العنوان تدخل أمريكي صريح في شؤون الكويت
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1999
مشاهدات 102
نشر في العدد 1360
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 27-يوليو-1999
سارعت السفارة الأمريكية بالكويت إلى التعامل مع مرسوم منح المرأة حقي التصويت والترشيح في الانتخابات النيابية على أنه قد أصبح حقيقة واقعة وأمرًا مبرمًا لا رجعة فيه، وشرعت في أعمال وإجراءات تتعلق بتطبيق المرسوم، وهو أمر داخلي محض، حتى من قبل أن يقول مجلس الأمة الكويتي كلمته بشأنه، طبقًا لما تقضي به أحكام الدستور والقانون!
فقد نقلت مجلة «المجلة» الصادرة في لندن بتاريخ 18 يوليو الجاري أن السفير الأمريكي بالكويت جيمس لاروكو عقد مجموعة من اللقاءات مع بعض الفعاليات النسائية الكويتية لمناقشة المرسوم الأميري، وتأكيده لهن على أن بلاده مستعدة لتدريبهن ودعمهن في الترشيح والانتخابات، وقوله: «إن الولايات المتحدة مستعدة لإعداد دورات تدريبية لهن في عدد من المعاهد الأمريكية، مشددًا على دعم أي توجه للسيدات الكويتيات للمشاركة في الترشيح والانتخاب، ومؤكدًا على أن المرأة الكويتية قادرة على تولي المناصب السياسية والقيادية في مختلف المواقع، وأن الولايات المتحدة تريد رؤيتها وهي تتبوا أحد هذه المناصب».
نفهم أن يبادر أهل الكويت بمناقشة الأمر، وأن يتجادلوا حوله، وأن يعبر كل ذي رأي منهم عن رأيه، وأن يدعو إليه بحرية في إطار من احترام عقيدة المجتمع وقيمه وأخلاقياته، والالتزام بدستور البلاد.
ولكن أن تقوم جهة أجنبية- هيئة أو سفارة- داخل الكويت أو خارجها، بالإعلان عن انحيازها لرأي معين، وأن تباشر في اتخاذ إجراءات لدعم أصحاب هذا الرأي أو ذاك ومساندته، فهذا يعد تدخلًا سافرًا في شأن هو من صميم الاختصاص الداخلي لأهل الكويت، ولتجمعاتهم المدنية والسياسية، ولمؤسساتهم الدستورية والقانونية.
وإذا وافقنا جدلًا على التدخلات في شؤوننا، فلماذا اختارت السفارة الأمريكية هذا المجال تحديدًا؟ هلا تحركت للاتصال بجامعة الكويت للمساعدة في إرسال بعثات للتحصيل العلمي والتقني المتقدم؟
إن التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للبلاد عمل مرفوض البتة، والكويت تدير شؤونها عبر مؤسساتها الدستورية، وإذا سكت عن هذا التدخل الآن، فقد تستمر السفارة في تدخلات أخرى قد تكون ضد التوجه الرسمي للدولة.
وبالنسبة للمرسوم الخاص بالمرأة، نقول: ماذا بقي لمجلس الأمة الذي لم يبت بعد في الأمر؟ وما الفائدة من عرض الموضوع عليه وإجراء المناقشات حوله إذا كانت تلك الجهات الأجنبية قد شرعت فعلًا في اتخاذ خطوات عملية لدعم اتجاه بعينه، مع علمها اليقيني أن في الأمر جانبًا شرعيًا دينيًا، وأن الرغبة الأميرية الخاصة بانتخاب المرأة وترشيحها لها معارضوها ولها مؤيدوها؟
لقد قرر مجلس الأمة الكويتي في اجتماعه يوم ۲۰ يوليو الجاري الموافقة على إحالة 60 مرسومًا صدرت أثناء فترة الحل الدستوري إلى اللجان البرلمانية المختصة لدراستها، وإعداد تقارير بشأنها قبل عرضها على المجلس، وهو ما يرجح تأجيل البت فيها إلى حين بدء الدورة البرلمانية الجديدة في أكتوبر المقبل، فكيف يكون موقف المجلس هكذا فيما يسرع الآخرون لترتيب الأمور وفق مخطط آخر؟
ثم إن الخلاف حول مرسوم انتخاب المرأة وترشيحها مطروح أيضًا على مستوى الطعن في دستوريته، استنادًا إلى المادة ۷۱ من الدستور التي قصرت حق إصدار القوانين في غيبة المجلس على عامل الضرورة والاستعجال، وهو ما يرى كثير من الخبراء الدستوريين أنه لا ينطبق على هذا المرسوم.
لقد سبق أن عبرنا عن خشيتنا من أن تتسبب المراسيم الصادرة في غياب المجلس في إفساد العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، واليوم فإننا نحذر من أن يتخذ بعض تلك المراسيم- ولا سيما مرسوم المرأة- ذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، وتفريغ مؤسساتها الدستورية من معناها، وجر الكويتيين إلى قضايا ومشكلات مختلقة ومصطنعة، وشغلهم عن القضايا الرئيسة ذات التأثير الكبير على حاضر الكويت ومستقبلها، وأولها قضية استكمال تطبيق الشريعة، وسياسات الإصلاح الاقتصادي، وقضايا التعليم والإعلام والصحة وغيرها.
أما اللائي هرولن للاجتماع بالسفير الأمريكي، وخلبتهن الوعود البراقة بالتدريب على خوض الحملات الانتخابية، والتعرف على أسرار الفوز في الانتخابات، فيفترض فيهن عدم الهرولة لأي مؤسسات أو دوائر أو سفارات أجنبية، وعليهن التوقف والالتزام بالمصالح العليا للوطن، واحترام إرادة الهيئة النيابية المنتخبة، وبالأقل مراعاة قواعد العملية الديمقراطية وآلياتها القانونية، بدلًا من الهرولة صوب التدخلات الخارجية المرفوضة في بلد يحكمه أبناؤه، فالقوى الأجنبية لا تسعى إلا لمصالحها الخاصة، ولا ترعى عقيدتنا ولا حقوقنا.
إننا نهيب بكل القوى الوطنية الفكرية والسياسية، وبكل المخلصين من أبناء الكويت على اختلاف انتماءاتهم، أن يعلنوا رفضهم لهذا التدخل السافر في شؤوننا الداخلية، وإننا لعلى ثقة من حرص أهل الكويت على ترسيخ قيم الإسلام، وتعزيز الوحدة الوطنية، والتعاون على ما فيه خير الوطن ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: 2).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل