; تراجم إسلامية في الفكر.. بديع الزمان سعيد النورسي | مجلة المجتمع

العنوان تراجم إسلامية في الفكر.. بديع الزمان سعيد النورسي

الكاتب محمد حرب عبد الحميد

تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1980

مشاهدات 84

نشر في العدد 499

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 30-سبتمبر-1980

الحلقة الثانية 

حياته وأعماله

- لم يكن سعيد النورسي عالمًا منطو يا على نفسه كبعض العلماء في عهود الانحطاط. 

- لو جاء بديع الزمان قبل قرن.. لتغير مستقبل العثمانيين؟!

- من أقوال النورسي: إن المستقبل لن يكون إلا للإسلام، وإن الحكم لن يكون إلا لحقائق القرآن.

بديع الزمان سعيد النورسي؛ 

• مواقفه الفكرية

لبديع الزمان سعيد النورسي صفات تجعله يأخذ مكانه بين أكثر رواد العالم الإسلامي همة، من صفاته أنه كان صاحب: وقوف على العلوم الدينية ومعرفة بالعلوم العصرية، وكان صاحب ذكاء وبصيرة كما كان عالي الهمة شجاع.

عزيز الإسلام، كان سعيد يرفض فكرة أن يتزوج؛ لأنه أراد أن يوقف حياته على الجهاد في سبيل نصر قضيته، وكان جهاده من سجن ومنفى يجعله في عدم استقرار في حياته الزوجية إن تزوج.

لم يكن سعيد النورسي عالمًا منطويًا منزويًا كبعض العلماء في عهود الانحطاط، بذل سعيد الجهد الكبير والحركة الفعالة لإيقاف التيارات الملحدة.

كان يدرك صورة العالم الذي يعيش فيه، ويحيط بمشكلات المسلمين ويعرف خطط أعدائهم، كما كان ممتلئًا بروح الجهاد والنضال أمام اتجاهات الإلحاد التي سادت عصره.

وقد انكب على دراسة المشكلات التي تعترض تقدم المسلمين، كما انكب أيضًا على إدراك وضع المسلمين في العالم المعاصر، ومحاولة استخلاص خطة تفتح الطريق أمام نهضتهم من انحطاطهم، ويمكن إجمال أفكاره في علاج العالم الإسلامي من أسباب الانحطاط فيما يلي:

(1) الأمل: «إن المستقبل لن يكون إلا للإسلام، وأن الحكم لن يكون إلا لحقائق القرآن. فاطمئنوا ولا تيأسوا وتأملوا بنصر الله وعونه»، «إن المستقبل سيكون للإسلام وحده».

(2) الصدق: « فما لم يكن جبل الصدق متصلًا بين الأفراد في حياتهم الاجتماعية، فإن من المحال أن يتداولوا بينهم أخلاق الإسلام ومبادئه».

(3) المحبة: « فلنجعل من أسلحة جهادنا في سبيل الله الحب والتألف ومقابلة الأعداء بقلوب بيضاء نقية تحقق حب الإنسانية والخير للجميع».

(4) الغيرة على المصلحة العامة والشعور بمسئولياتها: «أفما كانت الخلافة الإسلامية التي أسستموها « وكان بديع الزمان في هذا، يوجه كلامه إلى العرب من الجامع الأموي بدمشق» أنتم ثم أتمها العثمانيون من بعدكم رابطة أحالت ملايين من المسلمين إلى أسرة واحدة متضامنة متآخية وربطتهم بسلسلة نورانية واحدة حيرت العقول والألباب. 

(5) قيام الروابط النورانية التي تربط بين المؤمن والمؤمن: «الهيئة الإسلامية عامة أشبه ما تكون بجهاز معمل كبير فيه عجلات وأشرطة وآلات كثيرة متداخلة لكل منها وظيفة وعمل، فإن تخلف واحد منها عن العمل لحظة أو تجاوز حده، انتشر الفساد والعطب في بقية الأجزاء الأخرى لا محالة.

ونحن بسبيل أن نشكل جهاز معملنا الإسلامي مرة أخرى، وأن هذا يدعوكم جميعًا ألا تنشغلوا بالخصومات والمنازعات الشخصية، و لن ينجوا من شقاء الدنيا وعذاب الآخرة كل من يستدبر العمل في الجهاز الإسلامي ليولي وجهه شطر الآمال والمطامع الشخصية».

(6) إقامة الشورى الشرعية: «إن سبيل الاستفادة من الحياة الاجتماعية وما فيها من ملكات وثروات واستعدادات محصورة في إقامة الشورى الإسلامية في المجتمع، وإني لأعتقد أن المشورة الحقيقية عبر الأزمنة والأعصار هي التي تجعل الأجيال تتلاحق الخبرات والتجارب» و« لقد نجح الأجانب أخيرًا في ضرب أغلال الاستبداد على أقدام أربعمائة مليون من المسلمين منتشرين في قارتي آسيا وأفريقيا « كان هذا في وقت سعيد النورسي»  وليس من سبيل إلى كسر هذه الأغلال إلا بالالتجاء إلى الحرية الشرعية النابعة من الإسلام تتخذ أساسها من أنه لا يذل المسلم ولا يتذلل «و» من كان عبد الله فهو لا يكون عبدًا للعباد».

النورسي ورفض المدنية الغربية

في العهد الذي ظهر فيه سعيد النورسي، كانت المدنية الغربية تعيش فترتها الذهبية، كانت تتحدى في غطرسة وغرور مشاعر الشرقيين عامة وحضارة الإسلام خاصة. واستطاعت هذه المدنية الغربية أن تشد إليها ليس المسلمين فقط، وإنما أيضًا بعض علماء المسلمين الذين حاولوا إفساح بعض المجال للعقل الذي كان محور الحضارة الغربية وأساسها الوحيد.

في هذه الأثناء قام سعيد النورسي ليرفض المدنية الغربية داعيًا الاعتداد بالفكر الإسلامي، وداعيًا إلى العودة إلى أسس الإيمان.

أوروبا والإسلام

وفي تشخيص الموقف الحضاري في الشرق والغرب يقول بديع الزمان سعيد النورسي: «إن أمريكا وأوروبا حاملتان بالإسلام، فكما أن الإمبراطورية العثمانية كانت حاملة بأوروبا فولدتها، فلابد أن يولد من أوروبا دولة الإسلام».

ضد الإنجليز في الخطوات الستة

بعد الحرب العالمية الأولى وأثناء احتلال الإنجليز لإستانبول، قام سعيد النورسي بتأليف رسالة بعنوان «الخطوات الستة» طبعها خلسة ووزعها خفية، وفي هذه الرسالة كشف صريح لخفايا السياسة الإنكليزية ومحاولة الإنكليز في إفساد الحياة المعنوية لدى المسلمين.

ذات يوم قرأ سعيد النورسي خبرًا مؤداه: أن وزير المستعمرات البريطاني ألقى كلمة في البرلمان الإنكليزي قال فيها - وهو يحمل في يده نسخة من القرآن الكريم-: «طالما أن هذا القرآن في يد المسلمين فلن نستطيع أن نحكمهم بالمعنى التام للكلمة، على ذلك، فإن واجبنا ينحصر في أحد أمرين: إما حرمان المسلمين من القرآن وإما نشل حماسهم تجاهه». 

وقد كان لهذا الخبر تأثيره العميق في كيان سعيد النورسي، فقد أدرك مدى عظم مسؤوليته كعالم في الدين، كما اقتنع بضرورة تفسير عظمة القرآن بعد أن رأى ضخامة حجم الخطط التي تستهدف الإسلام، ومن ثم أدرك أن العمل الإسلامي لابد وأن يتركز في إستانبول باعتبارها مقر الخلافة الإسلامية ومركز العالم الإسلامي حيث تتركز فيها كل الألاعيب والمؤامرات الأجنبية.

بديع الزمان وإصلاح التعليم

أحس بديع الزمان سعيد النورسي بأن «الكتب الإسلامية القديمة لم تعد كافية للدعوة الإسلامية» وفهم أنه لا يكفي للعمل على إزالة الشبهات التي راجت ضد الإسلام في العصر الحديث، لا يكفي في ذلك تحصيل العلم على المنهج القديم والكتب القديمة، لذلك اهتم سعيد النورسي بتعلم العلوم الأخرى مثل الرياضيات والطبيعة والكيمياء والفلك والجيولوجيا.

كما بذل النشاط لإصلاح نظام التحصيل الديني في المدارس الدينية القديمة التي يطلق عليها في المصطلح العثماني اسم «المدرسة»، ويعكس كتاب سعيد النورسي «محاكمات» فكرة الحاجة إلى تجديد جاد في أصول التدريس في العلوم الإسلامية.

مطالب النورسي في إصلاح التعليم 

يقول بديع الزمان سعيد النورسي: «إن طلاب العلوم الدينية يدينون المدرسين الجدد بضعف الإيمان بسبب مسائل خاصة بالمظهر الخارجي. أما المدرسون الجدد فيصمون طلاب العلوم الدينية بالجهل نظرًا لأنهم غافلون عن الفنون والعلوم الحديثة. وإن هذا الاختلاف في الفكر والمنهج قد هز الأخلاقيات في المجتمع الإسلامي وخلف هؤلاء عن التقدم المدني».

«إن الوسيلة الوحيدة لإصلاح هذا، إنما يكمن في وضع العلوم الدينية في المدارس المدنية وتدريس العلوم العملية بدلًا من الفلسفة اليونانية القديمة في المدارس الدينية، ووضع علماء متبحرين في التكايا من أجل تثقيف وتنوير طبقة الدراويش المتصوفة».

«يقول سعيد شامل في حديث له مدرج في كتاب «المثقفون يتحدثون عن سعيد النورسي» «.. لو جاء بديع الزمان قبل قرن لتغير مستقبل العثمانيين» و«أن المرحوم [سعيد النورسي] جدلي باعتبار الشخصية، يعني أنه مناظر قدير، لا يكتفي بالانزواء وتسطير أفكاره على الورق. إنه مربي كبير يعرف كيف يربي تلامذته عن طريق المباحثة والمناقشة مثله في هذا مثل الإمام الأعظم تمامًا».

الرابط المختصر :