العنوان تدبر القرآن العظيم
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 04-أغسطس-2012
مشاهدات 72
نشر في العدد 2014
نشر في الصفحة 12
السبت 04-أغسطس-2012
ابن عباس: ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة بلا قلب.
هناك رجال ونساء يكبون على القرآن تلاوة لكن حالهم أبعد ما تكون عن العمل به.
محمد الغزالي: الأمة الإسلامية عندما هجرت كتابها فقدت صلتها بالكون.. بينما الذين درسوا الكون خدموا به الكفر.
أمر الله تعالى المسلمين بتدبير القرآن فقال جل من قائل: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ (النساء: 82), واستجاب لذلك جمع غفير من السلف الصالح فتدبروا القرآن وتفكروا فيه, أخرجوا منه أحكامًا تفيد دنياهم وأخراهم, وعملوا به وقدموه على كل شيء, وكانوا يستخرجون منه الحكمة كما يستخرجون الأحكام, وكان الصحابة إذا تعلموا عشر آيات لم يتجاوزوهن إلى العشر الآخر حتى يعلموا ما فيهن, ويعملوا بما فيهن, متعلمو العلم والعمل.
وهذا التابعي الكبير أبو العالية رفيع بن مهران كان يقول: «إن الله قضى على نفسه أن من آمن به هداه, وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (التغابن: 1۱), ومن توكل على الله كفاه, وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق:٣)، ومن أقرضه جازاه, وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة: 245), ومن دعاه أجابه, وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (البقرة :١٨٦), فكلامه هذا يدل على تدبر طويل.
تفهم وتدبر
وهذا الزاهد أبو العباس محمد بن سهل ابن عطاء البغدادي - يرحمه الله تعالى كان له في كل يوم ختمة، وفي رمضان تسعون ختمة, لكنه بقي في ختمة مفردة واحدة بضع عشرة سنة يتفهم ويتدبر.
هكذا كان حال السلف, ولن يستقيم لنا حالنا اليوم إذا قنعنا فقط بالتلاوة دون الفهم والتدبر، وأنك لتجد رجالًا ونساءً يكبون على القرآن تلاوة ويتنافسون في ذلك وهو أمر حسن لكن حالهم أبعد ما تكون عن القرآن, وكأنهم اكتفوا من القرآن بالتلاوة دون العمل به, وهذا على الحقيقة عامل كبير من عوامل تخلف المسلمين وضعفهم وذلهم وهوانهم.
أثر عظيم
وقد كان للسلف رضي الله عنهم كلام حسن في تدبر القرآن العظيم وتفهمه وأثره على النفوس, فمن ذلك أن ابن مسعود رضى الله عنه كان يقول: «ينبغي لقارئ القرآن أن يُعرف بليله إذا الناس نائمون, نهاره إذا الناس يفطرون, وببكائه إذا الناس يضحكون, وبورعه إذا الناس يخلطون, بصمته إذا الناس يخوضون, وبخشوعه إذا الناس يختالون, وبحزنه إذا الناس يفرحون».
وكلامه هذا منصب على من قرأ القرآن مفتدبره وفهمه واتعظ به وعمل بأوامره واجتنب نواهيه.
وقال محمد بن كعب القرطبي: «كنا نعرف قارئ القرآن يصفرة لونه», يشير إلى سهره وطول تجهده, وهذا منبعث من تدبره وتفهمه.
وقال وهيب بن الورد: قيل لرجل ألا تنام؟ قال: إن عجائب القرآن أطرن نومي.
وقال أحمد ابن أبي الحواري: « إني لأقرأ القرآن وأنظر في آية فيحير عقلي بها, وأعجب من حفاظ القرآن كيف يهنيهم النوم ويسعهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا وهم يتلون كتاب الله تعالى، أما أنهم لو فهموا ما يتلون وعرفوا حقه وتلذذوا به واستحلوا المناجاة به لذهب عنهم النوم فرحًا بما قد رزقوا».
أهمية تدبر القرآن
قال الإمام ابن رجب - يرحمه الله تعالى - مذكرًا بأهمية تدبر القرآن في رمضان خاصة: «هذا - عباد الله - شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن, في بقيته للعابدين مستمتع، وهذا كتاب الله يتلى فيه بين أظهركم ويسمع، وهو القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعًا يتصدع، ومع هذا فلا قلب يخشع، ولا عين تدمع, ولا صيام يصان عن الحرام فينفع، إلى أن قال: كم تتلى علينا آيات القرآن وقلوبنا كالحجارة أو أشد قسوة, وكم يتوالى علينا شهر رمضان وحالنا فيه كحال أهل الشقوة, لا الشاب منا ينتهي عن الصبوة, ولا الشيخ ينزجر من القبيح فيلتحق بالصفوة, أین نحن من قوم إذا سمعوا داعي الله أجابوا الدعوة, وإذا تليت عليهم آيات جلت قلوبهم جلوة», أي زال عنها الران والصدأ.
استجلاء المعاني
وهذا أحمد بن إدريس المغربي الإدريسي المتوفي سنة 1253هـ, كان قد وعى أهمية التدبر والتفكر في كتاب الله فأقبل بالكلية عليه, وأطال التفكر في استجلاب أسرار معانيه, ولد ذكر أنه مكث عدة سنين لا شغل له إلا تلاوة كتاب الله تعالي والتعرض لنفحات أسرار علومه, ولطائفه ورقائقه وفهومه حتى فتح الله عليه فتحًا عظيمًا.
وهكذا ينبغي لكل قارئ لكتاب الله أن يتدبر ويتفهم المعاني، ويرجع إلى كتب التفسير، وليس هنالك زمان أشرف من شهر مضان شهر القرآن الذي يتفرغ فيه أكثر الناس لقراءة القرآن والاعتناء به, فيا حبذا لو جمع إلى التلاوة التفسير، وضم إلى ثواب القراءة التدبر والتفكير, والله تعالى أعلم.
هجر الكتاب
وما أحسن كلام الشيخ محمد الغزالي - يرحمه الله تعالى- إذ يقول «وجدنا الأمة الإسلامية عندما هجرت كتابها- أو على الأقل أخذت تقرأه على أنه تراتيل دينية – فإنها فقدت صلتها بالكون، وكانت النتيجة أن الذين درسوا الكون خدموا به الكفر, واستطاعوا أن يسخروه لأنفسهم ومبادئهم وإلحادهم وتثليثهم, أما نحن مع أن كتابنا كتاب تجاوب مع الكون بحيث لم نر كتابًا سماويًا أو مقدسًا – كما يقولون- نوّه بعظمة الله في كون أو بعظمة الكون؛ لأن الله هو الخالق, ما الذي صرفنا عن هذا كله؟ صرفنا عنه أننا ما أحسنا التلقي والتعامل مع القرآن أبدًا, بل كنا نقرأ وكنا نعتبر الخطأ الكبير فقط ألا يمد القارئ المد اللازم خمس أو ست حركات, أو لا يغن الغنة, أو لا يخفي الإخفاء, وكل ذلك يمكن أن يكون وسيلة لحماية الأداء القرآني ليكون محلًا للنظر والتدبر, أما وعي المعاني وإدراك الأحكام والتحقق بالعطفة المناسبة من خلال تشرب معاني القرآن فقد اختفى من نفوسنا, هذا شيء لايد أن نبدأ به كل كلام عن القرآن الكريم وإلا فنحن معزولون عن ديننا وعن مصدره, القرآن كتاب يصنع النفوس ويصنع الأمم ويبني الحضارة, هذه قدرته, هذه طاقته, فأما أن يفتح المصباح فلا يرى أحد النور؛ لأن الأبصار مغلقة فالعيب عيب الأبصار التي أبت أن تنتفع بالنور والله تعالى يقول: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة: 15- 16).
نحن ما اتبعنا رضوان الله تعالى، ولا سبل السلام, ولا استطعنا أن تقدم سلامًا للعالم, ولا استطعنا أن نقدم هدايات القرآن للقارات الخمس, هناك
في عصرنا خمسة مليارات من البشر محجوبة عن أضواء القرآن, وفاقد الشيء لا يعطيه, أرى أنه لابد أن نعود لدراسة القرآن, فهذا قرآن يكلم الرجال ليعيد صياغتهم، ويكلم الأحياء ليحقق استجابتهم, ويكلم العقلاء ليوجه وعيهم فيجعل منهم أمة تحمل رسالتها..», انتهى كلامه يرحمه الله,
وهو كما ترى ليس عليه مزيد, والله الموفق.
استنباط الحكم
ويعرض هاهنا سؤال ألا وهو: من الذي يتدبر القرآن ويستفيد من تدبره؟ لا شك أن متدبري القرآن قلة, وهم في الناس كالشامة, وأكثر الناس بعدهم يقرؤون القرآن بلا تدبر ولا فهم, قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «اعلم أن الرجل قد يكون له قلب قد يكون له قلب وقاد, مليء باستخراج العبر واستنباط الحكم, فهذا قلبه يوقعه على التذكر والاعتبار, فإذا سمع الآيات كانت له نورًا على نور, وهؤلاء أكمل خلق الله تعالى وأعظمهم أيمانًا وبصيرة حتي كأن الذي أخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم مشاهد لهم.. فصاحب هذا القلب إذا سمع الآيات وفي قلبه نور من البصيرة ازداد بها نورًا على نوره, فإن لم يكن للعبد مثل هذا القلب فألقى السمع وشهد قلبه ولم يغب حصل له التذكر أيضًا: ﴿فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ (البقرة: 265).
وقال ابن القيم أيضًا: «أما التأمل في القرآن فهو تحديق نظر القلب إلى معانيه, وجمع الفكر على تدبره وتعقله, وهو المقصود بإنزاله لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر, قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص: 29) وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: 24), وقال الحسن: «نزل القرآن ليتدبر ويعمل به فاتخذوا تلاوته عملًا«.
مفتاح الأنوار
وقال الإمام الغزالي_ يرحمه الله تعالى_ مبينًا أهمية تدبر القرآن: «كثر الحث في كتاب الله تعالى على التدبر والاعتبار، ولا يخفى أن الفكر هو مفتاح الأنوار, ومبدأ الاستبصار, وهو شبكة العلوم ومصيدة المعارف والفهوم, وأكثر الناس قد عرفوا فضله ورتبته لكن جهلوا حقيقته وثمرته ومصدره».
وذكر ابن القيم تعريفًا للتدبر يصلح أن يكون طريقًا للوصول إلى التدبر والتفهم, فقال: «أما تدير القرآن فهو تحدیق نظر القلب إلى معانيه, وجمع الفكر على تدبره وتعقله، وهو المقصود بإنزاله لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر».
والترتيل والترسل طريق إلى التفهم والتدبر فعن حذيفة رضى الله عنه قال: «صلیت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليله فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة, ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة, فمضى فقلت يركع بها, ثم افتتح آل عمران فقرأها, ثم افتتح النساء فقرأها, يقرأ مترسلًا- أي متمهلًا- إذا مر بآية فيها تسبيح سبح, وإذا مر بسؤال سأل, وإذا مر بتعوذ تعوذ».. وقال ابن عباس رضى الله عنهما: «ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة بلا قلب».
وقال محمد بن كعب القرظي: «لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح بـ«إذا زلزلت» و«القارعة», لا أزيد عليهما, وأتردد فيهما وأتفكر أحب إلى من أن أهذ_ أي أقرأ بسرعة_ القرآن ليلتي هذا, أو قال: أنثره نثرًا».
فهذه القراءة سبيل موصل إلى التدبر والفهم ثم العمل, والله الموفق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل