العنوان تذويب الهوية الإسلامية
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أكتوبر-1994
مشاهدات 78
نشر في العدد 1120
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 11-أكتوبر-1994
"أريد أن أرحب
بكم هنا في البيت الأبيض أيها الشباب من جميع أنحاء الشرق الأوسط، فلدينا هنا
الإسرائيلي والفلسطيني والمصري والمغربي والأردني، جاء هؤلاء الشباب معًا إلى
بلدنا كسفراء يمثلون جيلًا بأكمله".
هكذا استهل الرئيس الأمريكي بيل كلينتون خطابه القصير الذي وجهه في
البيت الأبيض في الثامن من سبتمبر الماضي إلى وفد يتألف من مئة شاب وفتاة من العرب
و"الإسرائيليين" الذين دعتهم منظمة "بذور السلام" إلى
الولايات المتحدة للتعايش فيما بينهم وتحقيق السلام بين العرب والصهاينة بشكل عملي
وواقعي لن تستطيع الطرق الدبلوماسية تحقيقه، وذلك حسب تصريح جون ولاك رئيس منظمة
"بذور السلام".
و"بذور السلام" هي واحدة من عشرات المؤسسات والهيئات
الأمريكية والغربية المشبوهة التي أسست بغرض تذويب الهوية العربية والإسلامية مع
الهوية اليهودية الصهيونية في بوتقة واحدة، عن طريق إقامة معسكرات ولقاءات مشتركة
ومختلطة لعناصر مختارة من الشباب والفتيات الذين تؤهلهم حكوماتهم ليكون لهم دور
مستقبلي في صناعة القرار في بلادهم، وقد أنشأ هذه المنظمة الصحفي الأمريكي اليهودي
جون ولاك محرر الشؤون الخارجية في مجموعة صحف هيرست، وذلك في ولاية مين بالولايات
المتحدة الأمريكية عام 1993م بهدف تشجيع الصداقة والتفاهم بين الشباب العربي
والإسرائيلي وفي أعقاب إعلانه عن تأسيس هذه المنظمة، قال كلارك: "إنه من
المنطقي العمل مع الأحداث من العرب والإسرائيليين الذين تتراوح أعمارهم بين 11، 14
عامًا قبل أن يسممهم مناخ منطقتهم"، وقد دعت "بذور السلام" في
العام الماضي 46 صبيًّا وفتاة من فلسطين ومصر و"إسرائيل"، حيث أقامت لهم
مخيمًا في ولاية مين، ثم شاركوا في حضور حفل التوقيع بين "إسرائيل"
ومنظمة التحرير والذي تم في البيت الأبيض في الثالث عشر من سبتمبر من العام الماضي.
أما في هذا العام فقد بلغ عدد الوفد أكثر من مئة من الشباب والفتيات،
ولم يقتصر تمثيلهم على مصر و"إسرائيل" وفلسطين، وإنما شارك فيه إضافة
إلى ذلك شبان من المغرب والأردن، ويتم السعي الآن لتوسيع رقعة المدعوين في الأعوام
القادمة ليشملوا دولًا أخرى وأعدادًا أكبر؛ حيث تم الاحتفاء بهم على أعلى
المستويات في الولايات المتحدة، فقد استقبلهم الرئيس الأمريكي كلينتون ونائبه آل
جور الذي دعاهم إلى "كسب أصدقاء جدد ومنظور جديد". وأضاف قائلًا في
عبارة تحمل احتمالات كثيرة: "وآمل أن تنتهزوا هذه الفرصة للترفيه عن أنفسكم
واكتساب كل ما تستطيعون من تجارب".
وعلاوة على تذويب الفوارق الأخلاقية المستهدفة من وراء هذه الزيارات،
تم تذويب الفوارق الدينية أيضًا بأن دعي الوفد لزيارة معبد يهودي أقام فيه الشبان
المسلمون واليهود صلاة مشتركة، لم يذكر تقرير وكالة الإعلام الأمريكية الصادر
بتاريخ 12 سبتمبر الماضي على أي دين كانت، ثم قام الوفد بزيارة مركز إسلامي وأدى
فيه اليهود والمسلمون أيضًا صلاة مشتركة.
