; تراجم إسلامية في الفكر والحركة في تركيا المعاصرة- الشيخ عاطف الإسكيليبي | مجلة المجتمع

العنوان تراجم إسلامية في الفكر والحركة في تركيا المعاصرة- الشيخ عاطف الإسكيليبي

الكاتب محمد حرب عبد الحميد

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1980

مشاهدات 77

نشر في العدد 489

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 15-يوليو-1980

  • القبعة الأوروبية، صارت قضية!! وأخذت أبعادًا رهيبة!!
  • يرى الشيخ عاطف رؤيا، فيعرف أنه سيعدم وكذلك كان.

استعرضنا في الحلقة الماضية أخلاق الشيخ عاطف الإسكيليبي ومعاناته مع تسلط حزب الاتحاد والترقي على أمور الحكم في الدولة العثمانية، ثم موقف الشيخ تجاه تقليد الفرنجة ومحاربته للتقليد، ونحن نواصل في هذه الحلقة مع ما تحمله الشيخ عاطف في سبيل ذلك من حكم الإعدام عليه.

يقول أرمسترونج:

«صار عليه الآن (أي على مصطفى کمال أتاتورك) أن يغير عقول الشعب بأسره، بأفكارهم القديمة، وعاداتهم، وأزيائهم وأساليب حياتهم، وأدق الدقائق التي تربطهم بنشأتهم الشرقية وماضيهم.. كانت هذه المهمة أصعب بكثير من إعادة بناء الكيان السياسي للدولة أو على حد تعبيره (أي تعبير أتاتورك) لقد قهرت العدو، وقهرت الدولة فهل أستطيع أن أقهر الشعب؟

ورأى (أي أتاتورك) أن يتخلص من الطربوش رمز الدولة العثمانية.. وكان يعلم أنه سيلقى مقاومة عنيفة من الشعب الذي سيشعر أنه قد طعن في شعاره القومي، فآثر أن يصل إلى هدفه بالتدريج.. بدأ بأن فرض على حرسه الخاص ارتداء القبعة، فلما لم يعترض أحد عمم القبعة في الجيش كله، وبث في صفوفه من يشرح للجنود أفضليتها على الطربوش في حماية الرأس من الشمس والمطر.. فلما لم يحتج الجيش ظهر هو (أي أتاتورك) مرتديًا قبعة من القش! وبدأ يبشر بنظريته قائلاً: إذا أردنا أن نكون شعبًا متمدينًا فينبغي أن نرتدي ثياب المتمدينين الدولية، أما الطربوش فهو رمز الجهل! ولكن الجماهير أبت أن تجاريه أو تقلده في (بدعته) وحتى الأفراد القليلون الذين تبعوه عادوا فنكصوا أمام ازدراء الناس وتهكمهم، وعندئذ أحس الغازي أنه فشل في إقناع الأتراك برأيه، فلم يجد بُدًّا من أن يفرضه عليهم بالقوة، وهكذا أصدرت الجمعية الوطنية (أي مجلس الأمة التركي) بناء على طلبه (أي أتاتورك) قانونًا يُحرّم ارتداء الطربوش ويعاقب من يرتديه.

وبعد يومين من إصداره انتشر رجال البوليس في الشوارع الرئيسية في جميع المدن والقرى وأخذوا «يصادرون» الطرابيش من فوق رؤوس المارة. وكل من قاوم أو اشتكى كان مصيره الحبس!.. وسرت في البلاد موجة من الغضب والسخط، ورجمت الجماهير في كثير من البلاد ممثلي الحكومة بالأحجار مدفوعة بتحريض من رجال الدين الموتورين الذين ألقوا في روع الناس أن هذه (البدعة) مخالفة لتعاليم الإسلام، وأن القرآن والسنة يحرمان ارتداء القبعة!.. وفي الجمعية الوطنية (أي مجلس الأمة التركي) نفسها وقف الجنرال نور الدين باشا يحتج على هذه البدعة الجديدة!..

عندئذ انقلب (أتاتورك) إلى مستبد غاشم لسان حاله أن الثورات يجب أن تبنى على الدم، وإلا انهارت ولم تدم! وبدأ فأقصى نور الدين باشا من الجمعية وأرسل (محاكم الاستقلال) إلى الأقاليم لتحكم على مئات من (المتمردين) بالشنق والرمي بالرصاص والسجن!.. ولكي يوطد مصطفى كمال هذا التقليد في أذهان العالم الخارجي أرسل مندوبه إلى المؤتمر الإسلامي المنعقد في مكة، مرتديًا قبعة! وكان المؤتمر يضم ممثلين لجميع دول العالم الإسلامية. ولم يجد المؤتمرون بُدًّا من احترام المندوب وقبعته تقديرًا لمصطفى كمال» (الذئب الأغبر ص 212 - 214 القاهرة يوليو 1952). 

تم القبض على كثير من علماء الدين الأتراك منهم: سليمان خوجة العشاقي وصالح أفندي الغيتاني مدير مدرسة الأئمة والخطباء في عشاق وأحمد أفندي البوزقيرلي ودورمش خوجة السلطنيوي والشيخ المتصوف شرف الدين الداغستاني وغيرهم. أتى بهم رجال الحكومة من جميع أنحاء تركيا من «ریزه» (اسم مدينة في بلاد اللاز بشمال تركيا) ومن «أرضروم» و«کیراسون» و «وسيواس» وغيرها من مدن الأناضول إلى أنقرة العاصمة التركية، كما قبضت السلطات على الشيخ عاطف أفندي أيضا.

وفي 26 يناير 1926 قُدم عاطف أفندي لأول مرة أمام محكمة الاستقلال: فهو الذي كتب ضد القبعة قبل أن يصدر قانون تغيير الأزياء ولبس القبعة، بسنة وأربعة أشهر.

عاطف أفندي وأحداث القبعة

كان لا بد من القول إنه في يوم الخميس 21 يناير عام 1962 حدثت ثورة في مدينة كيراسون التركية وسميت باسم «ثورة القبعة»؛ لأنها كانت ضد قانون القبعة الذي أصدره مجلس الأمة التركي. والمفهوم أن لكتاب عاطف أفندي عن تقليد الفرنجة والقبعة أثرًا في هذا الحادث.

 وفي كيراسون أيضًا وقعت حادثة سميت «حادثة كيراسون» فيها قام شخص غريب مختل العقل وقف في وسط الشارع وأعلن بصوت عال أنه لن يمتثل لقانون لبس القبعة ولن يلبسها. قبضت الشرطة عليه وسألوه.

- لماذا لا تلبس القبعة؟

فأجاب بقوله:

- لأني أرسلت إلى عاطف أفندي خطابًا بشأن ارتداء القبعة فأجابني بأن الشريعة لا تسمح بارتدائها وإن في ارتدائها الكفر؛ لذلك قررت ألا أرتديها.

هنا يقول الكاتب التركي نجيب فاضل في كتابه «المظلومون من الإسلاميين» في العهد الأخير -عند تعرضه لهذه الحادثة- أن لم يسأل أحد من رجال الشرطة هذا الرجل إذا كان أخذ بكلام عاطف أفندي، فلماذا يصيح بهذا الشكل المفتعل وسط الشارع ويقول إنه لن يلبس القبعة، لم يسأله أحد هل أحس بحاجة إلى هذا الصياح المبالغ فيه، وهل قال له الشيخ أن يصيح هكذا. ولمّا سألت الشرطة الرجل عن خطاب عاطف أفندي الخاص بهذا فقال إنه فقده!

تقوم السلطات بالقبض على عاطف أفندي وترسله إلى محكمة كيراسون أولا ثم إلى محكمة الاستقلال بأنقرة.

يقول نجيب فاضل في كتابه المذكور عن حادثة كيراسون هذه: «إن هذا الحادث مدبر... أسوأ وأحقر أنواع التدبير». 

سألوا عاطف أفندي عن صحة إرساله خطاب إلى هذا الرجل، فأوضح الشيخ لمحكمة كيراسون أن هذا كذب فلم يكتب لهذا الرجل شيئًا بل لم يتلق منه أي خطاب. 

مثل أمام محكمة الاستقلال في مسألة قضية القبعة -ضمن الكثير من الماثلين- النائب البرلماني السابق لمدينة مرعش واسمه حبيب الذي ذكر للمحكمة أن أهل مرعش متمسكون بدينهم والقبعة تجرح شعورهم الديني، وإنه نفسه لم يجد وقت صدور قانون القبعة قبعة في أي مكان في مرعش ليرتديها.

في فورة مدينة مرعش ضد قانون القبعة، حكمت المحكمة على سبعة أشخاص بالإعدام وعلى عديد من الأحكام الأخرى على بعض المواطنين بلغت ما بين السجن خمسة عشر عاما إلى ثلاث سنوات سجنًا.

الإعدام للشيخ بدلا من 3 سنوات سجنًا

في 26 يناير 1926: عاطف أفندي أمام محكمة الاستقلال.

المدعي العام يطلب للشيخ السجن ثلاث سنوات على الأقل. القاضي يطلب من الشيخ إعداد دفاعه ليقرأه على المحكمة في الغد. الشيخ يبدأ في كتابة دفاعه يغفو أثناء الكتابة. يستيقظ بعد هذه الإغفاءة، وعلى وجهه حضور، وفي أساريره سكون. يمزق الورقة التي كان يكتب فيها دفاعه ولم يكن أتمه بعد. ويقول للقاضي في اليوم التالي ردًّا على سؤال من المحكمة:

-لا حاجة لي يا سيدي «إلى الدفاع» فمن الواضح تماما أنني لم أرتكب ذنبًا يوجب الدفاع.

وكان القرار بعد ساعة واحدة. كان القرار: الإعدام.

رؤيا صادقة

أما لماذا مزّق الشيخ عاطف أفندي ورقة دفاعه. ولماذا كان موقنًا من أن الحكم عليه سيكون الإعدام وليس ثلاث سنوات كما كان يطلب المدعي العام. فيقصها نجيب فاضل في كتابه «المظلومون من الإسلاميين» في العهد الأخير ص 120 – 122:

«حدثني بهذا» الشيخ طاهر المولوي بنفسه «الذي كان يحاكم أمام نفس المحكمة التي أصدرت حكم الإعدام على عاطف أفندي». كان ذلك في عام 1932 عندما التقيت بطاهر المولوي في مكتبة رائف قرادنيز في سوق الكتب «في حي بايزيد بإستانبول».

جلس عاطف أفندي «في السجن» بعد صلاة العشاء وأخذ يكتب دفاعه عن نفسه «والذي طلبه منه القاضي».. أغفى الشيخ عاطف أفندي قليلا بعد أيام طويلة لم يذق فيها طعم النوم.. أغفى وفي يده ورقة دفاعه الذي لم يكمله.. نوم عاطف أفندي لم يستمر طويلا. وفجأة. فتح عاطف أفندي عينيه وارتسمت على وجهه ابتسامة عميقة رقيقة عجيبة.

الشيخ طاهر المولوي يسأل: ماذا حدث يا فضيلة الشيخ؟ لماذا استيقظت سريعًا!

قال الشيخ: حصل المراد من النوم.

-يعني؟!

-يعني رأيت الرؤيا التي كنت أنتظرها.

-ماذا رأيت؟

اعتدل الشيخ عاطف أفندي.

لاك ورقة دفاعه بيده، وقال:

-رأيت في رؤياي، فخر الكائنات «سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم» يقول لي:

«يا عاطف أتشغل نفسك بالدفاع عن نفسك ولا تريد الالتحاق بنا؟!

قال طاهر المولوي للشيخ: «وماذا تفسر هذا؟»

قال عاطف أفندي:

سيعدمونني، وسألتحق بحبيب الله.

طاهر المولوي: لا شك قط في صدق هذه الرؤيا.. إلا أن المدعي العمومي لم يطلب لك إلا السجن ثلاث سنوات.

سترى أنهم سيعدمونني، ولا أفهم إلا أن الأمر يأتي من أكبر الأبواب.

-ليس لديّ ما أقوله.

صحيح! ولم يعد للكلام جدوى! وها هي ذي الورقة التي كتبت فيها دفاعي ولم أكمله بعد... أمزقها!

وفي اليوم التالي حكمت محكمة الاستقلال بالإعدام على عاطف أفندي على أن ينفذ هذا الحكم فورًا فنُفّذ في فجر اليوم التالي.

الرابط المختصر :