإعلاء كلمة الحق المبين، ورفع لواء أهل الإيمان بلمعان بارقة سيوفهم على ظلمات الكفر والمشركين، وفتح علينا أبواب النصر والظفر بكسر أحزاب الشياطين، وبلاد الكفار والملاعين.. ثم يبشِّره بنصر رايات الإسلام ببركة الآيات العظام، ويفتح الممالك الكثيرة من صعاب القلاع وأبكار البقاع، بفيض عناية الرب الكريم، وتأييد هداية الصمد العليم».. ويبين له أهمية فتح سلانيك فيقول: ولا سيما بفتح قلعة سلانيك التي هي أحسن القلاع الإفرنجية، وأصعب الديار الحربية، وهي والقسطنطينية توأمان في كونهما منبعي الكفر والضلال في أيدي الكفرة الفجرة، ومظهري العدوان في تصرف مشركي الفسقة، بل هي أشد من القسطنطينية في إضرار أهل الإسلام بالفتنة والفساد فعزمناها وحاصرناها.. ففي عذرة اليوم الخامس من شهر رجب سنة اثنين وثلاثين وثمانمائة بالتكبير والتهليل شرعنا الحرب، فلما نصب الرايات الإسلامية المنصورة المنسوبة إلى آيات الفتح والظفر على الكفار، وجاء نداء نصر من الله وفتح قريب من اليمين واليسار، وآية جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا من الفرق، ففتحت بالصولة الأولى قبيل الصحوة الكبرى من ذلك اليوم..».
وهذه رسالة من السلطان محمد الثاني «محمد الفاتح» إلى عزيز مصر إينال شاه، بمناسبة فتح القسطنطينية، وهي رسالة مطولة وهذه بعض فقراتها:
«إن من أحسن سنن أسلافنا أنهم مجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، ونحن على تلك السنة قائمون، وعلى الأمنية دائمون، ممتثلين بقوله تعالى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (التوبة:29) ومستمسكين بقوله عليه السلام r «من أغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار» (أخرجه البخاري) فهممنا هذا العام، عمَّمَه الله بالبركة والإنعام، معتصمين بحبل ذي الجلال والإكرام، ومتمسكين بفضل الملك العلَّام إلى أداء فرض الغزاة في الإسلام، مؤتمرين بأمره تعالى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ﴾ (التوبة:123) وجهزنا عساكر الغزاة والمجاهدين من البَّر والبحر لفتح مدينة مُلئت فجورًا وكفرًا، والتي بقيت في وسط الممالك الإسلامية تباهي بكفرها فخرًا.
فكأنها حصن على الحد الأغر *** وكأنها كنف على وجه القمر
وبعد أن يصف المدينة وحصونها وتحصيناتها وكيف استعصت على من قبلهم يقول:
«حاربناهم وحاربونا، وقاتلناهم وقاتلونا، وجرى بيننا وبينهم القتال أربعة وخمسين يومًا وليلة، ومتى طلع الصبح الصادق من يوم الثلاثاء يوم العشرين من جمادي الأولى هجمنا مثال النجوم، وجدّ ما لجنود الشيطان، سخرها الحكم الصديقي ببركة العدل الفاروقي، بالضرب الحيدري لآل عثمان، قد من الله تعالى بالفتح قبل أن ظهر الشمس من مشرقها.. فلمَّا ظهرنا على هؤلاء الأرجاس الأنجاس الحلوس، طهرنا القوس من القسوس، وأخرجنا منه الصليب والناقوس، وصيرنا معابد عبدة الأصنام مساجد أهل الإسلام».
- وأبلغ ما يدل على أن العثمانيين إنما يجاهدون لرفعة هذا الدين، وأن العرب والمسلمين إنما يسمعون لهم من هذا الجانب ويتجاوبون معهم مشاعرًا ووجدانا، الرسالة التي أرسلها السلطان محمد الفاتح إلى «شريف مكة المكرمة» بمناسبة فتح القسطنطينية، يبشره بالفتح، ويطلب الدعاء، ويرسل هدايا من الغنائم، وهذه بعض فقراتها:
بعد مقدمة في المدح والثناء على شريف مكة المكرمة يقول: «فقد أرسلنا هذا الكتاب مبشِّرًا لما رزق الله لنا في هذه السنة من الفتوح التي لا عين رأت ولا أذن سمعت، وهي تسخير البلدة المشهورة بقسطنطينية.. فالمأمول من مقر عزكم الشريفة أن يبشش بقدوم هذه المسرَّة العظمى والموهبة الكبرى مع سكان الحرمين الشريفين، والعلماء والسادات المهتدين، والزهاد والعباد والصالحين، والمشايخ والأمجاد الواصلين، والأئمة الأخيار المتقين، والصغار والكبار أجمعين، المتمسكين بأذيال سرادقات بيت الله الحرام، التي كعروة الوُثقى لا انفصام، والمشرفين بزمزم والمقام، والمعتكفين في قرب جوار رسول الله عليه التحية والسلام، داعين لدوام دولتنا في العرفات، متضرعين من الله نصرتنا، أفاض الله علينا بركاتهم ورفع درجاتهم... وبعثنا مع المشار إليه هدية لكم خاصة ألفي فلوري من الذهب الخالص التام الوزن والعيار المأخوذ من تلك الغنيمة، وسبعة آلاف فلوري أُخَر للفقراء، منها ألفان للسادات والنقباء، وألف للخدَّام المخصوصة للحرمين، والباقي للمتمكنين المحتاجين في المكَّة المعظمة والمدينة المنورة، زادهما الله شرفًا، فالمرجو منكم التقسيم بينهم بمقتضى احتياجهم وفقرهم، وإشعار كيفية السيْر إلينا، وتحصيل الدعاء منهم لنا، دائمًا باللطف والإحسان إن شاء الله تعالى، والله يحفظكم ويبقيكم بالسعادة الأبدية والسيادة السرمدية إلى يوم الدين».
وانظر إلى جواب شريف مكة على رسالة السلطان محمد الفاتح لترى تجسيد المشاعر المتحدة والفرحة المشتركة وهذه بعض فقراتها بعد ذكر وصول الرسول والرسالة.. «وفتحناها بكمال الأدب، وقرأناها مقابل الكعبة المعظمة بين أهل الحجاز وأبناء العرب، فرأينا فيها من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين، وشاهدنا من فحاويها ظهور معجزة رسول الله خاتم النبيين، وما هي إلا فتح القسطنطينية العظمى وتوابعها التي متانة حصنها مشهورة بين الأنام، وحصانة سورها معروفة عند الخواص والعوام، وحمدنا الله بتيسير ذلك الأمر العسير وتحصيل ذلك المهم الخطير.. وبششنا بذلك غاية البشاشة، وابتهجنا من أحياء مراسم آبائكم العظام، والسلوك مسالك أجدادكم الكرام، روح الله أرواحهم وجعل أعلى غرف الجنان مكانهم، في إظهار المحبة لسكان الأراضي المقدسة» «هذه الرسائل في الجزء الأول من منشآت فريدون بك نقلناها عن كتاب البلاد العربية والدولة العثمانية للأستاذ ساطع الحصري صـ ١٦ وما بعدها».
ومن هذه الرسائل يتبين بما لا مجال للشك أن العثمانيين إنما قصدوا من توسعاتهم تقوية الإسلام وإعادة هيئة الخلافة إليه بعد أن آل حالها إلى ما ذكرنا آنفًا، وأن العرب والمسلمين إنما ينظرون إلى الأتراك من هذه الزاوية وينتظرون اليوم الذي ترسل فيه الدولة العثمانية قوتها المجاهدة لحماية ثغور العرب المسلمين، ولا شك أن هذه النظرة سهلت على العثمانيين فتوحاتها للبلاد العربية، وأكسبتها قوة معنوية إلى قوتها العسكرية.
وكانت مشاعر المسلمين متعلقة بالعثمانيين يتابعون انتصاراتهم ويعتبرونها انتصارات لهم لأنها انتصار للإسلام قبل أن يكون لآل عثمان.
وهذا ابن إياس يعطينا صورة حية لإثبات ذلك التعاطف الشعوري فيروي في أحداث سنة ٩١٨ فيقول: «وفي يوم الجمعة ثاني هذا الشهر وردت الأخبار بوفاة السلطان محمد بن السلطان مراد خان بن أبي يزيد المعروف بيلدروم بن أورخان بن أردن ابن عثمان بن سليمان بن عثمان الأكبر الذي مات شهيدا بالغزاة..»
«وفتح في أيامه عدة مدن من بلاد الفرنج، وانتشر ذكره بالمعدل في سائر الآفاق وكان من خيار ملوك بني عثمان قاطبة، فلما تحقق السلطان وفاته بكى عليه، وأظهر الحزن والأسف ثم صلى عليه صلاة الغيبة بعد صلاة الجمعة في الجامع الأزهر وجامع الحاكم وجامع ابن طولون.. وفي جامع السلطان الذي بالشرابشين وغير ذلك، وقد حزن عليه الناس، فإنه كان قامعًا للفرنج لا يفتر عن الجهاد فيهم ليلًا ولا نهارًا وكان به نفع للمسلمين».