وتعتبر منظمة "بذور السلام" واحدة من عشرات المنظمات
اليهودية السرية والعلنية التي تعمل لتذويب الفوارق الدينية والأخلاقية
والاجتماعية والسياسية بين العرب و"الإسرائيليين" بغية إيجاد شخصية
عربية جديدة ممسوخة الهوية تفتقد الانتماء إلى الأرض والوطن واللغة والدين، وتعمل
دونما شعور على ترسيخ الوجود الصهيوني وتقوية نفوذه في قلب المنطقة العربية
والعالم الإسلامي، وأن تصبح الشرق أوسطية هي المفهوم الجديد للانتماء للمنطقة،
وهذه الجمعيات لا تعمل في مجال الشباب والطلاب فقط، وإنما تعمل في مجالات أخرى
عديدة أهمها طبقة رجال الأعمال وطبقة المثقفين والصحفيين والمفكرين، وطبقة
الدبلوماسيين وصناع القرار، وإن كانت تعطي اهتمامًا أكبر للتركيز على الأجيال
القادمة على اعتبار استمرار وجود مقاومة ورفض لدى قطاع عريض من الأجيال الحالية،
وعلى اعتبار عنصر الزمن عنصرًا أساسيًّا من أساسيات تحقيق أهدافهم.
ورغم أن معظم المنظمات السرية تعمل منذ عقود عديدة في هذا المجال إلا
أن المنظمات العلنية بدأت تظهر في أعقاب قيام الرئيس المصري أنور السادات بالتوقيع
على معاهدة كامب ديفيد عام 1979، حيث أعلن في عام 1981 عن إنشاء رابطة
"أمريكيون من أجل السلام"، وهي رابطة يهودية تبنت تذويب الصراع بين
العرب واليهود بدعوة العرب إلى قبول الأمر الواقع والعيش في سلام مع اليهود، ثم
عقدت تحالفًا في العام 1989 مع "المؤسسة الأمريكية العربية" للعمل من
هناك على إقرار السلام بالمفهوم الصهيوني في المنطقة. وفي عام 1984 تم تأسيس
"الجمعية القانونية للحريات المدنية في إسرائيل والولايات المتحدة"، حيث
تولت تدريب محامين عربًا و"إسرائيليين" بهدف تذويب الفوارق بينهم أثناء
فترات التدريب، ثم يعودوا إلى بلادهم بمفاهيم جديدة، وتتلقى هذه الجمعية التي يوجد
مقرها الرئيسي في الجامعة الأمريكية في العاصمة واشنطن دعمها من "الصندوق
الإسرائيلي الجديد"، وأثناء احتفال أعضاء هذه الجمعية بمناسبة مرور عشر سنوات
على تأسيسها في فبراير الماضي 1994 أكد الأعضاء الواحد تلو الآخر على أهمية
الجمعية ودورها الذي تقوم به من تأثير في "إسرائيل" والمناطق العربية.
وفي مجال رجال الأعمال وكبار التجار فقد بدأ النشاط اليهودي يأخذ شكل
البروز في هذا المجال في العام 1991، وعقدت عدة اجتماعات بين رجال أعمال عرب
و"إسرائيليين" في عدة عواصم أوروبية وعربية كان آخرها في إسطنبول قبل
عدة أشهر تم خلالها ترتيب العلاقات التجارية لمرحلة ما بعد رفع المقاطعة
الاقتصادية التي بدأ تنفيذها بالفعل حتى أن أحد المسؤولين
"الإسرائيليين" صرح مؤخرًا بأن حجم التبادل التجاري بين
"إسرائيل" والدول العربية قد زاد خلال العام الجاري 1994م عن 400 مليون
دولار.
أما "منظمة المبادرة من أجل السلام والتعاون في الشرق
الأوسط" والتي أسست سريًّا عام 1991 وضمت كتابًا وصحفيين ودبلوماسيين
"إسرائيليين" وعربًا، وعقدت ستة اجتماعات حتى الآن نشرت
"المجتمع" تفاصيل آخر اثنين منهما عقدا في الدار البيضاء وأنقرة، وذلك
في عدديها رقم 1099 و1115 فإنها تعتبر من أخطر هذه المنظمات؛ حيث تتوسع كل يوم
رقعة المنتمين إليها من الدبلوماسيين والصحفيين والمفكرين والكتاب وعلماء الاجتماع
وصناع القرار. إن هذه المعطيات والأحداث تشير إلى منحى خطير تخطى مرحلة التطبيع
التي ترفضها الشعوب إلى مرحلة أخطر هي مرحلة تذويب الهوية ومحو الانتماء لدى
المسلمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل