العنوان تدويل القدس.. ردة عقائدية وَسياسية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-فبراير-1975
مشاهدات 87
نشر في العدد 238
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 25-فبراير-1975
عزل فلسطين عن القدس.. وَعزل المسلمين عَن صراع المنطقة
من إنجازات حرب أكتوبر «تدويل القدس»!!
هل هذا معقول؟
على كل حال، هذا ما نادى به «بعضهم» في الأيام الأخيرة، وطرحه أمام الناس.
ومن خلال التتبع المتواصل لتصرفات بعض الحكام والزعماء، اتضحت نظرية متكاملة تقريبًا.. هذه النظرية هي أن حكامًا بعينهم، يطرحون آراء وأفكارًا تتناقض مع قيم الأمة، وعزتها وكرامتها ومروءتها، حتى تمتلئ هذه الأمة غيظًا وغضبًا وحنقًا.
ويترتب على هذا الغيظ، أن تتخذ الأمة موقفًا من الذين يطلقون تلك الآراء والتصريحات.
وهنا تكون النظرية قد ضمت أجزاءً جديدة، فبعد أن تتخذ الأمة موقفًا مناهضًا لتلك التصريحات، يمضي المصرحون إلى استكمال نظريتهم.
فيتخذون من موقف الأمة المناهض لآرائهم وتصريحاتهم، مبررًا جديدًا لتصرفات معينة أضمروها سلفًا.
وهنا تقع أو يوقعون الأمة بين خيارين:
• إن اعترضت على التصريحات والمواقف، أحرجوها بالانفصال عنها في القرار والعمل.
• وإن سكتت، مضت خطة الاستسلام إلى غايتها في غيبوبة جماعية شاملة.
بيد أن هناك خيارًا ثالثًا نسيه هؤلاء، وهو أن الأمة لن تسكت، وفي نفس الوقت لن تتركهم ينفصلون عنها، فالمصالح أصبحت من التداخل والتشابك المعقد، بحيث تجعل الانفصال أعسر بكثير مما يتصورون، بل تجعل الانفصال مستحيلًا.
وعند هذه النقطة بالذات، من الصعب تجاوز سؤال بديهي وطبيعي يقول: هل هناك بلد عربي واحد- أي بلد عربي- تحمل المشاق والمتاعب، والدماء والآلام من أجل فلسطين وحدها، بمعنى أن ذلك البلد العربي لو انفصل عن القضية الفلسطينية من أول يوم، لكان اليوم يتمتع بالراحة والهدوء والاستقرار والثراء الهائل؟
هذه أسطورة ينبغي أن تنتهي، أسطورة تحمل الآلام من أجل فلسطين.
فاليهود لا يبتغون فلسطين وحدها، وهم وإن بدأوا بها، فإن إستراتيجيتهم تتناول سوريا ولبنان، وأجزاء من السعودية واليمن، وشرق الأردن... إلخ. هذه واحدة.
والثانية أن اليهود يريدون «فرض» وصاية كاملة على المنطقة، وفق اعتبارات شتى، منها نبوءة التوراة المزعومة، ومنها تعميم نموذج الحضارة الأمريكية- الغربية على المنطقة، عبر المثال اليهودي في فلسطين المحتلة.
وإستراتيجية فرض الوصاية هذه، تصطدم أول ما تصطدم مع أكبر دولة عربية وهي مصر.
والثالثة أن في فلسطين «عمقًا» عقائديًا مشتركًا بين مسلمي المنطقة جميعًا: مسلمي الكويت ومصر، والعراق ولبنان وسوريا واليمن و... و... و... و... وهذا العمق العقائدي والبعد الديني هو «القدس».
والرابعة: أن تكامل المنطقة الاقتصادي والصناعي والسياسي يقضي «بالمشاركة» السراء والضراء، ومن هنا تصبح المساهمة في قضية فلسطين، خدمة وطنية لكل إقليم.
وسوف نسمع كلامًا عجيبًا يردده البعض، فيقولون: لا نقبل من أحد أن يلقي علينا توجيهات عقائدية في مسألة تدويل القدس، فنحن خدمنا الإسلام كثيرًا وطويلًا.
أما خدمة الإسلام الطويلة الكثيرة.. فنعم.. ولكن القرآن يقول: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الحجرات :17).
في نفس الوقت، مسلمو العالم لا يقبلون من أحد أن يتصرف في قدسهم ومسرى نبيهم صلى الله عليه وسلم.
إن قضية القدس قضية عقائدية، وعالمية.
• قضية عقائدية، لأنها وردت في القرآن نصًا صريحًا ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء: 1).
ووردت نصًا صريحًا في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى».
وفي ضوء هذا المعتقد الديني الحاسم، تقدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ففتح المقدس.. وخاض صلاح الدين الأيوبي- رحمه الله- المعارك الطويلة من أجل تحريره.
• والقدس قضية عالمية.. لأنه يهم كل المسلمين في العالم، وطرح مسألة تدويل القدس، إهدار لمقدسات تخص المسلمين جميعًا، وفي الجانب السياسي فإن إبعاد المسلمين عن قضية القدس، يعني إبعاد وزنهم عن قضية فلسطين ومشكلة مصر وسوريا.. وهذا ما يريده كيسنجر وجولدمان، وإسحق رابين وشمعون بيريز، وبقية زبانية الصهيونية العالمية، يريدون عزل العالم الإسلامي عن الصراع الدائر في المنطقة، بينما الثقل الصليبي اليهودي العالمي يقف وراء الجبهة الأخرى.. أي اليهود.
والصحافة المطروحة دومًا للبيع- أعمدةً وأقلامًا- في سوق الفكر والسياسة والإعلام، تروج أن هناك موافقة عربية وراء تصريحات تدويل القدس.
ولا شيء يحبط هذا الترويج، مثل تصريحات ومواقف مضادة وصريحة على نفس المستوى، خاصة من الذين يهمهم أمر القدس من زاوية فريدة.
ولو استولت جماعة من الرأسماليين اليمينيين على ضريح لينين في موسكو، وطالبت بتدويله، لملأ شيوعيو العالم الأرض مظاهرات ومواكب لا تنتهي.
فلماذا يسكت المفكرون والمثقفون الإسلاميون وهم يرون مؤامرة تدويل القدس.. تنسج آخر خيوطها؟
ولماذا يسكت علماء الدين المسلمون.. وعلام يصمتون وهم يرون هذا الذل يجري في جيلهم؟
ولتسقط إلى الأبد خرافة: أننا لا نريد فتح معركة، لم نحدد نحن زمانها ولا مكانها، فالمعركة مفتوحة فعلًا، وتدور في زماننا، وداخل بيوتنا.
إن المسجد الأقصى هو أخ للمسجد الحرام والمسجد النبوي، فلماذا يترك يتيمًا وحيدًا نهبًا للمؤامرات الدولية.
ألا يستحي الطائفون بالبيت الحرام، والزائرون للمسجد النبوي من هذا الواقع المحرج؟
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل